وفد البترول يبحث في نيقوسيا تنفيذ ربط الغاز القبرصي بالتسهيلات المصرية    د. خالد سعيد يكتب: إلى متى تستمر الحرب على غزة؟!    غلق طريق الإسكندرية الصحراوي من البوابات بسبب شبورة كثيفة تعوق الرؤية    قتيلان و6 جرحى بإطلاق نار في كنيسة أثناء تشييع جنازة بولاية يوتا الأمريكية    وزير الثقافة ينعى المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة    أسعار الأسماك والخضروات والدواجن اليوم 8 يناير    بن فرحان وروبيو يبحثان في واشنطن آخر مستجدات المنطقة وجهود الأمن والاستقرار    المجلس الانتقالي الجنوبي يشن هجوما حادا على السعودية    رمضان 2026.. رياض الخولي وسامي مغاوري على قنوات «المتحدة»    رامي وحيد يكشف حقيقة تقديم جزء ثانٍ من فيلم «حلم العمر»    وزير خارجية البحرين يبحث مع نظيريه القبرصي والأوكراني مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية    ما نعرفهاش، أول رد من اتحاد التنس على فضيحة اللاعبة هاجر عبد القادر في مسابقة دولية    عنصر من إدارة الهجرة الأمريكية يقتل سائقة في مينيابوليس خلال حملة هجرة مثيرة للجدل    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    رئيس كولومبيا: أطلعت ترامب على جهود مصادرة المخدرات في البلاد    ريهام سعيد تثير الجدل بمنشور عن أزمة لقاء الخميسي    "بروفة" الأوسكار، "وان باتل أفتر أناذر وسينرز" يتصدران ترشيحات جوائز ممثلي هوليوود    ضبط 32 بلطجيا وهاربا من المراقبة و76 سلاحا ناريا خلال حملات بالمحافظات    بعد أزمة بغداد، وائل جسار يتألق في مهرجان الفسطاط الشتوي بحضور كامل العدد (فيديو)    السيطرة على حريق نشب في منطقة زراعية بمحيط معبد كوم أمبو    رئيس المجلس الأوروبي: الاتحاد يدعم جرينلاند والدنمارك ولن يقبل بانتهاك القانون الدولي    غيبوبة سكر.. أمن القاهرة يكشف ملابسات العثور على جثة مسن بمصر الجديدة    عبر المكبرات.. المساجد تهنئ الكنائس والمسلمون حاضرون في أعياد الميلاد بقنا    مؤتمر فليك: هذه الطريقة التي أريد أن نلعب بها.. وغياب لامال ليس للإصابة    مدرب بورنموث: لسوء الحظ سيمينيو خاض آخر مباراة معنا    مصطفى شكشك: أتمنى إتمام الانتقال إلى الأهلي فى يناير    رئيس الوزراء الأردني يؤكد تعزيز الشراكة مع البنك الأوروبي لدعم مشروعات التنمية    اعمل حسابك في هذا الموعد، انقطاع المياه عن بعض المناطق بالجيزة لمدة 8 ساعات    محمد زهران بعد خسارته: الناس زعلانة فى المطرية لأنى كنت هخدمهم وأجيب حقهم    الطفل ريمون توفيق يوضح كواليس مشاركته فى the blind date show    اتحاد منتجي الدواجن: المخاوف من وصول الأسعار إلى 90 جنيهًا قبل شهر رمضان مبالغ فيها    القصة الكاملة لواقعة رئيس مدينة مع بائع طعمية بقنا    إحالة رؤساء القرى والجمعيات الزراعية بالطريق الزراعي بالقليوبية للتحقيق    الاتحاد الجزائري يكرم مشجع الكونغو المعروف بالتمثال البشرى    مصرع طفلة رضيعة بمركز طهطا بسوهاج فى ظروف غامضة    رئيس جمعية الرفق بالحيوان بالقاهرة يحذر من تفاقم أزمة الكلاب الضالة ويطالب بحلول عاجلة    صراخ وتجمهر.. التفاصيل الكاملة لمشاجرة بين أهالي مريض وأمن مستشفى كفر شكر    بعد انهيار عقار القناطر الخيرية.. فصل المرافق عن العقار المنهار    البابا لاون الرابع عشر يفتتح الكونسيستوار الاستثنائي بالفاتيكان    محافظ سوهاج ومدير الأمن يختتمان الجولة بتهنئة الأخوة الأقباط بعيد الميلاد    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    وزير الإسكان يُعلن طرح حزمة من الفرص الاستثمارية بمدن العبور والعاشر من رمضان وطيبة الجديدة    محمد بركات: خبرة لاعبي منتخب مصر حسمت مواجهة بنين    عضو اتحاد الكرة: تريزيجيه يسابق الزمن للحاق بمواجهة كوت ديفوار    محاكمة مسؤولي اتحاد السباحة بعد وفاة السباح يوسف .. اليوم    أمم إفريقيا - منتخب الجزائر يستضيف ويكرم مشجع الكونغو الديمقراطية    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    نقابة الصيادلة عن سحب تشغيلات من حليب نستله: المشكلة تكمن في المادة الخام    مدير مستشفى أمراض الباطنة بطب قصر العيني تتابع جاهزية الأقسام خلال إجازة عيد الميلاد المجيد    حمدي قوطة يتقدم بأوراق ترشحه رسميًا فى انتخابات رئاسة حزب الوفد    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    عبور الوعى إلى تخوم المعرفة    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    طريقة عمل البسلة والجزر باللحمة بمذاق رائع    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    بمناسبة عيد الميلاد المجيد.. توزيع ورود وحلوى على المحتفلين بكنيسة مارجرجس بدسوق| صور    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإمام الغزالي و‏..‏الفساد السياسي
نشر في الأهرام اليومي يوم 15 - 12 - 2012

كثيرا ما رمقت المعارك الداخلية في تاريخنا الإسلامي ثم حدثت نفسي‏:‏ ماذا لو أن النزاع بين علي ومعاوية بت فيه استفتاء شعبي‏,‏ بدلا من إراقة الدم‏..‏ ولو سلمنا بأن الأسرة الأموية تمثل حزبا سياسيا له مبادئ معينة‏,‏ فماذا عليها لو تركت آل البيت يكونون حزبا آخر يصل إلي الحكم بانتخاب صحيح أو يحرم منه بانتخاب صحيح؟ قال لي متعالم كبير: إن الانتخابات بدعة!قلت له: وسفك الدم واستباحة الحرمة هو السنة؟!! قال: إن الغوغاء لا رأي لهم... قلت: ألم يكن هؤلاء الغوغاء هو سواد الجيوش المقاتلة مع هذا وذاك؟ قبلناهم مقاتلين ولم نقبلهم ناخبين؟!.. سوف يفهم من كلامي أني أحبذ الأسلوب الغربي في الحكم, وربما كان هذا بعض ما أري, أما رأيي كله فإنه قبل الاقتباس من أي نظام عالمي للوسائل التي تحقق قيمنا الفريدة يجب إحداث تغييرات جذرية في الطريقة التي نحيا بها.. لقد كنا فيما مضي طليعة هادية.. ثم أطفأنا نحن ما بأيدينا من مصابيح, ثم شاركنا الهمج حياتهم, ثم تقدموا هم وبقينا نحن في السفوح, والعمل الأول هو كيف ينضج ذلك الركام الكثيف من الخلائق؟.. الأمر لا يحتاج إلي فلسفة عويصة, ولنشرح ما نريد: لقد نظرت إلي القلم الذي أكتب به فوجدته أمريكي الصناعة.. وإلي ساعة يدي فوجدتها سويسرية.. وإلي المنظار الذي يعينني علي الإبصار فوجدته من ألمانيا.. وإلي الحذاء الذي أسير فيه فوجدته إيطالي الصنع.. ثم إلي الثوب الذي أرتديه فوجدت المصدر من الصين, أما الملابس الداخلية فهي من مصر, لكنني تذكرت أن الآلات التي نسجتها من أوروبا.. وأخيرا نظرت إلي السيارة التي تقلني إلي عملي فكانت من اليابان! ماذا صنعنا نحن!! لا شيء! العالم كله منتج ونحن مستهلكون؟ ذاك شيء يخزي.. ووقعت عيني علي صحيفة محلية بها إعلانات شتي, هذا عن الدجاج الفرنسي, وذاك عن التفاح الفرنسي, وهذا عن الكعك الفرنسي.. وأنا أعرف أن طائرات الميراج الفرنسية من أهم قطع سلاحنا, وأن مهارة الفرنسيين في الآلات الكهربائية والإلكترونية شيء يتحدث به الخبراء.. فماذا نصنع نحن؟!.. وصدمني الجواب المر, إن شعوبنا تعاني التخلف الذي يعانيه طفل يسير وراء أبيه, أو تلميذ وراء أستاذه!! إننا شعوب لم تبلغ سن الرشد, سن الإنتاج والاستقلال والاستغناء.. شعوب في وصاية غيرها ماديا وأدبيا, إنها عالة علي غيرها في طعامها وسلاحها جميعا, وقد هبطت إلي ذلك الدرك لخوائها الروحي والفكري, ومسئولية ذلك التخريب تقع علي عواتق نفر من الفقهاء والدعاة والرؤساء والساسة.. وإذا كنا سنظل مصطحبين عوامل الهبوط هذه فلن تزداد أمورنا إلا خبالا خاصة أن هناك مسلما سلفي يموت ولا يضع يده في يد مسلم صوفي فهل هذا يصلح للدفاع عن أمة الإسلام في الميدان الدولي؟! وهناك مسلم يري أن العمامة لباس الإسلام الرسمي, ويجب أن يكون لها ذنب, ويرفض الصلاة وراء من لا يرتدي هذا الزي, ومن يضع يديه علي صدره وهو قائم للصلاة ثم يعيد وضعهما بعد الرفع من الركوع, ويثير زوبعة علي ضرورة ذلك, فإذا ما كلفته بعمل ترقي به الأمة اختفي من الساحة!! هل هؤلاء يصلحون للدفاع عن الإسلام أو السير به في الميدان الدولي؟!.
آراء قالها يوما شيخنا الجليل محمد الغزالي أحمد مرسي السقا ابن قرية نكلا العنب التابعة لمركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة الذي اختار له والده اسمه المركب محمد الغزالي تيمنا بالإمام أبوحامد الغزالي ليتم حفظ القرآن الكريم في العاشرة وينال العالمية عام1941 وإجازة الدعوة عام1943 متلقيا العلم علي يد كوكبة من كبار العلماء منهم الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت, ويكمل سيد الدعاة مسيرة الدعوة برؤية أن المرء لايزال عالما ما طلب العلم فإذا ظن أنه علم فقد جهل.. ولأن دعوة شيخنا الجليل كانت تنير العقول بالحقائق, وتقدم الدين من ينابيعه الصافية خالصا من الزوائد والشوائب وآفات التدين الفاسد, ولا يحب الرياء الديني ولا الرياء الاجتماعي ولا الرياء السياسي فقد أزعج السلطات لتحذره فلما لم يستجب صدر القرار الوزاري عام1971 بمنعه من الخطابة في المساجد عامة تم اعتقاله عاملا كاملا بمعتقل الطور بسيناء سنة1949, وأقل من عام في سجن طرة عام1965 عندما أعيد إلي عمله وعين وكيلا لوزارة الأوقاف, فاعتبر المنصب نوعا من رد الاعتبار بعد الإبعاد والإقصاء, لكنه حين ذهب إلي الوزارة في يومه الأول اقترح عليه وزير الأوقاف أن يبعث ببرقية إلي الرئيس السادات ليشكره علي إعادته ورفع درجة وظيفته, ففوجئ الغزالي بطلب الوزير فقال له: إذا كان لابد من الشكر, فالوحيد الذي يشكر علي ما تم هو الله سبحانه وتعالي الذي أراد فكان ما كان, وتشبث كل من الوزير والشيخ بموقفه, وإزاء إصرار الوزير لم يكن أمام شيخنا المستغني إلا أن هب واقفا قائلا ناهيا الحديث: لا أريد وكالة ولا وزارة وقدم استقالته وعاد إلي بيته مستريح الضمير وهو يعلم أن مرتبه وهو دخله الوحيد قد انقطع..
ويأتي الدكتور عبدالحليم محمود وزيرا للأوقاف في عام1972 فيطالب بعودة الشيخ الغزالي فتلبي الجهات الحاكمة الطلب علي استحياء من الرجل الصوفي المسئول صاحب الشأن الكبير في العالم الإسلامي, ويرسل الدكتور عبدالحليم يدعو الغزالي ليخبره بأنه قد أعيد لاعتلاء المنبر, وأنه سيخطب من منبر جامع عمرو بن العاص إماما له, ولا يهبط القرار علي الغزالي بفرحة خالصة, فالقلب لا يحمل حبا لعمرو بن العاص لموقفه المعادي لعلي بن أبي طالب في حادثة التحكيم بعدما استخدم دهاءه السياسي مع أبي موسي الأشعري لتأتي النتيجة لصالح معاوية, ويعلن الغزالي رفضه بصراحة فيحاصره الوزير بقوله: ستكون إماما وسوف أصلي من خلفك... ويصعد الغزالي منبر ابن العاص مكرها, لكنه في هبوطه كانت تغمره سعادة خفية لا يدري كنهها فيقرر الاستمرار ويقبل الناس علي خطبه بعشرات الألوف علي مدي عامي1972 و..1973 ويتذكر الغزالي استدعاء الشيخ الباقوري له في بيته لأمر هام: عندما جلست علي المقعد القريب منه إذا بالشيخ يقربني إليه أكثر ليبادرني بالسؤال: ماذا بينك وبين عمرو بن العاص؟ فتعجبت قائلا: لا شيء! إنني الآن خطيب مسجده.. فعاد يقول: احك لك ما رأيت, والتفسير لك.. فبينما كنت نائما إذ شعرت بطارق علي الباب يقول بصوت جهوري: الوالي قادم.. فسألت: من هو الوالي؟ فقال الطارق: عمرو بن العاص, فتأهبت للقاء صاحب رسول الله وفي بدني رعشة, ودخل عمرو ليجلس مكانك هذا, رجل قصير في عينيه عمق كأنهما أغوار المحيط وقال لي: أبلغ الغزالي أنني غفرت له تطاوله علي لأنه أحيا مسجدي بعدي..
الغزالي صاحب ال57 كتابا عندما خرج المفكر الإسلامي خالد محمد خالد من المعتقل ليصدر كتابه من هنا نبدأ جاء رد الغزالي عليه بكتاب عنوانه من هنا نعلم ينقد فيه خالد في رفق رعاية لرابطة الود القديم بينهما مستنكرا أن يجرده الأزهر من شهادة العالمية كما نادي البعض, رافضا تدخل السلطة طرفا في آلموضوع الفكري متكئة علي الأزهر.... تلك الصداقة التي جمعت بين الغزالي وخالد كتب الأخير ذكرياته عنها في كتابه قصتي مع الحياة جاء في بعضها: قد حقق الله سبحانه أمنيتي ورجائي وصرنا صديقين حميمين ومرت بنا الأيام, كان أحدنا يقول فيها للآخر: يا.. أنا ويصحب خالد صديقه الشيخ سيد سابق لمسجد عزبان بالعتبة ليسمعا إمام المسجد وخطيبه وقتئذ محمد الغزالي, فيصليان فريضة المغرب لينتقلا بعدها إلي غرفة الإمام الملحقة بالمسجد: وفيما نحن جالسون نتهيأ لتبادل الحديث إذا بصوت الموسيقار محمد عبدالوهاب يتهادي إلي أسماعنا من مذياع محل تجاري للملابس ملاصق للمسجد.. كان يردد إحدي أغنياته الجديدة قائلا: هذه ليلة حبي.. ورأيت الشيخ الغزالي يلامس صدره براحة يمينه, ويكتسي وجهه بشجن رقيق, ويقول: سبحان الله.. إن هذ الأغنية تملأ نفسي بالشجن الجميل.. وابتسمت في رضا وانتشاء.. وأسررت في نفسي كلمات لم تتحرك بها شفتاي: نعم الصديق أنت.. فأنا كنت أهيم حبا للموسيقي وللفن الرفيع, وهاآنذا ألتقي بعالم فاضل لا ينأي عن تحريم الموسيقي والفن فحسب, بل ينفعل بهما وتهزه الأغنية الجميلة والصوت الرخيم, أما أخونا الجليل الشيخ سيد سابق فقد عقب علي المشهد قائلا: إن الإمام أبا حامد الغزالي رضي الله عنه القائل: من لم يطرب بالسماع فهو حمار يمشي علي ساقين, وهكذا استمرأنا الحديث في هذا الموضوع, واتسعت أمامنا مبارح القول, حتي نادي المؤذن لصلاة العشاء فأقمناها, وعدنا نستأنف الحديث في الموسيقي والغناء.
الشيخ الغزالي المنضبط كالساعة, كان لا ينام بعد صلاة الفجر ورغم التصاق جامع شركس بوزارة الأوقاف مقر عمله فلم يترك مكتبه لصلاة الظهر فيه, فقد كان الوقت ممتدا ليلحق بالصلاة مع زوجته في البيت ليأخذ قيلولته ساعة بعد وجبة غداء لا يتناول بعدها طعاما حتي الصباح التالي وكان دائم الاستماع لإذاعة الB.B.C البريطانية.. منصت شغوف لأم كلثوم ومحب لعبدالوهاب ومعجب بكلمات مرسي جميل عزيز, ويرفع له الأبناء صوت فيروز ليسعد بها تغني اعطني الناي وغني, وينادي علي زوجته التي تهوي اقتناء اللوحات الفنية من بعيد: الربيع يا أمينة تعالي اسمعي معايا فريد الأطرش في الراديو.. وعندما يأتي إلي أذنه من بعيد عزف ابنه الطبيب علاء علي البيانو يجلس بجواره معطيا له أذنا صاغية.. وكانت جدران بيته تحنو وتداعب أكثر من كلب آخرها من فصيلة الجريفون الصغير.. ويعثر الابن المهندس ضياء في أوراق والده من بعد وفاته علي دفتر أشعاره فيطلب من الدكتور مصطفي الشكعة أن يقدم لها ورقة تعرف القارئ بها, فإذا بالشكعة يكتب لها مقدمة من79 صفحة تعترف بجودتها وصدق أحاسيسها الواعدة بشاعر كبير خاصة أنه كتبها وهو دون التاسعة عشرة.. الغزالي الزوج الودود سريع البديهة.. المرح الذي كان حزنه بالغا لرحيل زوجته فحياتهما كانت مثالا للمودة والرحمة علي مدي40 عاما, لم يفكر فيها أو بعدها في أخري غيرها, ولم تجف أبدا دموعه عليها, حتي في أحاديثه الإذاعية كان يذرفها ليتهدج صوته عندما تأتي سيرتها, وقد أبكي يوما المذيعة الراحلة آمال العمدة معه عندما سألته عنها, ومن فرط حساسيته كان أهل بيته يهرعون لخفض صوت فيروز عندما تغني بالذات أغنيتها لم؟ لأنها كانت تثير شجونه وذكرياته..
في أيامنا النكدة هذه التي لا يفتأ فيها كل امرئ أن يدلي بفتواه.. أيام سوداء نلقي فيها جحافل الغباء والعناء والشقاء.. أيام إحباط مغلقة الستائر موصدة الأبواب مسحوبة الهواء منزوعة الابتسام عزيزة النوم حليفة الشؤم رفيقة الأرق شقيقة القلق والهم والغم.. أيام الوجوه الغلسة والابتسامات النجسة.. أيام الجهبذة التي ما فيها أحد لا يدعي بأنه كان السباق عليك بالمعرفة, القارئ قبلك للموقف, العالم دونك ببواطن الأسطح, المحدد غيرك لنقطة الانطلاق والتمدد, المتنبئ وأنت في غيبوبتك بمصائر الانغلاق والتشدد.... أنزع نفسي من هذا الخضم المردي من التأويل والتحميل والتنكيل لأذهب إلي سيد المعارف أنعم إلي جواره بجنة الوسطية الإسلامية والاستنارة الفكرية.. الشيخ محمد الغزالي.. أبحث عنده عن إجابات وحلول فأجده يقول:
(صاحب الصواب لا يهاب الحوار.... الفقه الدستوري في أمتنا يجب أن تنحسر عنه ظلال الحجاج وملوك بني العباس وسلاطين آل عثمان.... من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه لا لمن يبصره, وقد نفذ هذا فرعون عندما قال لقومه ما أريكم إلا ما أري... الوطن السوي رجال كثيرون يوصفون بأنهم قمم, أما الوطن المنكوب بالاستبداد فدجاج كثير وديك واحد... عبادة القصور علي امتداد العصور ديانة خسيسة خلقها الحكم الفردي وزخم محاريبها بالأقزام والأفاقين, وهي ديانة جعلت العبقريات تتواري والإمعات تتكلم بصوت جهير... إنما استكبر من استكبر من الفراعنة لأنهم وجدوا من الأتباع من يسارع إلي إجابة أهوائهم وإطاعة نزواتهم دون بصر أو حذر, فعتوا في الأرض... فساد الأديان جاء من طراوة الأتباع في أيدي رؤسائهم وتحولهم مع مبدأ السمع والطاعة إلي أذناب مسيرة, لا فكر لها ولا رأي... نعي القرآن علي قوم أغلقوا عقولهم علي رأي فلم يفهموا سواه ولم يفكروا فيما عداه زاعمين أن الخير فيه وحده فجاء فيهم قوله تعالي: قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.... لا حرج أبدا من اختلاف وجهات النظر, ولا يجوز لصاحب رأي ما أن يحسب نفسه المتحدث الرسمي باسم الله ورسوله, وأن من عداه خارجون علي الإسلام بعيدون عن الحق.. الغريب أن أناسا يتخذون ما كتب في عصور الاضمحلال نبراسا ويظنونه دين الله, وبذلك يضللون الأجيال الراغبة في فهم دينها... بداهة أن الإسلام لم يقتل كسري ليستبدل به كسري آخر, ولكنه دك أطواد الاستبداد ليمهد الطريق أمام شعوب المعاناة كي تعبد رب العالمين في أمان وحرية وسكينة... بين لنا الله في كتابه أن جبروت الحاكم إذا لم تحتسبه ضوابط القانون فسدت الأحوال واختفي الرجال وهانت الحقوق وضاعت الكرامات: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون... خلق الإنسان ليعز لا ليذل, وليكرم لا ليهان, وليفكر بعقله, ويهوي بقلبه, ويسعي بقدمه, ويكدح بيده, لا يشعر وهو يباشر ذلك كله بسلطان أعلي يتحكم في حركاته وسكناته إلا الله الفرد الصمد, ربه ورب الناس أجمعين, بيد أن الناس تظالموا فيما بينهم ومال الميزان دائما مع ذوي البطش فحيثما وجدوا حجزوا ما أراد الله له أن يتسع.
ومطاردة الرأي الناصح يتبعها فساد المجتمع, حتي إذا انفرد الطغيان بالحكم قال لمن لا ينسجم معه: اخرج من هنا, كما حدث لشعيب وكما حدث للوط والأطهار الداعين إلي العفاف فطولبوا بترك البلد وما كان جواب قومه إلا أن قال أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون... في الربع الأول من القرن العشرين حصلت مصر علي دستور من أحدث الدساتير وأقواها علي حماية الأفراد والجماعات, لم يعبه إلا أنه اعتبر منحة من الملك, بيد أن بنوده أمكنت النواب من اعتراض نفقات الملك لما أراد أن يصلح باخرته الخاصة من الموازنة العامة! وانتصرت إرادة الشعب, وسد باب من أبواب السطو الملكي الكريم! وبقي الدستور ثلاثين عاما, عطل في أثنائها مرة, وزورت الانتخابات في وجوده مرارا, ومع كل الأزمات التي أصابته فإن الحريات العامة تغلبت علي العلل المصنوعة, فنمت الرجولة, ونضجت الكرامة, وانتعش العلم والأدب... الحاكم الفرد إذا اطمأن إلي أن أظافره لن تقلم بدستور قوي مضي في بطشه لا يخشي أحدا... الإسلام الذي يسمح باختلاف الدين في بيت تتلاقي فيه الوجوه وتتقارب الأبدان وتشتبك المشاعر, لا يضيق البتة باختلاف الدين في وطن كبير تتسع فيه المصالح وتتعدد الحاجات والكفايات, ويستحب فيه التعاون علي بلوغ الغايات... من خصائص الاستبداد السياسي في كل زمان ومكان كرهه الشديد لحرية النقد والتوجيه, ومن خصائص الإسلام لتقويض أركان الاستبداد أن أوجب علي كل فرد أن ينقد الخطأ وأن يوجه إلي الخير.... أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر... واضعو الدساتير الحديثة ليحكموا العلاقات بين الشعوب وحاكميها أقاموا في صلب النظم الدستورية أعمدة ثابتة أشبه بمانعات الصواعق لتفرج الجماهير فيها غضبها إذا رأت حاكمها قد أخطأ في حقها دون أن يتعرض الحكم لزلزال يدك بنيانه... إن الطريق الذي سلكها الحكام الظلمة قديما وحديثا متشابهة, لأن طبيعة الغشم التي يصدرون عنها واحدة وإن اختلفت العصور والأديان, إنهم يقسمون الأمة أحزابا, ثم يضربون حزبا بحزب, ويفرقونها شيعا ثم يسلطون شيعة علي أخري, كذلك فعل فرعون لما تأله في مصر: إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين وانقسام الأمة شيعا يساوي في خطورته الصواعق التي تنقض من السماء أو الزلازل التي تندك بها الأرض فهو مصدر لتقويض العمران وضياع العزة وهوان الشأن... حدد النبي مبعث الشر علي جمهور الأمة في قوله: إنما أخاف علي أمتي الأئمة المضللين... لما انتشر فقه أبي حنيفة وعلت في الناس مكانته رغب إليه المنصور في تولي القضاء فشعر أبو حنيفة بأن المراد ليس إسناد القضاء إليه, بل انتفاع الدولة باسمه واكتسابها تأييده, فأبي قبول المنصب المعروض, فزج به الخليفة في السجن وضرب فيه حتي مات, وكانت ولاية العهد أيام الإمام مالك بن أنس تؤخذ اغتصابا ويستوثق الملوك لها ببيعة تؤكد بالأيمان المغلظة وعندما اعترض الإمام مالك علي ولاية جعفر بن سليمان اغتصابا للملك قيد للسجن وضرب بالسياط حتي انخلع كتفاه, ولما قدم الشافعي ليلقي نفس المصير قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين وبركاته, قال الخليفة: أين رحمة الله في سلامك؟ قال الشافعي: الرحمة عندك يا أمير المؤمنين, فعفا عنه, ولولا هذا العفو الطارئ لضاع الشافعي وفقهه ومذهبه... الكبر يتضخم حتي يتحول إلي جبروت, والكبر كالشرك يبدأ عوجا في تصرف صغير فلا تكون له فداحة الكفر بالله, ولايزال ينمو حتي يتحول بطرا علي كل حق, وغمطا لكل فرد, وعندئذ يكون الكبر والكفر قرينين, ويأتي قول الرسول مؤكدا لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر... عندما جاء عبدالملك بن مروان ونهي الناس أن تقول له: اتق الله فإنه هدم ركنا في الإسلام... عن عوف بن مالك أن الرسول قال: إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة, فناديت بأعلي صوتي: وما هي يا رسول الله؟ قال: أولها ملامة, وثانيها ندامة, وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل... دين الإسلام قال فيه المصطفي: إني أخاف علي أمتي من أعمال ثلاثة, قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: زلة عالم, وحكم جائر, وهوي متبع... ظهر زعماء كانوا علي جانب كبير من العبقرية والإقدام, وكانوا يحترقون إخلاصا لأوطانهم وحمية لإعلاء شأنها, ولكن هذه الميزات العظيمة ذهبت سدي لفهم الزعيم أنه هدية القدر لشعبه, فيجب أن يصير كل شيء إلي تقديره, وكانت نتيجة هذا الاستبداد أن سقطت ألمانيا وإيطاليا, وأن قتل هتلر وموسوليني, وهما أقدر الرجال الذين ظهروا في العصر الحديث, والحكام الذين يستبدون بالأمور في شرقنا يعتبرون أطفالا عابثين إذا قيسوا بهؤلاء الزعماء المهزومين, فإذا كان الاستبداد قد قتل الذكاء ونكب شعوبا مثقفة بارعة, فكيف الحال مع الرؤساء الصور في أمم واهنة متهالكة؟!.. و..بعض الناس طغاة لأننا نركع لهم!! والأمل في جانب الله يحلو, لكن لا أمل بدون عمل)..
في المسجد النبوي بالمدينة يحضر الآلاف من شعاب المملكة بملابسهم البيضاء لوداع محمد الغزالي, وتمطر السماء ويسأل من أوكل إليه أن يوسد جسد الشيخ الجليل في مثواه الأخير عن شخصية الراحل فيذكرون الاسم فيختصره في جلال موجز.. الواعظ.. ويدفن الغزالي في البقيع ما بين الإمام مالك والإمام نافع من جهة, وبين إبراهيم ابن رسول الله من الجهة الأخري.. يرحل الواعظ لأظل أبدا في نهم لفيض عطاء الاعتدال الإسلامي في منهج الإمام الغزالي..
المزيد من مقالات سناء البيسى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.