خالد الحسيني: العاصمة الإدارية باكورة المدن الذكية في مصر.. فيديو    إصابات كورونا في العالم تصل إلى 61.8 مليون    زاهي حواس: مجدي قفشة يستحق تمثالا في النادي الأهلي    الهلال بطلًا لكأس خادم الحرمين الشريفين    غيرة دينا الشربيني.. مصدر مقرب من عمرو دياب يحسم جدل علاقته ب إيمي سالم    وزير الثقافة الأسبق يعلن أسماء الفائزين بجوائز مهرجان "ما بعد الكورونا"    داعية: المسلم عليه أن يشكر الله على نعمة الاستيقاظ من النوم (فيديو)    تعيين بريطاني من أصول عراقية وزيرًا لشؤون تنظيم لقاحات كورونا    تسجيل 9 إصابات جديدة بفيروس كورونا في كفر الشيخ    أحمد موسى عن فوز الأهلي ببطولة أفريقيا: "أحنا أسياد القارة"    القومي للمرأة مهنئا هدى المراغي بحصولها على أرفع وسام في كندا: عنصر نسائي مشرف    مصدر: 100 ألف معاينة لتركيب عدادات كودية للمخالفين    ريان تستجيب لشكاوى أهالى سنديون بمدينة قليوب    القباج : الرعاية الاجتماعية حق لكل مواطن ونعمل على تحرير الفقراء من دائرة العوز    بين رهان اكتمل وآخر لم يكتمل.. التاسعة في خزائن الأهلي (تحليل بالصور)    إليسا تهنئ عاصي الحلاني بعيد ميلاده    رئيس الوزراء الإثيوبى يعلن دخول الجيش عاصمة تيجراى    منظمة خريحي الأزهر تعقد ندوة عن أخلاق النبي    شاهد.. احتجاجات في باريس ضد عنف الشرطة ومشروع قانون الأمن (فيديو)    «التعاون الإسلامي»: نولي أهمية كبيرة لاستقرار منطقة الساحل    الاجتماع الليبي بالمغرب: إجراء انتخابات نيابية خلال عام من التئام المجلس    «التعامل مع المعنفات».. دورة تدريبية للعاملين بمكتب شكاوى «القومي للمرأة»    بعد مبادرة النقابة.. برلماني يطالب بتوثيق عقود معلمي المدارس الخاصة    رئيس البرلمان العربي: البدء في إجراءات إنشاء لجنة لمكافحة الإرهاب    إنتر يدخل صراع صدارة الدوري الإيطالي بإيقاف ساسولو    تفاصيل حادث تصادم 3 سيارات على الطريق الزراعى بالبحيرة    نشرة الرابعة من تليفزيون اليوم السابع.. صرف معاشات ديسمبر بداية من الثلاثاء المقبل.. الأهلاوية يدعمون لاعب الزمالك المصاب بكورونا أمام منزله.. إسرائيل تتأهب بعد تهديدات طهران..وخريطة الأمطار حتى الأربعاء المقبل    محدش يخاف يبلغ عن مجرم.. ابن الحاجة سامية ضحية بلطجي الإسكندرية يكشف تفاصيل الجريمة    التعليم: صفوف الثانوي العامة أول دفعة تسلمت جهاز التابلت منذ عامين    حبس متهمين بالتحريض ضد الدولة على مواقع التواصل    فلاح يمزق جسد ابن شقيقته بالدقهلية بسبب خلافات بينهما    بعد موافقة خادم الحرمين.. قرار جديد من البنك المركزي السعودي    «نساء مصر»: زيارة الرئيس السيسي لجنوب السودان دعمت الموقف الثابت تجاه القارة الإفريقية    أمين "الشيوخ": 292 مادة في لائحة المجلس.. وإرسالها للأعضاء الليلة    20 صورة نادرة لدلوعة السينما شادية في ذكرى وفاتها    بالفيديو| لحظة عقد قران الفنانة ميار الغيطي    مجلس جامعة الأزهر يناقش ترقية 17 من أعضاء هيئة التدريس إلى الأستاذية    وزيرة الهجرة تشارك أطفال المصريين بأمريكا معسكر "اتكلم عربى" عبر زووم    خالد الجندى: مفاتيح الرزق فى تعامل الرجل مع المرأة    خالد الجندي: 10 مفاتيح للفرج في هذه السورة.. فيديو    3 لقاءات جمعت السيسي وسلفا كير قبل قمة اليوم.. تعرف عليها    رومانيا تسجل 8134 إصابة جديدة جراء فيروس كورونا    رئيس وزراء الهند يزور منشآت لتطوير اللقاحات مع تزايد حالات كورونا    نقلة نوعية فى خدمات مستشفى قصر العينى    «السكة الحديد» تكشف عن تعديلات في مواعيد وجهات 4 قطارات    العراق يسجل أقل معدل يومي للإصابات بكورونا منذ 4 أشهر    برايتون يخطف التعادل من ليفربول في الوقت القاتل    تراجع نسبة العجز الكلي بالموازنة العامة إلى 7.9% في عام 2019-2020    إلهام شاهين ل صدى البلد: أول أجر لى كان 100 جنيه.. ولم أقلق من ظهورى بشخصية أكبر من سني فى حظر تجول    بصورة نادرة.. نجل شقيق شادية يحيى ذكرى رحيلها الثالثة    حصاد 2020.. إنجازات الأوقاف في مجال البر    لتدعيم خط دفاع.. الاتحاد السكندري يضم قائد منتخب جامايكا    سيدة أوسيم تكشف تفاصيل جريمتها: جوزي عيط.. قلت له "اتشاهد على روحك"    لاوتارو وسانشيز يقودان إنتر ميلان أمام ساسولو    الأرجنتين تفتح تحقيقًا حول احتمالية وجود إهمال طبى فى وفاة مارادونا    محمد نصار "تاجر مخدرات" في مسلسل "تقاطع طرق " للنجمة مني زكي    المفتي: من حق الدولة هدم أي مسجد بشرط    لينك بث مباشر مبارة ليفربول وبرايتون اليوم السبت 27-11-2020 live يلا شوت    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحكومة والذوق العام

في حديثه لمجلس الشعب قال وزير المالية الدكتور محمد معيط إن لدى الحكومة خمسة ملايين موظف ليس لهم كراسي ليجلسوا عليها. التصريح فيه مبالغة مقصودة لإظهار التكلفة الباهظة اللازمة للاحتفاظ بجهاز حكومي ضخم كذلك الذي لدينا. موظفو الحكومة لديهم كراسي يجلسون عليها، لكنها كراسي قديمة متهالكة لأن الموازنة لا تسمح بشراء كراسي جديدة مريحة. إذا كان موظفو الحكومة لا يجدون لأنفسهم كراسي مريحة يجلسون عليها، فليس من المتوقع أن يجد المواطن الذي تجبره الظروف لزيارة مكتب حكومي كرسيا يرتاح عليه حتى إنهاء معاملته، فيضطر المسكين للبقاء واقفا كالمتسول أمام مكتب الموظف الجالس على الكرسي المتهالك.
أنا لا أتحدث عن «أليس في بلاد العجائب»، فهذا هو ما نمر به غالبا في كل مرة نذهب فيها لقضاء مصلحة في مؤسسة حكومية. لا أتحدث عن مكاتب المصرية للاتصالات التي نجت بنفسها، فخرجت من الحكومة وتحولت إلى شركة تقدم خدمة فائقة الامتياز، وإن كان كبار السن منا مازالوا يذكرون السنوات الطويلة التي كنا نقضيها في قوائم الانتظار لتركيب خط تليفون, والسنترالات التي كنا نقضي فيها الأيام الطويلة من أجل التعاقد ودفع الفاتورة والإبلاغ عن عطل. أنا أتحدث عن التأمينات الاجتماعية والمعاشات، ووزارة الأوقاف والتربية والتعليم ومكتب العمل والسجل المدني والمحليات, وغيرها الكثير من الوزارات والمصالح الحكومية. إنها الأماكن التي ستجد فيها الكراسي المتهالكة التي تحدث عنها وزير المالية، والتي ستجد فيها طبقات التراب تغطي كل شيء، والتي ستلاحظ فيها أن المكان لم يتم كنسه منذ شهور، ودليلك على ذلك هو حجم الأتربة والمخلفات الموجودة على الأرض وفي الأركان؛ وهي نفس المكاتب التي ستجد فيها أكواما لا حصر لها من الدوسيهات المتهالكة المتربة على الأرفف وفوق الدواليب. هذا هو ما تراه بمجرد الزيارة العادية وبالعين المجردة، وليس عندما تقوم بجولة تفتيشية لمكتب من هذه المكاتب. لن أسألك إن كنت قد جربت مضطرا أن تزور دورة المياه في مصلحة حكومية، فيا لها من تجربة مريرة. أذكر أياما عملت فيها بالتليفزيون، وأذكر الموقف العصيب الذي كنا نواجهه عندما كان الضيف الأجنبي الزائر يحتاج للذهاب لدورة المياه, وعندها كان علينا أن نكافح حتى نعثر على مفتاح دورة المياه الوحيدة الصالحة للاستخدام الآدمي، والتي كانت مخصصة لاستخدام رئيس القطاع الذي كان يقاوم مشاركة الآخرين امتيازاته الخاصة, وهي المقاومة التي كانت تلين عندما كان الرجل يتبين أن الأمر يتعلق بسمعة مصر.
لدينا في الحكومة عقول جبارة وكفاءات نادرة وواجهات مشرفة، لكن أغلب المواطنين لا يلتقون بهذه القامات الرفيعة، ولا يزورون الأماكن التي يعمل فيها أصحاب القامات. المواطنون يتعاملون فقط مع ملايين الموظفين الجالسين فوق الكراسي المتهالكة، وبالنسبة لعموم المواطنين فإن هؤلاء الموظفين وكراسيهم المتهالكة هم الحكومة، وهي صورة غير صحيحة لا يجوز الإبقاء عليها.
مكاتب الحكومة، باستثناء القليل جدا، هي أماكن غير صالحة للتعامل الآدمي، لا للموظفين العاملين فيها ولا للمواطنين المتعاملين معها، والتبعات المترتبة على هذا أكبر بكثير جدا من المعاناة التي يتحملها الموظفون والمواطنون في هذه المكاتب. لا أتوقع من موظف يعمل في هذه الظروف أن يكون سعيدا أو راضيا، ولا أتوقع منه بالتالي أن يعمل بحماسة تتناسب مع توقعات الشعب ووعود الحكومة وعظمة التحديات التي تواجهنا.
على قد فلوسهم, عبارة شائعة لتبرير تكاسل الموظفين عن العمل بكامل الكفاءة والحماس والطاقة طوال ساعات العمل المطلوبة منهم، ولكني أشك في أن الأجر المنخفض هو السبب في تراجع أداء الموظف الحكومي. على قد مكاتبهم, عبارة تشرح بشكل أفضل أسباب عدم الكفاءة ونقص الهمة وإهدار الوقت. نعم، أنا أتحدث مرة أخرى عن أولوية جودة الحياة على مستوى الدخل. في العمل بعد اقتصادي يتعلق بالأجر، وقد يكون منخفضا, وفيه بعد آخر يتعلق بالكرامة والرضا عن الذات واحترامها، وهي الأشياء التي تتولى بيئة العمل غير الآدمية هدمها. فمكان العمل غير النظيف والكراسي المتهالكة ودورات المياه ذات الرائحة العطنة، كل هذه الأشياء تشير إلى أن الحكومة التي تولت تجهيز مكان العمل هذا لم تقم بعملها كما ينبغي، وليس من المنطقي أن يعمل الموظفون بكفاءة تزيد على كفاءة صاحب العمل الذي يوظفهم.
أماكن العمل ليست مجرد مساحات يعمل فيها الناس، إنما هي أيضا رسالة قوية للعاملين فيها عن نوعية الأخلاقيات والتصرفات والألفاظ ومدى ارتفاع صوت الحديث والضحكات ونوعية النكات والملابس ومستوى الكفاءة وسرعة الأداء ورائحة ونوعية الطعام المسموح بأكله فى أثناء وقت العمل. هل تتوقع أن ترى موظفا يضع في رجله «شبشب زنوبة» في مكتب للمصرية الاتصالات أو في أحد البنوك؟ هل تتوقع أن تشم في أحد مكاتبهم رائحة الثوم النفاذة تنبعث من ساندويتش الباذنجان؟ إنها بيئة العمل تحدد المسموح والممنوع، حتى لو لم تكن هناك لوائح تنطق بذلك. الناس في بلادنا على دين حكوماتهم، وإذا كانت الحكومة ترضى لموظفيها بأماكن العمل هذه فإن موظفي الحكومة لن يرضوا للشعب بأفضل من ذلك. هل من المنطقي أن نتوقع من المسئول عن نظافة الحي أن يقوم بتنظيف الشارع إلى مستوى أفضل من المكتب الذي يعمل فيه؟ هل تتوقع منه أن يحرص على نظافة جدران المباني وبهاء ألوانها لتصبح أزهى من الجدران الكالحة لمكتبه في مبنى الحي الذي يعمل به؟
عندما تضع الحكومة موظفيها في بيئة عمل تحكمها معايير متواضعة، فإنها بذلك تحدد المعايير المقبولة في المجتمع كله، فيتولى الموظفون نشر هذه المعايير المتواضعة في أنحاء الوطن, وهؤلاء ليسوا قليلين، إنهم جيش من خمسة ملايين موظف يجلسون على كراسي متهالكة؛ وفي إصلاح ظروف عمل هؤلاء إصلاح للذوق العام ومعايير الأداء وأخلاق العمل في مصر كلها.
لمزيد من مقالات ◀ د. جمال عبدالجواد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.