ميريل ستريب: لا يمكن محاسبة أعدائنا والسكوت عن ممارسات زملائنا توم هانكس : قدم معايير النزاهة الصحفية
فى خضم الأزمة المحتدمة حاليا بين الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» وعدد من الصحف الأمريكية العريقة، وعلى رأسها «واشنطن بوست» يطرح المخرج الأمريكى «ستيفن سبيلبرج» فى فيلمه الجديد «The Post» قضية حرية الصحافة، وكيفية التعامل مع وثائق يمكنها أن تهدد استقرار البلاد. ................................................... تعود قصة فيلم «The Post» الى أوائل سبعينيات القرن الماضى، عندما نُشرت «أوراق البنتاجون» فى صحيفة «نيويوريك تايمز» ومن ثم نشرت «واشنطن بوست» من بعدها، الأمر الذى أدى بالضرورة إلى معركة بين رأس السلطة والصحافة، ويقدم الفيلم بالتفصيل كيفية وصول الوثائق المسربة التى كشفت خداع أربعة رؤساء أمريكيين (ترومان، أيزنهاور، كينيدى، وجونسون)، وفضحت ما كان يجرى بالفعل فى حرب فيتنام، حيث أرسلت الولاياتالمتحدة جنودها إلى هناك للقتال، على الرغم من معرفتها مسبقا بأن الهزيمة واقعة لامحالة وأنها ليست سوى مسألة وقت. والفيلم يأتى بشكل إيقاعى بالدرجة الأولى، عبر تسلسل منطقى للأحداث وسلاسة سرد وثائقية غنية بالمشاهد، ربما تعود فى براعتها لكاتبى السيناريو «ليز هاناه، وجوش سينجر» ولعل الأخير يتمتع بخبرة عالية فى كتابة أفلام تتعلق بالعمل الصحافى الاستقصائى - ذلك اللون المفقود فى صحافتنا العربية - وهو الذى شارك فى كتابة فيلم «سبوت لايت» (2015)، حول فضيحة الاعتداءات الجنسية على الأطفال من قِبل قساوسة كاثوليك، ومن ثم فقد استطاع كاتبا السيناريو بالعودة بنا إلى منتصف عام 1971 حيث ضجت الأخبار بوثائق «أوراق البنتاجون»، الأمر الذى جعل صحيفة «نيويورك تايمز» تحقق السبق الصحفى، وكانت أول من نشر التسريبات، لكنها سرعان ما توقفت عن ذلك بعد قرار صادر من المحكمة الأمريكية العليا بوقف النشر، وفى تلك الأثناء، اتخذ «بن برادلى» المحرر التنفيذى للجريدة قراراً بنشر الوثائق السرية فى صحيفته «واشنطن بوست»، التى كانت تعيش حالة من المنافسة الشرسة مع ال «نيويورك تايمز» ما جعل الصحيفة فى مواجهة داخلية مع العاملين فى الصحيفة من ناحية، ومن ناحية أخرى فى مواجهة خارجية مع السلطة الأميركية. وعلى الرغم من أن منافستها- نيويورك تايمز- تبدو واضحة بعد أن كشفت عن معلومات مهمة عنها للمرة الأولى، إلا أن «واشنطن بوست» أثقلتها ووثقتها بسرعة، يضاف إلى ذلك أن شخصية «ستريب» أو «كاى» أثرت المشاهد وهى فى قلب المؤامرة، والكثير من الدراما تحدث فى غرفة الأخبار، لذا فإن «The post» سينضم قريبا إلى الأفلام الصحفية المقنعة: خط من النجاحات السينمائية التى جاءت إما للاحتفال بدور المراسلين الشرفاء فى الديمقراطية، أو اكتشاف بعض الحيل القذرة للتجارة، وأحيانا للقيام بكليهما على حد سواء. ورغم أن «The post» يعكس شيئاً من الوضع الحالى فى الولاياتالمتحدة، والعلاقة بين الصحافة الأمريكية ورئيس البلاد، فقد رفض سبيلبرغ توصيف الفيلم بالسياسى، وقال: «اعتقد أنه من المهم جداً ألا يُنظر إلى الفيلم على أنه فيلم سياسى أو حزبى، من خلال ما يسميه الإعلام ليبرالية هوليوود»، وأضاف: «أنا لا أرى أنه فيلم حزبى، لكنه فيلم عن الوطنية والإعلام الشجاع، والقوة الرابعة، وكل ما فعلوه للحصول على أوراق البنتاجون لتنشر، والتى اخذتهم بعد ذلك إلى «ووترجيت». لكن السؤال الأهم والذى ظل يشغل الكثيرين من أعضاء مجلس إدارة الصحيفة ومستشاريها القانونيين والماليين: كيف وصلت هذه الوثائق إلى الصحيفة؟ أسبوع من «المعارك» هو العمود الفقرى للفيلم، وكعادته يذهب «سبيلبرج» بكاميرا ذكية وواعية للغاية إلى ما وراء القصة التى «هزت» البيت الأبيض حينها، وبحرفية عالية اعتدناها فى كثير من أعماله يركز بعمق شديد على التفاصيل التى صاحبت تلك الظروف، والتى بدورها واكبت وصول التقارير إلى «برادلى»، وكذا تأثيرها ليس فى الرأى العام فحسب، بل فى المسيرة المهنية للصحافيين داخل «الواشنطن بوست»، إذ إن قرار «برادلى»، المؤيد بشدة وحماس منقطع النظير لنشر الوثائق، لن يشكل نقطة تحول فى تاريخ الصحيفة العريقة فحسب، بل إنه حتما سيرسم تاريخاً جديداً للمحرر التنفيذى نفسه يحقق له الشهرة فى مستقبله المهنى، كما أن هذه الوثائق تعتبر تحدياً جديداً بالنسبة إلى «كاى جراهام» نفسها، والتى يمكنها أن تستعيد من خلاله مكانتها فى الصحيفة، بل وتعزز من دورها القيادى كأول امرأة تدير الصحيفة، بالإضافة إلى مسئوليتها تجاه مؤسسة هى بمثابة إرث العائلة المهدد بالإنهيار فى مواجهة السلطة، فقد استلمت «كاثرين غراهام» رئاسة تحرير «واشنطن بوست»، بعد انتحار زوجها عام 1963، وهى الصحفية الخجولة لا تحصد ثقة الموجودين فى الصحيفة، بل إنها ليست نموذجاً نسوياً ريادياً، كما أن المحرر التنفيذي الذى وظفته، بن برادلى، لا يلقى إعجاب الجميع كما يبدو من تصرفاته التى تتسم بالغطرسة فى اتخاذ القرارات. يأتى الفيلم فى بدايته بارداً بلا عواطف، أو أى نوع من حرارة فى الأحداث التى تبدو جامدة إلى حد كبير، وينجح سبيلبرج فى تقديم ذلك الطابع المُفعم بالحيوية الذى يميز غرفة الأخبار فى صحيفة «الواشنطن بوست»، وأجواء حركة المطابع بكل ما يسود هذه الأماكن من طاقةٍ تطن فى جنباتها، ومحادثاتٍ تبدأ على نحو غير متوقع وقد لا تتسم بالترابط، بجانب هذا الشعور الجمعى بالفخر الذى يعم الجميع عندما يتم تحقيق إنجاز ما، وهو مايتجسد واقعيا فور تناولهم لنسخة من الصحيفة فى أثناء سريانها السريع نحو القارئ، وكى ينجح فى مهمته أكثر فقد أحاط المخرج الشهير فى هوليود نجميه وبطلى فيلمه بفريق عملٍ من الممثلين الآخرين نابض بالحياة، ومن بين أفضل هؤلاء؛ «كارى كون» فى دور كاتبة الافتتاحيات «ميج جرينفيلد»، و«بوب أودينكيرك» فى دور مساعد مدير التحرير «بِن باجديكيان»، هذا الصحفى المخضرم الذى تبدو عليه علامات الإرهاق، ويقيم صلةً شديدة الأهمية مع «إلزبرج»، كما يخلق سبيلبرج حالةً من التوتر خلال مشاهد تصور فى أماكن لا يبدو أنها محفوفة بمخاطر جمة، على سبيل المثال، نرى فريقاً من الصحفيين منتشرين على أرضية غرفة المعيشة بمنزل برادلى، وهم يُجَمِّعون أوراقاً غير مؤرخة من تلك الوثائق السرية التى تلقاها «باجديكيان»، وهم فى سباق مع الزمن للوفاء بذلك قبل انتهاء مهلة ما، بينما يساورهم جميعاً تساؤل مفاده: ما إذا كانت جراهام ستتحدى محامييها، وتعطى الضوء الأخضر لنشر الوثائق أم لا؟. وهنا لابد لنا من الإشارة إلى أن نجمى هوليوود «ميريل ستريب وتوم هانكس»، ظهرا كرمزين للصحافة الأمريكية فى تلك الحقبة من سبعينيات القرن الماضى، ففى دور «جراهام وبرادلى»، قدمت «ستريب» بالفعل مزيجاً مثالياً فى التواضع والحماس الكاريزماتيكى فى مواصفات مطابقة للشخصية التى قامت بتأديتها بمزيج من العقلانية المتأنية التى تحاول الحفاظ على إرث زوجها وحقوق العاملين فى الصحيفة التى وضعت بين شقى رحى، أما «توم هانكس» فقدم شخصية عاطفية اندفاعية جدا وشغوفة بمهنتها إلى حد الثمالة، ويبدوان معا فى تجسيدهما لدوريهما، على درجة عالية من الوعى.الموسيقى التصويرية لجون ويليامز، فكانت فى البداية بعيدة من الجو العام إلى حد ما، لكنها فى النصف الثانى من الفيلم أسهمت ببراعة فى بناء جو من التوتر الذى أسهم فى سخونة الأحداث، وبدوره قدم «سبيلبرج» العمل على طريقته الخاصة بحركة كاميرا واعية تعرف كيف تغوص فى التفاصيل، مع التركيز على اللقطات القريبة من الشخصيات فى اللحظات الحرجة، فضلا عن مسرحة بعض المواقف فى عديد من المشاهد لإظهار هشاشة وصعوبة إتخاذ القرارات والمواقف. فكان كل تركيز سبيلبرج على إظهار ستريب وهانك (أو غراهام وبرادلى) لأطول فترة ممكنة على الشاشة، بحيث لا يبرز أى اداء مهم للشخصيات الثانوية. ورغم كل ماسبق إلا أن الفيلم لا يخلو من بارقة أملٍ، حتى وهو يحذر من التهديدات المُحدقة بحرية الصحافة، فعندما يُظهر سبيلبرج الرئيس الأمريكى وهو يهاجم الصحافة بقسوة وعدوانية، فإنه يجعله شخصاً تغشاه الظلال، ويبدو من على مبعدة فى البيت الأبيض، ولكنه يستخدم فى هذه المشاهد «صوت نيكسون الحقيقى»، بالاستعانة بتسجيلاتٍ له كانت سريةً فى يومٍ ما، وقالها سبيلبرج صريحة واضحة : إن موضوع حرية الصحافة يتجاوز أى حكومة واحدة، وقال الجميع يمر بحرب مع وسائل الإعلام ومع الصحافة، فقد مر الرئيس «باراك أوباما» بها، ومر بها الرئيس «جورج بوش»، ومر بها الرئيس «بيل كلينتون» تماما كما تمر بها الإدارة الحالية لترامب. وبدوره قال «توم هانكس» الذى اعترف أنه كان يشعر «بالرهبة» فى البداية من زميلته «ميريل ستريب» عندما كانا يصوران العمل الذى يدور فى إطار صحفى حول تقيمه لفيلم The post : «أعتقد أنه فيلم وطنى جيد جدا عن ما هى حالة أمريكا؟، وأضاف هانكس: «أن الفيلم يحكى عن مكانة المرأة والمساواة فى مكان العمل، وهو بالتأكيد عن إرث حرب فيتنام وما فعلته 40 عاما من السياسة للولايات المتحدةالأمريكية، وهو أيضا عن النزاهة الصحفية لأناس يعتبرونها ليست وظيفتهم، لكن مسئوليتهم الخروج والحصول على الحقيقة»، أما ميريل ستريب، التى انتقدت ترامب بشدة العام الماضى من على منصة حفل توزيع جوائز «الجولدن جلوب»، فهى تعترف أنه لا يمكن محاسبة أعدائها والسكوت عن ممارسات زملائها من السياسيين، مضيفة: «علينا أن نطالب أصدقاءنا بالالتزام بنفس المعايير التى نطلبها من الذين يحملون وجهات نظر سياسية عدائية. وأعتقد أن هذه هى رسالة الفيلم» تقول الممثلة العريقة، لتؤكد فى النهاية: إنه عندما لا تتسق الصحافة مع مبادئها، وتعجز عن الدفاع عن الناس حيال جبروت الحكومات، والتواطؤ مع السياسيين الفاسدين، أو أن تصبح هامشا ذليلا للخطاب المتخلّف لرجال الدين، ذلك يعنى باختصار أن الصحافة لم تجعل العالم أفضل، إن لم تكن قد أسهمت بجعله أسوأ.