محافظ أسيوط يختتم جولاته لتهنئة الأقباط بعيد الميلاد بكنائس المحافظة    كنائس كفر الشيخ تحتفل بعيد الميلاد المجيد وسط أجواء من البهجة    أسعار الذهب تواصل التراجع عالمياً وبالسوق المحلية في منتصف تعاملات اليوم    محافظ القاهرة يتفقد أعمال ترميم سور مجرى العيون    توزيع 900 كيلو لحوم مجانا ب4 كنائس لدعم 450 أسرة فى كفر الشيخ    تصعيد في حلب.. الجيش السوري يتوعد ببسط الأمن وقسد تستهدف النازحين    أيوب: المسيرات أصبحت السلاح الأكثر استخدامًا بين روسيا والناتو    ليس رحيله، سر مغادرة تير شتيجن لمعسكر برشلونة في السوبر الإسباني    بارما بوابة إنتر ميلان للابتعاد بصدارة الدوري الإيطالي    سيميوني: مباراة ريال مدريد مخلتفة عن مواجهة الدوري.. وسورلوث مهم لنا    المشجع الكونغولي الأسطوري «لومومبا» ظل واقفًا في الملاعب ل 438 دقيقة    وزير الرياضة الجنوب إفريقي يعتذر عن تصريحات هوجو بروس    النيران تلتهم كشك مواد غذائية في كفر الشيخ    وكيل تموين الإسكندرية يقود حملة على المخابز لضبط المتلاعبين بالرغيف المدعم    انفصال نيكول كيدمان وكيث إيربان بعد زواج دام 18 عاما    علاج الحموضة وحرقة المعدة طبيعيًا، بطرق آمنة وفعّالة    111 ألف طن قمح رصيد صوامع الغلال بميناء دمياط اليوم    بيان رسمي من لقاء الخميسي بشأن زواج زوجها من فنانة أخرى    حنان مطاوع تهنئ والدتها سهير المرشدى بتكريمها فى احتفالية عيد الثقافة    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    سقوط متهم بإدارة صفحة وهمية لترويج بيع الأسلحة عبر مواقع التواصل    دور العرض المصرية تستقبل كولونيا اليوم.. و15 يناير فى العالم العربى    اعتراف بالفشل.. التعليم تقرر إعادة امتحان البرمجة للصف الأول الثانوي بعد سقوط منصة كيريو    حمدي قوطة يتقدم بأوراق ترشحه لرئاسة حزب الوفد    الصحة: استهداف خفض الولادات القيصرية إلى 40% بحلول 2027    تليجراف: جلاسنر على رأس أولويات يونايتد.. والخطوة المقبلة    إيران تدين زيارة وزير خارجية إسرائيل إلى أرض الصومال وتعتبرها انتهاكا للسيادة    ننشر الأسماء.. وزارة التضامن تغلق 80 دار رعاية مخالفة وغير مرخصة في 18 شهرًا    البديوي السيد: رسائل الرئيس السيسي من الكاتدرائية تؤكد تماسك النسيج الوطني ووحدة الصف    عاجل.. سلامة الغذاء تسحب عبوات لبن نستلة من الأسواق    طريقة عمل أرز بالسبانخ والليمون، طبق نباتي غني بالحديد ومثالي للصحة    "القاهرة الإخبارية": استمرار القصف الإسرائيلي على الأحياء الشرقية لقطاع غزة واستشهاد طفلة    مشاورات مصرية عمانية في القاهرة    كنوز تعبر القارات: المتحف المصري بالقاهرة ورسالة التراث إلى العالم    احتجاجات لليهود الحريديم ضد قانون التجنيد تنتهى بمقتل مراهق فى القدس.. ونتنياهو يدعو لضبط النفس    ضبط 2.5 طن نشا مجهولة المصدر بمصنع بشبين القناطر بمحافظة القليوبية    رئيس جامعة الوادي الجديد يترأس وفد زيارة أسقف الواحات لتقديم التهنئة بعيد الميلاد    1000 رحلة يوميا و1.2 مليون راكب.. السكة الحديد تكشف أرقام التشغيل على مستوى الجمهورية    فرقة «نور الحياة» تحيي حفلًا ببيت الغناء العربي الجمعة    تشييع جثمان المطرب ناصر صقر إلى مثواه الأخير    عضو الحزب الاشتراكي الموحد بفنزويلا: واشنطن تطمع في ثروات كاراكاس من النفط والذهب    انطلاق «مارثون الخير» بفنادق شرم الشيخ    البابا تواضروس: وحدتنا أساس الحفاظ على الوطن وقواتنا المسلحة فخر لكل مصرى    الرعاية الصحية تعلن خطتها للتأمين الطبي لاحتفالات عيد الميلاد المجيد    ضبط 1293 قضية فى مترو الأنفاق و3223 قضية سرقة كهرباء خلال 24 ساعة    إصابة 22 عاملًا بحادث انقلاب ميكروباص عمال في البحيرة    اقتصاديات الصحة تدرج 59 دواء جديدا وتضيف 29 خدمة خلال 2025    خبر في الجول – معتمد جمال يقود الزمالك لحين التعاقد مع مدير فني أجنبي    وزارة المالية: مديونية أجهزة الموازنة للناتج المحلي تستمر في التراجع    أسعار اللحوم في الأسواق المصرية اليوم الأربعاء 7 يناير 2026    299 متهمًا و62 ألف حكم.. حصيلة 24 ساعة من الحملات الأمنية    حماية الأمن المائي المصري، بيان عاجل لوزارتي الخارجية والموارد المائية والري    وزيرا الزراعة والتعليم العالي يبحثان تفاصيل مشروع إنشاء جامعة الغذاء في مصر    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    وزيرا الدفاع والداخلية في فنزويلا على قائمة الأهداف الأمريكية المحتملة    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فى دراسة بمناسبة مرور 106 أعوام على ميلاد نجيب محفوظ
مصر بعيون عميد الرواية العربية

لماذا يجب علينا الاحتفاء والاحتفال بذكرى كاتب مثل نجيب محفوظ رغم كل ما يشغلنا اليوم من أحداث جسام محلية وعالمية؟ هل نشغل بالنا بروايات ونحن نرى أمامنا كل هذا الجنون الذى يفوق كل خيال؟ ما أهمية الكاتب اليوم وما أهمية الرواية وكيف نعيد قراءة ما قرأناه ومشاهدة ما سبق أن شاهدناه من أعماله التى تحولت لأفلام سينمائية ومسلسلات درامية؟.
دعونا نفكر معا «ما أهمية نجيب محفوظ اليوم عند المصريين والعرب بعد أكثر من مائة وستة أعوام على ميلاده: هل لأنه أول أديب عربى يحصل على نوبل فى الآداب؟ أم لأنه مزج بين الفلسفى والإنسانى والاجتماعى فأنتج أدبا عالميا يدرس الآن فى أهم جامعات العالم؟ هل لجرأته فى تناول بعض الإشكاليات الدينية التى يهرب منها معظم المبدعين؟ أم لأنه رسم بقلمه ملامح المجتمع المصرى فى مائة عام من خلال كتاباته التى أرخ بها لواقع المصريين سياسيا واجتماعيا ودينيا واقتصاديا؟.
فخلال مسيرته الأدبية الطويلة، لم ينفصل نجيب محفوظ فى أعماله عن مجتمعه وما يعتمل داخله من تيارات وصراعات اجتماعية وسياسية، وتمكن أديب نوبل من رصد ميول ومزاج الشعب المصرى واتجاهاته، سواء بالرفض أو القبول لأى من التيارات السياسية أو الوطنية، فكان الجيش المصرى بصفته معبرا رئيسيا عن «الوطنية» المصرية ظاهرا بجلاء فى معظم الأعمال، كما ظهر الإسلام السياسى، وفى الصدارة منه الإخوان المسلمين بانحيازاتهم وتطرفهم عبر أدب الكاتب الكبير، حيث يبدى نجيب محفوظ منذ أعماله الأولى المبكرة: «السراب» و«بداية ونهاية»، اهتمامًا لافتًا بالجيش المصرى، ويعبر أدبه الروائى والقصصى عن إدراك ناضج لمكانة المؤسسة العسكرية وخطورة الدور الذى تقوم به، كما أنه يعى حقيقة انتماء ضباطها إلى الواقع الإنسانى المتشعب بكل ما فيه من خير وشر، وإيجابيات وسلبيات، وسمو وابتذال. وقد قام الكاتب والباحث الكبير مصطفى بيومى بدراسة مطولة عن نجيب محفوظ وإبداعاته ورويته للواقع الإجتماعى والسياسى المصرى وفى الصدارة منه موقفه من الجيش المصرى ودوره الفاعل فى المجتمع كما تطرق فى دراسته إلى موقف أديب نوبل من الاخوان وهذان المحوران هما اللذان نلقى عليهما الضوء فى السطور التالية.
الجيش .. درع الوطن فى مواجهة المحن

للإحاطة برؤية الكاتب الكبير حول علاقة الجيش بالمجتمع والحياة السياسية، والتوقف عند قراءته التحليلية الناضجة لحروب الجيش وملابساتها، ورصد تعبيره عن شخصية الضابط المحترف، منذ أواسط الثلاثينيات إلى قرب نهاية السبعينيات من القرن العشرين يرى للباحث مصطفى بيومى أن موقف محفوظ من الجيش هو موقف موضوعى متوازن،
بعيد عن الإسراف العاطفى الانفعالى، بعده عن التحامل وإنكار ما لا يمكن إنكاره من أهمية المؤسسة العريقة، ذات الجذور التاريخية الممتدة إلى آلاف السنين.
فمهندس الرى المتقاعد فى قصة «عندما يأتى المساء»، يعيش الحياة التقليدية لأصحاب المعاشات، فلا أنيس له إلا حفنة من الجيران الأصدقاء، الذين يماثلونه فى العمر والاهتمامات: «يهرع مع الليل إلى منظرة صديق على المعاش كان معلم لغة عربية، يملك بيتًا صغيرًا ذات حديقة صغيرة، ويوافيهما ضابط جيش عجوز على المعاش أيضًا وصيدلى قبطى اعتزل العمل. يتسامرون، يلعبون النرد، يحتسون الشاى أو المرطبات تبعًا للفصول، يدخنون، ثم يفترقون عند اقتراب الفجر إلى مساكنهم المتقاربة».
مهندس ومدرس وضابط جيش وصيدلي؛ مهن متنوعة تمثل فى مجموعها خريطة مصغرة للحياة الاجتماعية المصرية. لا تنشغل القصة بأى من أصدقاء مهندس الرى، الذى تنعقد له البطولة المطلقة، لكن الإِشارة العابرة تنم عن ذلك النسيج العام الذى ينخرط فيه الجميع دون تمييز أو اختلاف.
لا يختلف الضابط المتقاعد مجهول الاسم، فى القصة السابقة، عن الضابط الكبير الذى خطب مأمون رضوان ابنته فى «القاهرة الجديدة»، فالشاب المسلم المتدين يأبى إلا أن يتسلح بأكبر قدر ممكن من الانضباط الأخلاقى والالتزام الدينى، ولذلك يعالج أمور قلبه بنزاهة واستقامة: «خطب الفتاة- وهى كريمة قريب له من ضباط الجيش العظام- بعد مشورة أبيه، وتم الاتفاق على أن يعقد عليها عقب الانتهاء من دراسته، وصار يتردد على بيتها كل خميس، فيجالس الأسرة مجتمعة، ويمضى بضع ساعات فى سمر لذيذ. ولم يخطر له على بال قط أن يدعو فتاته إلى السينما، أو أن يدبر حيلة للانفراد بها، ذلك أنه كان من الكافرين بالبدع الحديثة- على حد تعبيره- الثائرين عليها، فلقى سلوكه من أسرة الفتاة أسرة حافظت على تمسكها بالتقاليد القديمة كل إعجاب وتقدير».
ضابط مجهول الاسم ذو رتبة كبيرة، ورب أسرة موصوفة بالمحافظة والتمسك بالتقاليد القديمة، مثله فى ذلك مثل آلاف من أرباب الأسر الذين يتشبثون بالموروث وينفرون من الأفكار والقيم الوافدة.
لم تكن العسكرية تحظى باهتمام خاص فى الحياة الاجتماعية المصرية، خلال الربع الأول من القرن العشرين حسب روايات محفوظ ونجد فى الحوار بين كمال أحمد عبدالجواد وأبيه فى «قصر الشوق». بعد حصول كمال على البكالوريا ما يعبر عن ذلك، حيث يتساءل الأب عن «المدرسة العليا» التى ينوى كمال الالتحاق بها، ويميل السيد أحمد إلى مدرسة الحقوق، التى تتيح العمل فى النيابة والمحاماة، أما الرغبة الأسمى التى لا تتيحها بكالوريا الآداب فهى مدرسة الطب. وإذ يصر كمال على مدرسة المعلمين «المجانية»، يقول الأب متبرمًا يائسًا:
»- إذا لم تكن بك رغبة فى الحقوق، وبعض الناس يعشقون التعاسة، فاختر مدرسة محترمة: الحربية، البوليس، وشيء خير من لا شيء!.
فقال كمال منزعجًا:
- أدخل الحربية أو البوليس وقد نلت البكالوريا؟
- ما حيلتى إذا لم يكن لك فى الطب نصيب؟!».
لا يفكر السيد أحمد عبدالجواد فى مدرستى الحربية والبوليس إلا مضطرًا، والمنطق الذى يحكمه هو «شيء خير من لا شيء»!. الالتحاق بالمدرسة الحربية إذن لا يمثل طموحًا حقيقيًا مشبعًا، ووظيفة ضابط الجيش لا تتوافق مع أحلام الأب، التى تدور حول الطب والقانون. قد تكون الحربية أفضل من المعلمين «المجانية»، لكنها بالضرورة لا ترقى إلى مستوى مدارس القمة من منظور التاجر الطموح!.
اللافت للنظر أن كمال عبدالجواد لا يخفى انزعاجه من «فكرة» الالتحاق بالحربية بعد أن نال شهادة البكالوريا، فقد كانت الشهادة الابتدائية وحدها كافية، قبل أن تتغير اللوائح ويقتصر الدخول على حملة شهادة البكالوريا.
طفرة حقيقية بدلت الصورة النمطية السائدة عن الجيش والحياة العسكرية، والفضل الأكبر فى ذلك التغيير يعود إلى معاهدة سنة 1936، التى أتاحت للجيش المصرى أن يتطور ويستوعب المزيد من الطلاب المؤهلين، وتحولت الكلية الحربية إلى هدف، لا يتطلع إليه الفقراء والمحرومون مثل حسنين كامل على، أو الفاشلون المتعثرون دراسيًا من أمثال عبدالمنعم الكاشف، بل يراوده أيضًا أبناء الصفوة من المنتمين إلى الطبقة الأرستقراطية. يتجلى ذلك بوضوح عند ذهاب حسنين، فى «بداية ونهاية»، لإجراء اختبارات ما قبل القبول فى الكلية: «وكان بادئ الأمر مطمئنًا إلى مزاياه الجسمانية من طول قامته ورشاقة قده ووسامته، ولكنه تخلى عن كثير من إعجابه بنفسه حين تفحص الآخرين، ورأى بينهم شبابًا غضًا وفتوة ناضرة وجمالاً رائعًا، إلى ما لاحظ على بعض الأفراد من مخايل الأرستقراطية».
بعد توقيع معاهدة 1936، شهدت الكلية الحربية إقبالاً متزايدًا من الطبقات كافة، وليست صدفة أن يكون الضباط الأحرار جميعًا من الذين التحقوا بالكلية بعد المعاهدة وبفضلها، ووفق تعبير الرئيس السادات فى محاكمته «أمام العرش»: «ثم أمكننى الالتحاق بالكلية الحربية التى فتحت أبوابها لأمثالى من أبناء الشعب بعد معاهدة 1936».
هؤلاء الطلاب الجدد ليسوا كسابقيهم، وعلى أيديهم تغير مسار التاريخ المصرى جذريًا، فبعد أن كان الموقف الاجتماعى من الجيش وضباطه أقرب إلى السلبية، بدأت مرحلة جديدة كان تتويجها بقيام ثورة 23 يوليو.
كان لابد أن تتغير الأمور بعد معاهدة 1936، التى سمحت بدخول عناصر شابة ذات أصول شعبية وتوجهات غير تقليدية، وازداد الاقتراب من الهم السياسى بعد هزيمة الجيش المصرى فى حرب 1948. الضابط قدرى رزق، فى «المرايا»، يبرئ الجيش من مسئولية الهزيمة، ويرى أن المناخ السياسى الفاسد هو السبب: «لقد ضُحى بالجيش بطريقة دنيئة قُصد بها القضاء على كرامته وأرواح رجاله».
ثم يضيف، كأنه ينذر بما سوف يكون: «لا يمكن أن يمر ذلك بلا ثمن».
أما جمال عبدالناصر، فى محاكمته «أمام العرش»، فيقول ما نصه: «وقد هالتنى الهزيمة، وهالتنى أكثر جذورها الممتدة فى أعماق الوطن، فخطر لى أن أنقل المعركة إلى الداخل حيث يكمن أعداء البلاد الحقيقيون، وأنشأت فى حذر وسرية تنظيم الضباط الأحرار، ورصدت الأحداث انتظارًا للحظة المناسبة للانقضاض على النظام القائم».
الجيش مطالب بحسم المعارك عسكريًا مع أعداء الخارج، فماذا لو أن التهديد الحقيقى ينبع من الداخل؟!. هنا يتحول العسكريون إلى العمل السياسى المباشر، ذلك أن أبناء المؤسسة العسكرية المصرية، ضباطًا وجنودًا، جزء أصيل من النسيج الوطنى العام، ومن حقهم- وواجبهم أيضًا- أن يتفاعلوا مع أزمات الوطن ويسعوا إلى بذل كل جهد مستطاع لانتشاله وإنقاذه عند مواجهة المحن.
نجح تنظيم الضباط الأحرار فى الإطاحة بالعهد الملكى، وتحول العسكريون إلى ساسة، ولم يكن «كل» ضباط الجيش منغمسين فى الحكم والعمل السياسى بعد ثورة يوليو، فالأغلبية الساحقة كانت تقوم بواجبها العسكرى فى مناخ لا يتيح الفرصة للقيام بهذا الواجب على النحو الأمثل.
ثمة إشارات عابرة بلا تفاصيل مشبعة عن حرب 1948، التى ترتبت على إعلان قيام دولة إسرائيل، فى روايات «الباقى من الزمن ساعة»، و«قشتمر».. و«حديث الصباح والمساء»، وقصة «صباح الورد»، لكن الشهادة الأهم عن الحرب تظهر فى «أمام العرش»، التى تقدم حوارات مع رجال مصر من مينا حتى أنور السادات، ذلك أن جمال عبدالناصر يعلى من أهمية الحرب التى كشفت عن خلل فادح فى النظام، تنعكس آثاره السلبية على الجيش وضباطه، وتنبئ بضرورة التغيير الجذرى لإصلاح المسار.
يقول عبدالناصر فى محاكمته: «وتخرجت فى الكلية الحربية عام 1938، واشتركت فى حرب فلسطين، وحوصرت مع من حوصر فى الفالوجا، وقد هالتنى الهزيمة، وهالتنى أكثر جذورها الممتدة فى أعماق الوطن، فخطر لى أن أنقل المعركة إلى الداخل حيث يكمن أعداء البلاد الحقيقيون، وأنشأت فى حذر وسرية تنظيم الضباط الأحرار». لكن بعد ذلك جاءت هزيمة يونية 1967، التى تعد مع تداعياتها نقطة فاصلة فى التاريخ المصرى المعاصر، وفى المسار الذى اتخذته ثورة يوليو، فهى أقرب إلى أن تكون المحطة الأخيرة الحاسمة، فى رحلة امتدت قبلها خمسة عشر عامًا، حافلة بالعديد من الإنجازات والإخفاقات.
إن اليقين الذى يتشبث به نجيب محفوظ هو أن النظام الناصرى قد تعرض لانكسار مدمر لا دواء له، وأن زعامة عبدالناصر قد تراجعت وفقدت توهجها، فلم يبق منها إلا القليل الذى ينتسب إلى ما قبل الهزيمة. يتجلى ذلك الموقف بوضوح فى تعليق الراوى على الهزيمة فى «الباقى من الزمن ساعة»: «وأخيرًا أُعلن عن بيان سيذيعه الرئيس على الشعب. استقر الكبار فى البيوت وانتشر الشباب فى الشوارع والمقاهى. انتظر الجميع ملهوفين البيان، متوترين بانفعالات محتدمة، منقبة أعينهم فى الظلمات عن بارقة أمل. أليس ثمة رابطة وثيقة بين لسان الرئيس والأمل؟. أجل إنه لا ينطق إلا مرسلاً باقات من الآمال المنعشة، لكنه ذلك المساء طالعهم بوجه جديد، وصوت جديد، وروح جديدة. اندثر رجل وحل محله رجل آخر. رجل آخر يحدث عن نكسة، يشهر إفلاسًا، يندب حظًا، يحنى قامته العملاقة لواقع صارم عار عن الأحلام والأمجاد، ويلتمس مخرجًا بائسًا فى التنحى، مخليًا مكانه الشامخ المتهدم لخليفة أراد له أن يرث تركته المثقلة باللامعقول والعار».
لقد انتهى عبد الناصر: وجه جديد وصوت جديد وروح جديدة. اندثر الزعيم القديم، وحل مكانه زعيم مهزوم، يشهر إفلاسه، ويندب حظه، ويتنحى مخلفًا وراه تركة ثقيلة، قوامها اللامعقول والعار!.
لكن بعد هزيمة يونية 1967، بدأ الاستعداد الجاد للثأر ورد الاعتبار، وكانت الخطوة الضرورية الأولى هى إعادة بناء وتسليح الجيش المصرى، الذى تماسك سريعًا واسترد عافيته وخاض حرب الاستنزاف ضد إسرائيل.
ففى «الحب تحت المطر»، يجسد نجيب محفوظ أجواء ما بعد هزيمة يونية وانعكاساتها على الحياة المصرية، وكم يبدو الجندى إبراهيم عبده مسكونًا بالمرارة والألم وهو يشكو لشقيقته من الإحساس الموجع بالفارق الشاسع بين الجبهة المشتعلة والهدوء العبثى فى شوارع العاصمة اللاهية: «لا أريد تغيير نظام الكون، أريد فقط أن أشعر بأننى أُستقبل بين أصدقائى استقبال العائد من جبهة مشتعلة فى سبيل الدفاع عن الوطن».
يؤمن المقاتلون فى الجبهة أن الحرب الشاملة آتية لا ريب فيها، أما غير المحاربين فيقول عنهم إبراهيم ساخرًا: «إنكم تودون أن تجدوا النصر يومًا ضمن أخبار الصحف»!. وبعيدًا عن التعصب السياسى والآراء المتحاملة التى تنم عن العداء غير الموضوعى، فقد خاض الجيش المصرى حربًا حقيقية فى سنوات الاستنزاف، ودفع ضباطه وجنوده ثمنًا غاليًا، وصولاً إلى حرب العبور والانتصار فى أكتوبر 1973.
المعادون للسادات، مثل الماركسية سهام حامد برهان، تقول عن حرب أكتوبر: «إنها هزيمة أشنع من 5 يونيو»، وعمتها الناصرية منيرة، تؤكد فى ثقة وإصرار: «ولكنه جمال الذى خلق هذا الجيش وجهزه»!.
الرأى نفسه يذهب إليه الشاعر الناصرى طاهر عبيد الأرملاوى، فى «قشتمر»، فهو يستقبل النصر بفتور غريب: «وراح يرجع جذوره إلى البطل الراحل»!.
لاشك أن انتصار أكتوبر 1973 هو الأعظم فى تاريخ العسكرية المصرية، لكن المعادين للسادات لا يرون فى الانتصار ما يشبع، كراهية فى السادات وسياسته، وليس تشكيكًا فى إنجاز الجيش المصرى.
السادات، فى محاكمته «أمام العرش»، يعلن عن سعادته وفخره بالانتصار وآثاره الإيجابية: «وفى 6 أكتوبر 1973 فاجأت العدو المحتل، بل فاجأت العالم بهجوم لم يتوقعه أحد، وحققت انتصارًا أنقذ الروح العربية من القنوط، كما انتشل الشرف من الهوان». وإذ يقول عبدالناصر إن النصر ثمرة الاستعداد الطويل الذى بدأه قبل موته، يرد السادات رافضًا: «ما كان لمنهزم مثلك أن يحقق انتصارًا، ولكنى أرجعت للشعب حريته وكرامته ثم قدته إلى نصر كيد».
إعادة بناء وتسليح الجيش المصرى مهمة نبيلة تُحسب للرئيس عبدالناصر بعد هزيمة يونيو، وقرار الحرب إنجاز تاريخى خارق للسادات، ويبقى الفضل الأكبر فى الانتصار لضباط وجنود الجيش المصرى، دون نظر إلى الخلافات السياسية مع عبدالناصر والسادات أو غيرهما.الخلاصة الآن أن نجيب محفوظ فى رواياته يعلى من شأن الجيش المصرى ووطنيته، ويتعامل مع ضباطه وجنوده وفق المعايير والمقاييس الإنسانية، ومن هنا نضج وطزاجة وتفرد شهادته حول تلك المؤسسة الوطنية المهمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.