رئيس وزراء باكستان: وقف النار بين أمريكا وإيران لا يزال ساريا    فسحة على قد الإيد ب5 جنيه.. حديقة الحيوان تتصدر المشهد بشم النسيم في الإسكندرية    ضبط قائد سيارة أجرة تعدى علي سيدة أثناء تصويرها له بسبب خلاف بينهما حول الأجرة في الفيوم    النائب العام يكلف وحدة الرصد للنيابة العامة بمتابعة أية مخالفة لقرار حظر النشر    مدير فرع الرعاية الصحية بالأقصر يتفقد مستشفى إيزيس ضمن خطة الطوارئ لاحتفالات عيد الربيع    روما: مستعدون لاستضافة مفاوضات لبنان وإسرائيل    الزمالك يكشف موقف عدي الدباغ من لقاء شباب بلوزداد    ليكيب: سان جيرمان وديمبيلي يتفقان على الانتظار بشأن التجديد حتى نهاية الموسم    سيميوني: ندرك قوة برشلونة.. وتركيزنا منصب على حسم التأهل    «بتروجلف» تحقق أعلى إنتاج منذ تأسيسها.. وارتفاع إنتاج خليج السويس إلى 26.6 ألف برميل يوميًا    تراجع أسعار الذهب في مصر بقيمة 30 جنيهًا    جولات ميدانية مكثفة بنطاق المنصورة لضبط الأسواق وتحسين الخدمات في أعياد الربيع    ضبط مندوب رحلات تعدى لفظيًا على سائح في جنوب سيناء    سقوط تشكيل عصابي غسل 170 مليون جنيه حصيلة تجارة المخدرات    فرح يوسف وحمزة العيلي وسارة رزيق في لجنة تحكيم أفلام ذات أثر بمهرجان أسوان لأفلام المرأة    دار الأوبرا تستضيف معرض عالمي للفنان خوسيه موريلو    بعد تكليفات السيسي بسرعة تقديم قوانين الأسرة ل النواب، محمد علي خير يوجه رسالة للبرلمان    مصعب عبدالرؤوف: التوسع في الطاقة الشمسية وتحديث كفاءة الأجهزة مفتاح مضاعفة الإنتاج وخفض الاستهلاك    وظيفة وهمية تنتهي خلف القضبان.. سقوط نصّاب القليوبية    بيت لا يدعوا لإيران لا تدخله الملائكة.. الأوقاف تحذر من تداول تصريحات مفبركة منسوبة لوزيرها    انتصار السيسي تهنئ الشعب المصري بمناسبة شم النسيم    فابريجاس: فخور بشجاعة كومو أمام إنتر رغم الخسارة    شوربة السي فود، بديل لذيذ وصحي للرنجة والفسيخ في شم النسيم    رفع 1450 طن مخلفات، الجيزة تكثف حملات النظافة والتجميل في شم النسيم    محافظ القاهرة يشارك المواطنين احتفالهم بشم النسيم بالحديقة الدولية    الداخلية تضبط 14 طن رنجة وفسيخ غير صالحة في 3 محافظات    الحقيقة الكاملة لتعيين أوائل الخريجين وحملة الماجستير والدكتوراه    الأكاديمية العسكرية المصرية تنظم حفل إنتهاء دورة تعايش لطلبة جامعة عين شمس    شم النسيم.. كيف بدأ أقدم عيد ربيعي من مصر القديمة إلى اليوم؟    ماجدة خير الله: مسلسل "اللعبة 5" بيطبط على روحك    البابا لاوُن الرابع عشر في الجزائر: رسالة مصالحة من "مقام الشهيد" تؤكد أن السلام ثمرة العدالة والمغفرة    الرعاية الصحية: انتشار مكثف للفرق الطبية بالحدائق العامة والمتنزهات والشواطئ والنوادي    بعد تناول الفسيخ، توجه لأقرب مستشفى حال ظهور هذه الأعراض عليك    صحة الإسكندرية تتيح خدمات الإرشاد والدعم النفسي بالوحدات الصحية    رئيس جامعة المنوفية يتابع ملف الجودة وتطوير الأداء المؤسسي واستعدادات الكليات المتقدمة للاعتماد    بعد فقدان السماوي نقطتين أمام المصري، موعد مباراة بيراميدز والزمالك بالدوري    المباريات المتبقية ل سيتي وأرسنال نحو لقب الدوري الإنجليزي    ليلة طربية في السعودية.. راشد الماجد يستعد لحفل ضخم بجدة    أبوك مات .. بقلم/ حمزة الشوابكة    بالصور.. وزارة الشباب والرياضة تُعلن الانتهاء من زراعة نجيل استاد النادي المصري الجديد    جامعة القاهرة تستعرض جهود مركز الاستشارات والبحوث العمرانية وخطته الاستراتيجية    السيطرة على حريق داخل مصنع بلاستيك بالبحيرة (صور)    خروقات مستمرة.. 5 شهداء بنيران الاحتلال في قطاع غزة اليوم    نائبة رئيس حزب الشعب الباكستاني: المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران لا يزال مفتوحا أمام مزيد من الحوار    وزير الإنتاج الحربي يبحث تعزيز التعاون مع "باراسون" الهندية للأنظمة المتقدمة    التشكيل المتوقع لمباراة أهلي جدة ضد الدحيل في دوري أبطال آسيا    هيئة الدواء تنفيذ أكثر من 1.280 تراخيص للمصانع والمنشآت الصيدلية    سعد الدين الهلالي: المنتحر مسلم ويصلى عليه ويستحق الرحمة وبعض الصحابة انتحروا    إستراليا تدعو إلى بقاء مضيق هرمز مفتوحًا للجميع    «السياحة» تعلن انتهاء أعمال تطوير قاعة الخبيئة في متحف الأقصر    رؤى جديدة لمدن لم تأت بعد.. في جلسة حوارية داخل بيت المعمار المصري    ندوة في مركز جمال عبد الناصر الثقافي بالإسكندرية لمناقشة المجموعة القصصية «تحول»    مشاورات مصرية أوغندية لتعزيز التنمية والتكامل الاقتصادي    هل يُغفر للمنتحر؟.. وزارة الأوقاف تبين الحكم الشرعى    وزارة الأوقاف توضح الحكم الشرعى فى الانتحار: أمره إلى الله    ثورة تكنولوجية في السكة الحديد.. تحديث نظم الإشارات لتعزيز الأمان وضمان السلامة    الأوقاف تكشف حكم الانتحار في الشريعة الإسلامية    ترامب: أنفقنا تريليونات الدولارات على الناتو دون أن يساندنا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأدب‏..‏ والفسق والفجور
نشر في الأهرام اليومي يوم 28 - 04 - 2010

هل هذا معقول؟ هل يعقل أن يتقدم أحد ببلاغ للنائب العام طالبا التحقيق ليس مع الخارجين علي القانون وانما ضد الهيئة العامة لقصور الثقافة والكاتب الكبير جمال الغيطاني رئيس تحرير سلسلة الذخائر التي تصدرها الهيئة ؟ وألا تتعلق التهمة باختلاس المال العام مثلا أو التهرب من تنفيذ حكم قضائي وانما نشر إحدي روائع الأدب العربي التي تربت عليها أجيال وراء أجيال من القراء‏,‏ ألا وهي كتاب ألف ليلة وليلة؟ وهل يعقل أن تكون حيثيات التهمة أن المتهمون يعملون بذلك علي نشر الفسق والفجور بين الناس؟‏!‏
قد يكون هذا غير معقول لكنه حدث‏,‏ وحدث في عصرنا هذا‏,‏ في القرن ال‏21‏ الذي نعيشه وليس في أحد عصور التخلف والانحطاط التي عرفناها في الماضي‏,‏ بل حدث منذ أيام معدودة حيث تقدم نفر من المحامين يتبعون جميعا مكتب محاماة واحدا ببلاغ للنائب العام للتحقيق في تلك التهمة التي لابد أنهم يرونها تمثل أكبر خطر يواجه مجتمعنا في الوقت الحالي‏,‏ مخالفين في الرأي البعض الآخر الذي يهتم بمشاكل أخري أقل أهمية علي مايبدو من الفسق والفجور مثل المطالبة باصلاح الحياة السياسية وتعديل الدستور وعقد انتخابات نزيهة‏,‏ بينما انصرفت بعض الفئات من موظفي الهيئات العامة إلي ما هو أقل أهمية من الأثنين معا وهو المطالبة برفع الأجور في وقت ارتفعت فيه الأسعار بشكل مطرد علي مدي السنوات الأخيرة‏,‏ بحيث لم يعد الموظف الحكومي يستطيع الوفاء بالتزاماته المعيشية الأولية‏.‏ لكن أخواننا الذين تقدموا ببلاغهم هذا لابد أنهم يرون التاريخ من باب خلفي مترد يري أن نشر أمهات الأدب الروائي في العالم هو ما ينبغي أن نتصدي له في الوقت الحالي بكل حزم وعزم قبل أي قضية أخري‏.‏
إن كتاب ألف ليلة وليلة ليس مجرد قصص تسلينا عليها ونحن أطفال وانما هو من أهم الكتب في الأدب الانساني بشكل عام‏,‏ بل إن كتاب الديكاميرون للايطالي بوكاتشيو والذي يعتبر مع كوميديا دانتي الإلهية من عيون الأدب الايطالي التي أثرت علي الآداب العالمية هو في رأي بعض النقاد الغربيين اقتباس لألف ليلة وليلة‏,‏ كما أن أديب نوبل العظيم جابرييل جارثيا ماركيز يعترف صراحة بفضل ألف ليلة وليلة علي كتاباته‏.‏
لقد كان لألف ليلة وليلة منذ ترجمت لأول مرة إلي اللغات الأجنبية في القرن الثامن عشر تأثير واسع في الآداب العالمية‏,‏ بل وفي سائر الفنون الأخري مثل الموسيقي‏,‏ فوضع الموسيقار الروسي العبقري ريمسكي كورساكوف متتاليته العظيمة شهر زاد والتي تعتبر اليوم من أشهر المؤلفات الكلاسيكية في العالم‏,‏ كما امتد تأثير ألف ليلة وليلة بعبقريتها السردية إلي الفنون التشكيلية والعروض المسرحية أيضا‏.‏
وكما هو معروف فإن ألف ليلة وليلة مجهولة المؤلف ويذهب البعض إلي أنها تراث شعبي صاغته العبقرية الجمعية في عهد يبدو أنه كان أكثر رقيا وتقدما واستنارة من عصرنا الحالي الذي لم يعد يحتمل فيه البعض مثل هذا العمل الفني الرائع‏,‏ وصار يعتبره جريمة أخلاقية ينبغي الابلاغ عنها والمطالبة بمعاقبة من يجعلونها في متناول الناس ضمن ذخائر تراثنا القومي‏.‏
صحيح أن ألف ليلة وليلة بها إشارات لأمور جنسية‏,‏ لكن من قال إن الأدب يجب ألا يشير إلي الجنس؟ إن الأدب والفن بشكل عام لا يعبر إلا عن الحياة‏,‏ والأديب لا يمكن أن ينظر للحياة وإحدي عينيه مقفلة‏,‏ بل إن عظمة الأدب تزداد وقيمته الانسانية ترتفع كلما احتوي العمل الأدبي الحياة برمتها ولم يحصر نفسه في قطاع واحد منها‏,‏ تلك هي السمة الأولي للأعمال الخالدة في تاريخ الأدب الإنساني‏.‏
وشأن الأدب في ذلك هو شأن الدين أيضا الذي لا تنصب تعاليمه علي جانب واحد من الحياة وانما هو يقدم رؤية فلسفية متكاملة للحياة بكل أبعادها بما في ذلك الجنس والزواج والعلاقة بين الانسان وأخيه الانسان‏,‏ بالاضافة للأمور الروحانية التي تتعلق بعلاقة العبد بربه‏.‏ ولاشك أن الدين الاسلامي الذي أصبح الآن أكثر الجهلاء يتحركون باسمه وهو منهم براء‏,‏ هو أكثر الأديان خوضا في أمور الدنيا‏,‏ إلي جانب الآخرة والأمور الجنسية التي ترد في القرآن الكريم ليست إلا دليلا واضحا علي شمولية العقيدة الاسلامية التي لم تترك أمرا في الحياة إلا وتطرقت إليه‏,‏ وربما كان هذا هو مادعي للحديث الشريف القائل بأن ذكر الأعضاء الجنسية ليس محرما وإنما المحرم هو كشف عورات المسلمين‏.‏
إن العبرة تكون بالهدف الذي من أجله يشار إلي الجنس وليس الجنس في حد ذاته‏,‏ فالجنس موجود في الأدب كما في الدين‏,‏ وفي الطب كما في الفلسفة‏,‏ والهدف في كل هذه الحالات هو هدف نبيل يتعلق بالارتقاء كما في الأدب أو بالمعرفة كما في الطب‏,‏ أو بتنظيم أمور الناس وفق منظومة أخلاقية كما في الدين‏,‏ والفرق بين كل ذلك وبين الأباحية ليس في الموضوع وانما في المعالجة‏,‏ فمعالجة الجنس في الأدب كما في سائر الفنون تختلف اختلافا بينا عن مثيلتها في المواد الإباحية ورقية كانت أو تصويرية‏,‏ وتمثال رودان الشهير القبلة الذي يمثل رجلا وامرأة عاريين يقبلان بعضهما بعضا والمعروض علي الجمهور العريض في متحف رودان بباريس يختلف تماما عن الصور الجنسية التي قد تمثل نفس الوضع لكنها تباع في السر للمراهقين‏.‏
إن القضية هي قضية الفهم الخاطيء للآداب والفنون والذي يأتي من تصدي غير المتخصصين لما هو بعيد عن تخصصهم بينما هناك المئات‏,‏ بل والآلاف ممن أمضوا السنين يدرسون الأدب ونظرياته والفن وفلسفاته وحصلوا في ذلك علي أعلي الدرجات العلمية من مختلف جامعات العالم‏,‏ فكيف لمن لم يدرس إلا القانون أن يتصدي لما هو ليس متخصصا فيه‏.‏
ثم القضية هي قضية من يتصورون أنهم أوصياء علي هذا المجتمع‏,‏ فيحددون ما يقرأه الناس من آداب وما يشاهدونه من فنون بينما لم ينصبهم المجتمع أوصياء عليه ولا اختارهم رقباء‏.‏
والقضية هي أيضا قضية مجتمع اختلط فيه الحابل بالنابل‏,‏ وأصبح من حق أي جاهل بما يتحدث أن يتصور نفسه مبعوث العناية الإلهية له الحق أن يستخدم كلمة الله عز وجل في التعبير عن تخلفه الفكري وترديه الثقافي الذي يسعي لأن يفرضه علي الناس جميعا‏,‏ مستخدما الدين والقانون الذي وضع لحماية حرية الناس وحقها في الاختيار‏,‏ وذلك بعينه هو الفسق والفجور‏.‏

المزيد من مقالات محمد سلماوي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.