يذهب الكثير من نقاد الفن فى مصر إلى أن الجيل الحالى من كتاب الدراما ليس فى جودة وكفاءة الجيل السابق، وربما أرجعوا ذلك إلى عوامل عديدة على رأسها بالطبع رغبة المنتجين فى تحقيق الربح المادى فقط دون القيمة الفنية، فضلا عن الاستسهال والاستعجال وعدم الدأب والمثابرة من الكتاب أنفسهم، لكنى على عكس وجهة النظر تلك أرى أن ثمة أقلاما شابة تمتلك قدرات كبيرة لتطوير شكل وملامح الدراما الحالية، مثل «هانى كمال» مؤلف مسلسل «أبو العروسة» الذى أعاد الروح إلى الكتابة الاجتماعية بعذوبة انعكست على شكل الأداء من جانب نجوم برعوا فى التجسيد، ومن ثم انتصر المسلسل فى مجمله لواقعية غائبة فى الطرح، وبالتالى حقق ردود أفعال إيجابية (100 مليون مشاهدة لمعظم حلقاته) ، وسجل صدى كبيرا أثناء عرضه كونه تطرق فى أحداثه إلى عدد من القضايا المهمة التى تمس المجتمع المصرى، وقريبة من الواقع. .................................. حيث يحكى عن أسرة مصرية بسيطة من الطبقة الوسطى، أب وأم وخمسة من الأبناء، يتعرض جميعهم لشتى مواقف الحياة التى تجعل من دوائرهم مادة لا تنفد من المواقف التى تنتظر أن تعرض على الشاشة حول المشكلات المثارة داخل الأسرة بين الآباء والأبناء، نظرا لاختلاف الأجيال والتطور الكبير الذى طرأ على المجتمع، وهو من بطولة الفنانين «سيد رجب وسوسن بدر ومدحت صالح ونرمين الفقى ورانيا فريد شوقى وأحمد صيام وصفاء الطوخى وخالد كمال، ويقدم مجموعة من الشباب فى مقدمتهم ميدو عادل ومحمود حجازى وأحمد عبد الله محمود وولاء الشريف ومحمد حاتم وأمانى كمال. أجمل ما فى «أبو العروسة» أنه دخل كل بيت مصرى من الصعيد للساحل دون أى خروج عن القيم والتربية والأخلاق وهو ما يثبت عكس مقولة الفشل بتقديم الإسفاف وما يضر مجتمعنا، فوفقا لقول «منى قطب» منتجة المسلسل: «مصر بها الكثير من القضايا المهمة التى يجب أن نسلط الضوء عليها أكثر من مشاهد البلطجة والإسفاف وتصدير العشوائية، فهى مشاهد لا تمثل سوى نسبة قليلة من الواقع، والواقع الحقيقى الذى نقدمه هو القضايا التى تخص الأسرة وتجمعهم مرة أخرى أمام الشاشة، وتذكرنا بقوة الأسرة وترابطنا، وهذا هو دور الدراما التليفزيونية الحقيقى بعيدًا عن تلك الحملات التى تستهدف تشويه مصر وتقديم شبابها وبناتها بصورة لا أخلاقية وبعيدة كل البعد عن الواقع.» تبدو روعة الكتابة فى «أبو العروسة» فى الحوار الجاذب الذى صاغه كاتب العمل «هانى كمال»، خصوصا فيما يتعلق باختلاف طريقة تفكير جيل الآباء والأبناء، وتناوله نموذجا جديدا لفتاة الطبقة المتوسطة التى تبحث عن الحبيب الزوج، فضلا عن علاقات معقدة لنماذج مختلفة من الشباب ما بين فقدان الذات والعمل والحبيب، فمنهم من يبحث عن الهجرة أو يحاول أخذ قرض لعمل مشروع، ومنهم أيضا من يفوته قطار الزواج وتتركه خطيبته، ما جعل أحداثه تعتمد على شكل الحياة اليومية، المليئة بالتفاصيل بين أفرادها، خاصة الذين تربطهم ببعضهم روابط إنسانية واجتماعية، لذا استهدف الطبقة المتوسطة فى مصر، والتى تعد الأكثر تأثيرًا على المجتمع، حيث إنها تعتبر أساسه، فمنها من خرج من تدهور حاله وأصبح فقيرا، ومنهم من هو عكس ذلك وأصبح غنيا، ولعل المؤلف قصد هنا أن الطبقة المتوسطة غنية بالأحداث، القريبة من المجتمع المصرى، الذى تعد غالبيته العظمى منها، فلذلك نجح المسلسل فى أن يلقى إشادتهم، ويجذب انتباههم، لأنهم وجدوا ما يعيشونه بشكل يومى فيه، خاصة أن تلك الطبقة مهمشة فى الكتابة. كما يبدو أيضا أن هنالك ملمحا مهما فى هذا المسلسل أنه جاء ليعيد للأذهان أخلاقيات الطبقة الوسطى، مع رصد حى للتغيرات التى طرأت عليها مؤخرا، ومنها أن كثيرا من الرجال يجهلون فن إرضاء المرأة أو صلحها، وهذا ما أبرزه «عبد الحميد» الذى جسد دوره الفنان القدير «سيد رجب» من خلال تشغيل أغنية تحمل ذكريات لهما، أو دعوتها للخروج أو حتى الثناء على شكلها وجمالها أو نصرتها على الأبناء فى بعض الأوقات، فالمرأة امرأة مهما كبر عمرها، وفى هذا الإطار أكد فى أحد المشاهد على أن «الست الحنينة رزق»، منتصرا للزوجة الطيبة الحنون، خاصة أن كثيرا من هؤلاء الزوجات ينخرطن فى المشاكل الأسرية دون أن يلتفتن إلى حق الزوج فى جرعة حنان تظهر فى وقت تعب، أو التعبير عن حبها له أمام الأبناء، وهذا ما فعلته «عايدة» التى قامت بدورها الفنانة المتألقة «سوسن بدر» فى المسلسل لتفيق النساء من حالة فقدان المشاعر التى يغرقن فيها بإرادتهن. يمكن القول إجمالا إن مؤلف المسلسل نجح فى رصد التغيرات التي حدثت للطبقة المتوسطة وشكل البيوت المصرية واستطاع أن يعالج مشاكل الأسر وعلاقتها بأبنائها، وهى مشكلات لم تعد موجودة على الشاشة، وإن تم التحدث عنها يتم ذلك بفجاجة شديدة على الرغم من كون هذه الطبقة الحاملة للقيم، فكان من الطبيعى مسلسل «أبو العروسة» ينجح، باعتباره عملا دراميا يجمع الأسرة كلها من أجل متابعته، كما أن أكثر شىء يركز عليه المسلسل هو التفكير بمدى وجود الله في حياتنا وكيف «ترمى تكالك على الله»، وهناك جملة قالها الفنان سيد رجب في المسلسل توضح هذا عندما سألته سوسن بدر: من أين أتى بالفلوس ؟ فيرد: «استلفتها من ربنا لأننا عايشين بقية الشهر بالستر والبركة ، وهذه هي الحقيقة التى ننساها جميعا واكتفينا بالذهاب للصلاة فى المساجد والكنائس، وليس قصد المؤلف هنا أن يعلم المشاهدين، ولكنه يوضح لهم من خلال المواقف لأن المسلسل به رقى أخلاقى، وعلى ذات القدر من البراعة. لقد برع المخرج كمال منصور هو الآخر فى ضبط إيقاع الأداء بين جميع أفراد العمل، ويحسب له أنه فى كل حلقة كان يبرز لقطات واسعة لمعالم القاهرة ما بين مشاهد النيل والكبارى والمواصلات وغيرها بطريقة سلسة ساهمت فى ربط هذه المشاهد بالنسيج العام للمسلسل، لتبدو مكمّلة للمشاهد بحيث نسترجع دون وعى الانتقال السلس المتصل دراميًّا لمشاهد قاهرة الأغنياء والبسطاء فى آن واحد، ولعل «منصور» قد حالفه الحظ فى وجود «سيد رجب وسوسن بدر» كثنائى بارز للمهام الإبداعية فى التجسيد الدرامى الحى، ولا يجب هنا أن نتوقف كثيرا أمام «أبو العروسة» انطلاقا من كونه يشكل البطولة المطلقة الأولى للفنان سيد رجب «عبد الحميد»، لأنه بمرور سريع على مسيرته كفنان موهوب سنجد سجله الفنى مليئا بأدوار هامة ومتنوعة وبأداء يمتاز بالرقى غير المتكلف، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر شخصية القواد «حمادة غزلان» فى «موجة حارة»، والتى أبدع «رجب» فى تجسيدها بصحبة صديقه «محسن السواحلى» الذى جسده الفنان «مدحت صالح»، واللذين تصادف وجودهما فى «أبو العروسة كصديقين وجارين، ولكن بمنطق مختلف فى الأداء تابعه المشاهد بشغف طوال الحلقات، حيث بدا أن «سيد رجب» قد بلغ فى هذا المسلسل نفس حالة الإلهام التى يعيشها المؤلف أوالرسام أو الموسيقى، ولكن فى وضع غير أوضاعهم حين تكون حالاتهم الإبداعية فى خلوة خاصة بينماعليه أن يبدع أمام حشد جمهورى معين وإضاءة معينة وظروف أخرى محددة بحسب تجسيده لشخصية الأب «عبد الحميد» بكل معاناتها الداخلية والخارجية، وربما ترجع كل تلك الصفات التى تتوافر فى «سيد رجب» كونه ممثلا برع من قبل فى كثير من عروض المسرح الواقعى، بحيث تمكن دوما من أن يطوع ويلون أداءه وإلقاءه وفقا لأساليب الأداء، من أجل إحداث الأثر المطلوب على المتلقى، فضلا عن تكيف قدرته مع التحوير والتوفيق والاختيار، فعملية الإلقاء من جانبه لا تأتى عبثا، بل تأتى وفق آلية معدة مسبقا، وفقا لقدرات الممثل نفسه، وبقصد تحقيق فهمه للدور أيضا، وكذلك ضمان التأثير فى المتلقى، وكفالة الجرس العذب الجميل للكلمات المسرحية، ويلاحظ أنه فى ضوء ذلك كله كان يعى دائما ما يلقيه من أجل إيقاظ ملكاته وقدراته بصورة مستمرة، ومن أجل استذكار العمليات المخزونة فى الذاكرة الانفعالية، بكفاءة عالية عن طريق التعبير والاحتفاظ والتوازن عاطفيا وانفعاليا. ولعله من الملحوظ أيضا أن بطولة سيد رجب الأولى يدعمها حضور الفنانة صاحبة الحنكة الدرامية والتى تعد علامة فنية فارقة فى تاريخ السينما والدراما التليفزيونية «سوسن بدر» فى دور الزوجة «عايدة» بأداء عذب خلف ستار الطيبة والحنية، لتثبت أنها فنانة كل الأدوار وكل الأقسام، فالبصمة التى تضيفها إلى الشخصية تضع الكثيرين أمام سؤال «هل تلعب سوسن بدر الدور، أم الدور ذاته يلعبها»، وذلك لأن المصداقية والبساطة التى قدمتهما وضعاها فى منطقة خاصة تغرد فيها بمفردها، بحيث تبدو متحررة تماما من أى نوع من الإجهاد العضلى غير الضرورى، بعيدة تماما عن ذلك التوتر بلا داع، والذى يضر بالممثل، حيث إن التوتر لايعيق استخدام الجسم والصوت وحدهما وإنما يشل انطلاق المخيلة، ومن ثم فقد اعتمدت أسلوب التأنى فى اللفظ فى النطق, والتقرب إلى قلوب السامعين، ضاربة أروع الأمثلة فى أن الممثل يقوم على مبدأ المحاكاة أو تمثيل الآخرين، وذلك من خلال معايشتهم اجتماعيا ونفسيا وجسميا وصوتيا أيضا، وكان صوتها قادرا على أن يعبر باللغة التى تناسب الشخصية وانفعالاتها التى يمليها الموقف الاجتماعى والنفسى والطبيعة الانفعالية وتفاعلها جميعا وفقا لإيقاع عام، هذا بالإضافة إلى أن العمل يقدم عددا كبيرا من الوجوه الشابة الجديرة بالمتابعة؛ وأبرزهم «محمود حجازى، وولاء الشريف» اللذين قدما نموذجا عاطفيا يعد أيقونة هذا العصر فى الرومانسية، حين أجادا تجسيد الشخصيات على نحو صحيح وبتوظيف دقيق من جانب المخرج كمال منصور. ربما وجه البعض انتقادا إلى المسلسل كونه يعرض الطبقة المتوسطة كما يريد لها المجتمع أن تظهر لا كما هى فى الحقيقة، وربما كانت هنالك بعض الأخطاء التى وقع فيها صناع العمل؛ ومنها أن منزل الأسرة المحورية فى المسلسل مفروش فرشًا يليق بأرقى محلات الأثاث المودرن، رغم أنهم يفكرون أكثر من مرة عندما يجيئهم ضيف مفاجئ، ويتطلب الأمر شراء دجاجة لطبخها له، فتفصيلة صغيرة كمفرش كروشيه هاند ميد ملقى على ظهر كنبة فى صالة المنزل كفيلة بنقص كبير فى مصداقية المسلسل، وغرفة الفتيات الشبيهة بغرف «باربى»، وبالتالى لا تليق حتمًا بأسرة تشترى لابنتها موبايل صينى، وتطير به الفتاة فرحًا لأنه أفضل من هاتفها المسروق، وعلى الرغم من بعض تلك الانتقادات إلا أننى أرى أن مسلسل «أبو العروسة» ينتمى لنوعية الدراما العائلية الاجتماعية بامتياز وهنا لابد أن نوجه تحية تقدير واحترام إلى كل من «يسرى الفخرانى وإبراهيم حمودة» على إشرافهما على صناعة هذا العمل الرائع لخروجه على شاشة DMC، حيث يجد المشاهد الحزن والفرحة والموسيقى والرقص، وهو الأمر الذى تفتقده العديد من المسلسلات التى تميل إلى تصوير الفيديو أكثر، كما إنه استطاع أن يأخذنا فى منطقة أخرى بعيداً عن التشويق المرتبط بالأحداث، ويقدم التشويق المرتبط بالأشخاص داخل العلاقات، وهذا أصعب أنواع التشويق فى الدراما الاجتماعية، حيث لا تعتمد على الأكشن بقدر ما تعتمد على الحوار، ولعله قد لامس أوتارا حساسة فى حياتنا الحالية، كما جاء فى الحلقة ال22 من استشهاد الجندى «خالد» أثناء تأدية خدمته فى رفح، وجسده الممثل «أحمد سامى»، وقد أثار ردود فعل كثيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعى، خاصة أنه خلال الحلقة عرضت أغنية «وجع الفراق»، مع مشاهد من الجنازة، فضلا عن بعض من كلمات مؤثرة للفقيد فى رسالة لوالدته، الأمر الذى جعل المشاهدين يشعرون بأنهم يعيشون حالة خاصة من حالات استشهاد أبنائنا فى القوات المسلحة فى حربهم الضروس ضد الإرهاب فى عملية سيناء 2018، ولم يتوقف الأمر على تفاعل المشاهدين مع الأغنية، بل تساءل الكثيرون هل استشهد «خالد» بالفعل؟ خاصة وأن فى نهاية الحلقة وضعت صورته فى شارة المسلسل مع أغنية «وجع الفراق»، بالإضافة إلى شريط أسود، وحرصت صفحة لمحبى المسلسل على توضيح الأمر بموقع Facebook، بسبب اختلاط الأمر على بعض المشاهدين وظنهم بأن الصورة لشهيد حقيقى، ولكنها صورة للممثل الذى جسد شخصية «خالد» ووضعها صناع العمل مع الأغنية فى شارة المسلسل كإهداء لشهداء الوطن، وفى هذا الصدد أشار المخرج كمال منصور إلى أنه من أصعب المشاهد التى تم تصويرها فى المسلسل، مشهد الجنازة، حيث صور فى مقابر حقيقية فى المنصورية منذ الساعة الخامسة صباحًا، ومعه نحو 600 كومبارس، لتصوير ذلك المشهد المهيب، مشيرا إلى أنه لم ينم يومها إلا ساعة واحدة، لأنه كان يدرس كل تفاصيله بإتقان.. تحية لكل صناع هذا العمل الاجتماعى الراقى.