سافر عشرات الآلاف من الحجاج المصريين هذا العام لأداء شعيرة الحج. سافر بعض الحجاج بالطائرات، وبعضهم الآخر بالبواخر في يسر ودون معاناة. كانت قوافل الجمال هي الطريقة الوحيدة لنقل الحجيج حتى ثمانين عاما مضت، أي حتى ثلاثينيات القرن العشرين. في عام 1934 سيرت شركة مصر للملاحة الباخرة زمزم في أول رحلة بحرية للحجاز. نجحت الرحلة، وقررت الشركة إرسال الباخرة زمزم في رحلة جديدة للحجاز حاملة الراغبين في أداء عمرة شهر رجب الذي وافق شهر أكتوبر عام 1934، إلا أن الرحلة تم إلغاؤها بسبب قلة الإقبال. انتظمت رحلات الحج والعمرة البحرية بعد ذلك، واعتاد الناس سفر البواخر، فتحولت قوافل الحجيج المسافرين على ظهور الجمال إلى ذكرى من الماضي. على واحدة من رحلات حج البواخر المبكرة سافر الدكتور محمد حسين هيكل لأداء مناسك الحج. كان سفر الدكتور هيكل في شهر فبراير من عام 1936، عندما كان حج البواخر، والحج بصفة عامة، مغامرة كبرى تكتنفها المخاطر. عاد الدكتور هيكل من رحلة الحج ليكتب, في منزل الوحي, الذي يعد واحدا من أهم ما كتب. في بعض من الكتاب يحكي الدكتور هيكل عن المخاوف والصعوبات العملية التي كادت تثنيه عن الحج, فما عسى أن تكون الحياة في بلاد العرب لرجل تقتضيه عادات الحياة ما لا يتيسر هناك؟ وما عساي أفعل إذا مرضت؟ ولي ابن عم مات على عرفات ودفن بمكة من عامين لعله لو أسعف بالعلاج والطب ما تيتم أبناؤه، وإذا استطاع الإنسان التغلب على مخاوف المرض وحاجات الحياة في غير أشهر الحج، فكيف يغالبها حين يختلط حابل المسلمين بنابلهم بمكة، وحين تكون الأماكن المقدسة معرضة للأمراض الوافدة إليها من الهند ومن جاوة ومن مختلف أقطار الأرض؟ هذا إلى ما تقضي به نظم مصر الصحية من احتياط بالوقاية الطبية قبل السفر، وحجر صحي في العودة. والإحرام: التجرد من الملابس كلها، والاكتفاء بمئزرين غير مخيطين يلتف الإنسان بهما، ويبقى عاري الرأس ليله ونهاره أياما عدة، كيف يحتمل الإنسان ذلك كله في الحجاز؟ وهو فيما يصفه الواصفون بلاد بادية، لا تعرف من صور الحضارة ما تطمئن إليه نفس أحد ممن أصبح جوار الطبيب والصيدلية بعض ضرورات حياته. لكن الرسالة الأهم في كتاب الدكتور هيكل هي تلك الرسالة المتعلقة بقضية التقدم والنهضة في بلادنا، وكيف لأمة من المسلمين أن تندمج في عصرها، وتصبح جزءا منه، دون أن تفقد هويتها؛ وهي القضية التي شغلت كل أصحاب العقول والضمائر اليقظة في بلادنا منذ هلت علينا مؤثرات حضارة الغرب، ومنذ أدركنا تأخرنا، وحاجتنا لنهضة شاملة تقتلع التخلف, وتضعنا في مصاف الأمم المتقدمة. قدم الكثيرون إجاباتهم عن سؤال التخلف النهضة، لكن تظل الإجابة الدكتور هيكل أهمية خاصة. فالدكتور محمد حسين هيكل هو أحد أهم دعاة الحداثة والحرية في تاريخ الفكر والسياسة المصرية. فالدكتور هيكل هو التلميذ المباشر للأستاذ أحمد لطفي السيد، الأب المؤسس للتيار الوطني الليبرالي. كان الدكتور هيكل أيضا رئيس التحرير المؤسس لجريدة السياسة الناطقة بلسان حزب الأحرار الدستوريين، أهم الأحزاب الليبرالية في تاريخ مصر، قبل أن يتولى رئاسة الحزب إلى أن حلت كل الأحزاب بعد ثورة يوليو. كان الدكتور هيكل قد نشر قبل سنوات قليلة كتابه حياة محمد، فجاء مختلفا عما اعتاد كتابته قبل ذلك عن أعلام التنوير الأوروبيين. أثار حياة محمد انتقاد البعض، ولهؤلاء وجه الدكتور هيكل رسائل كثيرة في منزل الوحي، فكتب قائلا: حسب هؤلاء إنني انقلبت بكتابة السيرة رجعيا، وكنت عندهم قبلها في طليعة المجددين، وكيف لا أنقلب عندهم رجعيا وقد جعلت القرآن حجتي، وما جاء فيه عن السيرة سندي، ولم أضعه كما يقولون موضع النقد العلمي؟! وكيف ساغ لي بعد ذلك أن أزعم أمامهم في «حياة محمد»، وأن أزعم اليوم ها هنا أنني طليق من القيود، عدو للجمود. كان حياة محمد، ومن بعده في منزل الوحي, صدمة لمن ظنوا خصومة وافتراقا بين الحداثة والدين، فشرح الدكتور هيكل رؤيته للمصالحة بين الإيمان والعلم، وبين الحداثة والدين، قائلا إن إيمانه الديني لا يتعارض مع إيمانه بالعلم والمنهج العلمي، فهو فيما كتب لم يتقيد بغير منطقي وعقيدتي الذاتية اللذين كونتهما الطريقة العلمية الحديثة، فأنا لا أسلم بالعقيدة الموروثة إذا لم يكن لها أساس غير ما وجدنا عليه آباءنا، وما لم أمتحنها وأمحصها، وما لم أصل من أمرها إلى الإيمان بأنها هي الحقيقة كما يسيغها عقلي ويطمئن إليها ضميري، وأنا لا أحسب الذين يدينون بعقيدة ما لغير شيء إلا أنهم وجدوا عليها آباءهم مؤمنين حقا، بل أرى واجبا على الإنسان لكرامته الإنسانية أن يحاول ما استطاع فهم ما يلقى إليه، اتصل ذلك بالعقيدة أو بالتشريع أو بالعلم والفن، فإن اهتدى إلى الحق فيه فذاك، وإلا فليلتمس الهدى عند أهل العلم وليطالبهم بإقناعه، والعالم الجدير باسم العالم هو من أقنع سامعه بالحقيقة التي اهتدى إليها عن طريق المجادلة بالتي هي أحسن. شرح الدكتور هيكل في منزل الوحي التغير الذي حدث له، والذي دعاه للاهتمام بالموروث الديني بعد أن انشغل بالتنوير الأوروبي، فكتب أنه: قد خيل إلي زمنا، كما لا يزال يخيل إلى أصحابي، أن نقل حياة الغرب العقلية والروحية سبيلنا إلى هذا النهوض، وما أزال أشارك أصحابي في أنا لانزال في حاجة إلى أن ننقل من حياة الغرب العقلية كل ما نستطيع نقله، لكني أصبحت أخالفهم في أمر الحياة الروحية، وأرى أن ما في الغرب منها غير صالح لأن ننقله، فتاريخنا الروحي غير تاريخ الغرب، وثقافتنا الروحية غير ثقافته. نقل كل ما نستطيع عن العقل الغربي، والتحوط فيما يخص الأمور الروحية، هذه هي عقيدة الدكتور هيكل في مرحلة النضج، والتي مازالت تمثل الإجابة الأكثر شيوعا لسؤال التخلف النهضة الذي مازلنا نبحث عن إجابة له. لمزيد من مقالات ◀ د. جمال عبدالجواد