بالفيديو.. رمضان عبدالمعز ينعى محمد العصار: صاحب أخلاق عالية    محمد نصرعلام: مصر ستخسر طاقة كبيرة من السد العالي خلال ملء سد النهضة.. فيديو    التنمية المحلية: محاسبة من يستخدم الجراجات في أي غرض غير ركن السيارات    الأوقاف: أكثر من مليون و200 ألف جنيه مبيعات صكوك الأضاحي في يوم واحد    أمانة المرأة بمستقبل وطن ملوي تناقش مشاكل المواطنين حول برنامج تكافل وكرامة (صور)    بتكلفة 130 مليون جنيه.. إنشاء مصنع للقمامة في شبين الكوم    الشيوخ الأمريكي يطالب بإخراج تركيا من برنامج مقاتلات F-35    "قسد" تبحث مع القوات الروسية في سوريا الانتهاكات التركية    الصحة المغربية: 228 إصابة جديدة بكورونا خلال 24 ساعة    الأمن الروسي يعتقل مسؤولا بوكالة الفضاء بتهمة التجسس    فالنسيا يقتنص فوزاً مثيراً على بلد الوليد في الدوري الإسباني    فيديو| تشيلسي يفلت من فخ كريستال ب«ثلاثية صعبة»    حملة ل مجلس مطروح تضبط خيولا على الكورنيش ..صور    تحول الطالب من راسب لناجح.. التعليم تقرر زيادة درجات الرأفة للثانوية العامة    المشدد 15سنة ل3 متهمين اختطفوا شابا في السلام    حمو بيكا ينعى والدة حمادة هلال    مستشار بأكاديمية ناصر يكشف تفاصيل محاولة اقتحام كمين البرث فى ذكرى استشهاد منسى    رئيس جهاز التنسيق الحضارى: العاصمة الإدارية فرصة لاسترداد القاهرة    15 يوليو.. مجلس الأمن يعقد جلسة خاصة حول خزان النفط العائم "صافر" باليمن    "الأوقاف" تكشف سبب اقتحام مواطن لزاوية المعادي (فيديو)    تعافي 23 حالة جديدة من كورونا في بني سويف    الطاعون الدبلي ..الصحة العالمية تراقب إصابات الصين وتقول أن خطورته محدودة    مصرع شخص دهسه قطار أثناء عبوره مزلقان في أسوان    "بخير وبأتم الصحة"..الكنيسة المصرية نافية ما أثير عن صحة البابا تواضروس الثاني    من داخل أنقرة.. وزير دفاع إيطاليا يرفض تدخل تركيا في ليبيا واستفزازاتها ل فرنسا    تشكيل أرسنال ضد ليستر سيتي في الدوري الإنجليزي.. أوباميانج يقود الهجوم    تاج الدين: لقاح كورونا سيتوفر في سبتمبر أو أكتوبر    لو بتشتغل على الكمبيوتر كتير .. لازم تاكل هذا الطعام    قومي المرأة: دعم نفسي واجتماعي للفتيات ضحايا التحرش    مساعد وزير الداخلية السابق لشئون الانتخابات: الشرطة دورها التأمين والتيسير على الناخبين في «الشيوخ»    بداية رائعة ومميزة.. الصقر يهنئ ميدو على برنامجه أوضة اللبس    سقوط أمطار.. الأرصاد تكشف تفاصيل طقس ال 48 ساعة المقبلة    الإعلان عن نتائج المرحلة الأولى للمتقدمين لبرنامج AWS فى الذكاء الاصطناعى    المغرب يفكك خلية إرهابية موالية ل"داعش"    الرئيس اللبناني: تدقيق الحسابات المالية مهم لصالح المفاوضات مع صندوق النقد    وفاة ممرضة داخل الحجر الصحى بتمى الامديد متأثرة بإصابتها بفيروس كورونا    «الأشقياء الثلاثة» سرقوا شقة جارهم المهندس في الزيتون    جامعة الأزهر: التحرش سلوك منحرف.. ويجب الإبلاغ عن مرتكبيه    حسام الحسيني ينتهي من تصوير أغنية "تيك توك" لمحمد رمضان وساكو    بالصور.. جامعة أسيوط تنهي استعداداتها لبدء امتحانات الفصل الثاني للفرق النهائية    شاهد.. لحظة سقوط حافلة مدرسية في بحيرة في الصين    مهرجان فينيسيا يعلن تفاصيل دورته المقبلة    نيمار في حفل صاخب على انغام اغنية روسية    بالصور.. أبو الوفا يراهن على أندية الصعيد في انتخابات الجبلاية    360 فرعا على مستوى الجمهورية.. استمرار المرحلة الثالثة عشرة من مبادرة كلنا واحد.. فيديو    "الوطنية للصحافة" تتقدم بالتعازي في وفاة الكاتب الصحفي محمد علي ابراهيم    هدوء والتزام بلجان الدراسات العليا المهنية بتجارة القناة    فنان شهير يعلن إصابة والده بفيروس كورونا    المعهد القومي للإدارة يطلق برنامج "قيادة التغيير في وقت الأزمات" اليوم    فاتتني صلاة العصر وكنت على سفر وعدت للمنزل بعد خروج وقته .. فكيف أصليها    مساعد وزير التموين: تسجيل 70 ألف علامة تجارية خلال 3 سنوات    مورينيو: مشاجرة لوريس وسون كانت جميلة!    الريشة الطائرة يخاطب الأولمبية لتحديد موعد المسحة الطبية للاعبي المنتخب    الحكومة: بدء تطوير ميادين طلعت حرب والأوبرا والعتبة على غرار ميدان التحرير    الرفق يجلب المودة.. الإفتاء تكشف السر الإلهي فى الحفاظ على الحياة الزوجية    بقيمة تعويضية 53 مليون جنيه .. ضبط 124 قضية تهريب خلال شهر    نصر سالم: الفريق العصار استطاع إصلاح العلاقات مع واشنطن بعد ثورتي يناير ويونيو.. فيديو    تعرف على مصير روح الإنسان بعد الموت    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





المثقف والسياسى ورجل الدولة
نشر في الأهرام اليومي يوم 04 - 04 - 2019

، مفاهيم ثلاثة تختلط على الناس أغلب الوقت، فيترتب على الخلط تصرفات غير مبررة وتوقعات فى غير محلها؛ فيتصرف المثقف كما لو كان سياسيا، ويحاكم الناس السياسى بنفس معايير محاكمتهم للمثقف. للمفاهيم الثلاثة صلة وثيقة بالشأن العام تفكيرا وتنفيذا، ومع هذا فإنه من الضرورى إبقاء الفروق بينها واضحة تجنبا لاختلاط الأدوار، وما ينشأ عنه من أخطاء فى التقييم والاختيار.
الأفكارهى مجال عمل المثقف. للمثقف شغف لا ينقطع بالأفكار، كل الأفكار، القديمة والجديدة، فالمثقف شغوف بمعرفة أصول الأشياء، وتتبع مآلاتها. لا يشعر المثقف أبدا بأن لديه كفاية من الأفكار، وهو لا يمل من البحث عن أفكار جديدة، وعن صياغات جديدة لأفكار قديمة. بعض المثقفين لا يكتفون باستهلاك الأفكار، وإنما ينتجونها أيضا. المثقف يستثمر فى الأفكار، فهو يستهلك الكثير منها، يعيد تشغيلها وتشكيلها، وينتج منها أفكارا جديدة. المثقف يحب الكلام وعصف الأذهان، وأجمل وقته هو الذى يقضيه وسط أقرانه من المثقفين، فى نقاش فكرى غنى ومعقد، حتى وإن لم ينته الجدل لنتيجة محددة.
المثقف يطرح الأسئلة، وكلما كان السؤال عويصا، ويحتمل إجابات متعددة، دل على عمق صاحبه، وأقدامه الراسخة فى عالم الأفكار. السياسى - على عكس المثقف - لا يطرح الأسئلة، لكنه يقدم الإجابات والحلول. الشك، وعدم اليقين، ونسبية الحقيقة وتعددها، كلها من علامات حسن الثقافة وعمقها؛ فيما يتوقع الناس من السياسى تزويدهم باليقين، والأحكام النهائية والإجابات القطعية. صدور الإجابات القطعية عن المثقف فيها دليل على نقص الثقافة؛ فيما ظهور علامات عدم اليقين على السياسى يعد دليلا على الضعف واهتزاز الثقة. المثقف يستثمر فى الافكار؛ والسياسى يستثمر فى العلاقات. المثقف ينتج الأفكار أو يتأنى فى دراستها؛ والسياسى يكفيه من الفكرة عنوانها البراق، يجذب به أنصارا ويحوله إلى قوة تغيير.
يحب المثقف الوقت الذى يقضيه مع نفسه يقرأ ويفكر ويكتب؛ فيما السياسى يفضل قضاء وقته فى التواصل مع أنصار يوجههم، أو مترددين يقنعهم، أو خصوم يحيدهم أو يخدعهم. المثقف يترفع عن النميمة والحكايات الرخيصة؛ فيما السياسى يعيش على مثل هذه الأشياء، يجد فيها مادة للعمل وأدوات للحرب على الخصوم. المثقف لا يحب لأحد أن يزعجه بمشكلات تافهة، وهو المشغول بمصير الوطن والبشرية؛ أما السياسى فيصيبه القلق لو كف الناس عن إلقاء مشكلاتهم على بابه منتظرين منه حلها.
ليس مهما أن يقدم السياسى للناس الإجابات الصحيحة على أسئلتهم، ولكن المهم هو أن يصدقه الناس. السياسى لا يبحث عن الحقيقة، لكنه يسعى للسلطة؛ فالسلطة هى مجال عمل السياسي، وهى العملة التى يتعامل بها. يستثمر السياسى فى السلطة، فيؤسس لنفسه سلطة معنوية وغير رسمية، يوظفها من أجل الفوز بسلطة رسمية فى أجهزة الدولة والحكم. لدى السياسى قدرة على الإقناع، ولديه أيضا موارد يستخدمها مكافأة أو رشوة- لتعزيز سلطته. السياسى الحاذق لا يكافئ فقط، ولكنه يعاقب أيضا. اختلاف الرأى لا يفسد للود قضية بين المثقفين، لكنه يفسد أشياء كثيرة لدى السياسيين. التسامح فضيلة بين المثقفين، لكنه نادرا ما يكون كذلك بين السياسيين.
التصرف السليم من وجهة نظر السياسى هو التصرف الذى يجعله أكثر قوة، فيما يجعل خصومه أكثر ضعفا. السياسى لا يكف عن مقارنة قوته بقوة الآخرين، فبعضهم أقوى منه، وبعضهم الآخر أضعف منه؛ والمطلوب هو إضعاف الأقوياء، واستتباع الضعفاء. الخسارة والمكسب هى مفاهيم غريبة فى عالم الأفكار، لكنها رئيسية فى عالم السياسة والسياسيين. مكاسب السياسى تقاس بما لديه من سلطة، وخسائره تقاس بما يذهب للآخرين منها.
المثقف لا يحب الاختلاط بالجهلاء وقليلى المعرفة، ويهوى لحظة الاجتماع بأقرانه المتبحرين فى شئون الثقافة والفكر. السياسي، على العكس، يخالط أصناف الناس كافة، مادام فى ذلك مصلحة، فهؤلاء فقراء لكنهم أتباع؛ وهؤلاء أثرياء لديهم أموال تحتاجها الحملات ويحتاجها الفقراء من الأنصار؛ وهؤلاء إعلاميون يمكنهم تسويد الصفحة وتبييضها؛ وهؤلاء رجال حكم وإدارة يصدرون التشريعات ويوافقون على الميزانيات. السياسى الحاذق وسيط موهوب بين كل هؤلاء؛ يتوسط بين أصحاب المصالح داخل الحكم، وخارجه؛ وكلما اعتمد عليه عدد أكبر من الناس فى قضاء مصالحهم وتسيير أمورهم علت أسهمه. السياسى يوزع العطايا لكنه ليس فاعل خير.
السياسى لا يفعل شيئا لوجه الله، فهو يحتفظ بسجل دقيق للأفضال والخدمات والمجاملات، ويتوقع استرداد ما دفعه مضافا إليه فائدة مناسبة. الأجل القصير هو المدى الزمنى الذى ينشغل به السياسي، والانتخابات التالية هى أبعد نقطة تشغل تفكيره. على العكس من ذلك، فإن المصالح بعيدة المدى للأمة كلها، هى ما يشغل تفكير رجل الدولة، الذى هو مثقف أو سياسى أو تكنوقراطى وصل إلى موقع السلطة، فقرر التصرف بما يخدم المصلحة بعيدة المدى للأمة، بغض النظر عن النتائج قصيرة المدى لذلك على شعبيته. رجل الدولة هو مثقف تحرر من التردد وعدم الحسم؛ أو سياسى تخلى عن الأنانية؛ فاجتمعت فيه المثل العليا والقدرة على الفعل. التاريخ مليء بسير رجال الدولة.
تصرف الرئيس السادات كرجل دولة عندما اتخذ قرار الحرب، خاصة عندما اتخذ قرار السلام الذى خسر من ورائه الكثير فى حياته، وإن كانت مصر كسبت بسببه الكثير. المستشار الألمانى جيرهارد شرودر تصرف كرجل دولة عندما أخذ على عاتقه إصلاح نظام المعاشات والتعويضات فى بلاده، رغم إدراكه أن هذا القرار بالذات سوف يتسبب فى خسارته الانتخابات التالية، وإن كان سينقذ الاقتصاد الألمانى لسنوات مقبلة. المثقف والسياسى ورجل الدولة كلهم ينتمون للنخبة، وإن كانوا يمثلون ثلاثة أصناف مختلفة داخلها.
المعرفة هى الفضيلة العليا لدى المثقف؛ والسلطة هى الفضيلة الأسمى لدى السياسي؛ فيما الواجب هو الفضيلة الأعلى شأنا لدى رجل الدولة. محظوظة الأمة التى يرزقها الله وفرة من المثقفين الأصلاء، وسياسيين يراعون الضمير والقانون، ورجال دولة يظهرون عند المنعطفات الكبرى.
لمزيد من مقالات د. جمال عبد الجواد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.