نواصل فى هذه المقالة الكلام عن رواية حدث فى برلين لهشام الخشن فنقول إن حركة التاريخ البشرى فى مسيرتها الساحقة للمصائر الفردية, كما رأيناها وقد أتلفت حياة راشيل مائير وغيرها من يهود برلين على يد النازية, ثم حياة ليليان شميدت بفعل رد الفعل الصهيونى بعد سقوط الرايخ الهتلري, ها نحن نراها فى ستينيات القرن العشرين تسحق الأسرة الصغيرة التى كونها الحب فى عش ببرلينالشرقية, بَنَته شقشقات عاشقين هما هيلدا شميدت عازفة الكمان وزوجها سيب نافخ الساكسفون المتحمس للشيوعية والذى يعتب على النظام الماركسى الحاكم علناً فى المقاهى التهاون فى تطبيق الاشتراكية عتاب صديق مُحب, فيعتقله النظام هو وامرأته ويضع ابنتهما الصغيرة جريتا فى إحدى مؤسسات تربية الصغار. ويموت سيب دون أن يستطيع تقديم المعلومات المطلوبة عن شركائه فى تنظيم معادٍ لا يوجد أصلاً! بينما تعود زوجته هيلدا لموطنها الأصلى برلينالغربية. تظل هيلدا ثلاثين عاماً تذهب كل يوم إلى جدار برلين العازل تسأل عن مصير ابنتها دون أن تهتدى إليها, حتى تموت قبيل سقوط الجدار بأيام. تموت هيلدا ولم تعلم أن سلطات ألمانيا الديمقراطية سابقاً احتضنت جريتا وصنعت منها بطلة رياضية أوليمبية؛ ومن أجل ذهب الأوليمبياد ظلت جريتا لأعوام تتعاطى دون أن تدرى هرمونات الذكورة لتقوية بنيتها العضلية, حتى تحولت فى النهاية لمسخ مريض أجش الصوت يموت ببطء على سرير مستشفي. ذلك حين تلتقى وتتضفر خيوط الحكاية عام 1993 فتتقابل ليلى ابنة ليليان البيولوجية وابنة الأسرة المصرية بالتبنى مع جريتا ابنة خالتها هيلدا فى ذلك المستشفى ببرلين, حيث تسمع منها تفاصيل الحكايتين وتقرأ ما تركته أمها من أوراق, وتفهم الحكمة والضرورة العملية لوجودها فى برلين: أن تحضر المزاد العلنى لبيع الميراث المشترك لبنات العائلة, الكمان الأثرى الذى ورثتاه عن جدهما شميدت, والذى كان أهداه إياه جاره اليهودى مائير تعبيراً منه عن امتنانه لإنقاذ شميدت لراشيل ابنته من أيدى الشاب الهتلرى المتحمس الذى كان على وشك الفتك بها. تبدأ الرواية وتنتهى ببيع ذلك الكمان, وبين البداية والنهاية يحرص الكاتب على تعشيق أحداث الحكاية بالتدريج كقطع البازل متنقلاً فى الزمان والمكان بما يبدو تجولاً عشوائياً, بينما هو فى الواقع بناء محكم يحكمه منطق التشويق وعدم كشف الأوراق إلا ما تتطلبه الضرورة القصوى لتكشُّف اللغز تدريجيا للقارئ, الذى يستدرجه هشام الخشن للمشاركة فى تعشيق أجزاء البازل الذى هو روايته. وقد نجح فى الحفاظ على فضول واستمتاع القارئ بهذه الحكاية الفزورة, التى تجمع بين لذة الحيرة المؤقتة من حيث الشكل, وبين الجدية الشديدة والمأساوية من حيث الموضوع, فاستطاع أن يهزنا إنسانياً وان يمتع الطفل الذى فى داخلنا بلعبته, فى توازن رهيف لم يطغ فيه جانب على الآخر. وتنتهى الرواية بليلى وقد استضافها التليفزيون الألمانى بعد أن صار الكمان الأثريّ موضوع الساعة, حيث أوقفت راشيل مائير المزاد بعد أن أوشك على أن يتم, مستصدرة حكماً بوقف البيع، لأن الكمان يخص والدها فهى بذلك مالكته الشرعية. وفى تلك المقابلة التليفزيونية يضع هشام الخشن رؤيته السياسية على لسان ليلى التى توضح لمحاورها كيف يلعب التاريخ لعبته الساخرة فينتقم ضحية الأمس لنفسه على حساب ضحية جديدة. إلا أن راشيل يستيقظ ضميرها فى النهاية فتعترف بصحة الوثيقة التى أبرزها محامى آل شميدت والتى يتنازل بموجبها مائير لجاره عن ملكية الكمان الأثري.. الرواية من حيث الشكل تبدو كأنها أدب خفيف يرضى القارئ العام, إلا أنها تحوى عمقاً وتمس جرحاً لم يكف عن النزف منذ سقط أول إنسان ضحية لتقلبات وأفكار ونزوات الجماعة البشرية وقادتها وحالميها.. ومخربيها! لمزيد من مقالات بهاء جاهين