بعد حسمه القضية السورية عسكريا، وفى قمة ثمة من وصفها فى موسكو بأنها تعيد إلى الأذهان القمة التى جمعت رؤساء الاتحاد السوفيتى ستالين والولاياتالمتحدة روزفلت وبريطانيا ونستون تشيرشل فى يالطا فى فبراير 1945 قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية، توصل الرئيس فلاديمير بوتين مع نظيريه التركى رجب طيب أردوغان والإيرانى حسن روحانى، إلى جملة من القرارات السياسية تبدو أشبه ب«خريطة طريق» لتجاوز ما بقى من عثرات تتناثر على طريق التحول نحو مباحثات «لم الشمل» بين فرقاء الأزمة السورية، والتفرغ لوضع الخطوط الرئيسية للتسوية السلمية وتحديد ملامح العمل فى المنطقة خلال الفترة القليلة المقبلة. دخلت الأزمة السورية منعطفا جديدا تشى ملامحه بقرب «زوال الغمة»، وبزوغ «فجر المصالحة الوطنية» بين فرقاء الأمس، بعد أن نجحت موسكو فى تجاوز ما سبق وتناثر من عثرات على طريق الاتفاق بين الشركاء واللاعبين الرئيسيين من أصحاب المواقف المغايرة التى كانت تقف على طرفى نقيض من مجمل تطورات الأحداث فى منطقة الشرق الأوسط، وبعد أن فرضت موسكو واقعا جديدا فى سوريا بما حققته قواتها المسلحة والقوات الحكومية السورية والفصائل الموالية لها من انتصارات عسكرية ضد جحافل الإرهاب هناك. وكان الرئيس بوتين وبعد حسمه القضية عسكريا ، عقد عزمه على تثبيت ذلك سياسيا من خلال ما قام ويقوم به من لقاءات واتصالات مع الأطراف المعنية فى الساحتين الدولية والاقليمية. وفى هذا الإطار استهل بوتين نشاطه على هذا الطريق خلال الأيام القليلة الماضية ، بدعوة الرئيس السورى بشار الأسد إلى سوتشي، حيث توصل معه الى المبادئ الاساسية التي يجب الاستناد اليها للتوصل الى اتفاق مع «الفرقاء» بشأن ملامح التسوية السلمية للأزمة السورية. وعاد بوتين ليستضيف نظيريه التركى رجب طيب أردوغان والإيرانى حسن روحانى فى قمة ثلاثية ، باتت مقرراتها أشبه ب»خطة الطريق» للعمل فى الفترة المقبلة، بعد سلسلة من الاتصالات مع رؤساء أبرز البلدان ذات الصلة بالأزمة السورية ومنها الولاياتالمتحدة ومصر والعربية السعودية وقطر واسرائيل. وقد جرى كل ذلك فى إطار الاستعداد لسلسلة من الفعاليات التى تستهدف ضمنا تحقيق ما سبق وأعلنه بوتين من أهداف لحل الأزمة السورية منذ اتخاذ قراره بالتدخل العسكرى المباشر فى 30 سبتمبر 2015 مستخدما فى ذلك أحدث ما توصلت إليه موسكو من أسلحة عصرية اختبرت القوات المسلحة الروسية بعضها لأول مرة فى حربها ضد «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية فى المنطقة. وكشف الرئيس الروسى فى ختام قمة سوتشى عن الملامح الرئيسية لخطة العمل فى الفترة القليلة المقبلة وما ينبغي مراعاته من خلال ما جرى ويجرى من فعاليات، ومنها مؤتمر الرياض الذى جمع ممثلى المعارضة السورية فى الداخل والخارج، عدا من أعلن عن موقفه الرافض لتوجهات المؤتمر ومنهم ممثلو الهيئة العليا للمفاوضات بزعامة رياض حجاب رئيس الوزراء السورى السابق الذى انشق على الأسد وهرب إلى الأردن. وكشف حمد بن جاسم وزير الخارجية القطرى السابق عن أنه تلقى خمسين مليون دولار مقابل انشقاقه فى إطار خطة مولتها دول عربية بعينها، سبق وتورطت في دعم وتسليح عدد من التنظيمات الإرهابية، قبل عودتها واعلانها عن وقف هذا الدعم، ما ساهم إلى حد كبير فى انحسار موجة الإرهاب ونجاح القوات الحكومية السورية بدعم مباشر من القوات المسلحة الروسية فى استعادة سيطرتها على 98% من الأراضي السورية ، وكانت دمشق على مشارف السقوط. أما عن ممثلى المعارضة الذين رفضوا الانضمام إلى مؤتمر الرياض من أجل الاتفاق حول تشكيل وفد «معارض قوى بارع» للتفاوض مع ممثلى الحكومة السورية حول خطوات المرحلة الانتقالية، على حد قول المبعوث الأممي ستيفان دى ميستورا، فقد تباينت بشأنهم التقديرات . ففيما وصفهم عدد من المراقبين فى موسكو بأنهم لم يكونوا يوما على إتفاق موضوعى تجاه مستقبل الوطن، ومنهم»الهيئة العليا للمفاوضات التى لم تثبت يوما على موقف موحد ما تمثل فى تكرار تغير قياداتها». ومضى سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسية إلى ما هو أبعد حين قال «إن خروج الشخصيات المتطرفة من المعارضة السورية سيساعد على توحيدها». وأشار الوزير الروسى إلى «أن رياض حجاب جر فريقا من المعارضة إلى الاتجاه الخاطئ، وحاولوا أن يستخدموا أسلوب الإنذار مشترطين خروج الرئيس الأسد، وهو ما يتعارض مع قرارات مجلس الأمن، التى تؤكد أن السوريين هم من يقررون مصير بلدهم». وعن الشروط التي يطرحها بعض ممثلي المعارضة حول رحيل الأسد أعاد المراقبون إلى الأذهان ما سبق وقاله بوتين حول أن هذه القضية أمر يقرره السوريون وحدهم استنادا إلى المواثيق الدولية ومقررات الأممالمتحدة، وفى إطار القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن ويحدد الخطوات اللازمة للتحول إلى المرحلة الإنتقالية وفى مقدمتها إعداد الدستور الجديد واجراء الانتخابات المقبلة تحت إشراف الأممالمتحدة. وكان بوتين أعلن أيضا عن اتفاقه مع نظيريه الإيراني والتركى فى قمة سوتشى يوم الأربعاء الماضي حول دعم الحوار بين الأطراف السورية حكومة ومعارضة فى مؤتمر الحوار الوطني السورى الذى دعت موسكو إلى عقده فى سوتشى فى مطلع ديسمبر المقبل فى إطار الإتفاق حول عدد من المبادئ أهمها الحفاظ على سيادة ووحدة أراضي وإستقلال الدولة السورية واستنادا إلى القرار 2254 الصادر عن الأممالمتحدة والمقررات ذات الصلة. ورغم تحفظات الرئيس التركى حول دعوة الأكراد إلى مؤتمر الحوار الوطنى فى سوتشى، ووصفه لهم ب«الإرهابيين» الذين يرفض العيش معهم تحت سقف واحد، فقد خلص مع نظيريه الروسى والإيرانى إلى الاعتراف بأهمية الاستناد إلى ما سبق وأسفرت عنه الجهود الدولية والإقليمية من نتائج ومنها إنشاء مناطق خفض التصعيد فى سوريا، والتحول لاحقا إلى تهيئة الظروف الملائمة لتنفيذ مقررات الشرعية الدولية وكذلك العمل من أجل حشد الجهود اللازمة لإعادة بناء سوريا واقتصادها الوطنى وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم وتهيئة الظروف المناسبة لعودتهم إلى الحياة الطبيعية. على أن الأهم يظل وكما أعلن الكثيرون من عقلاء اليوم يتمثل في ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون تكرار كوارث الأمس والتى تمثلت فى الكثير من جوانبها بغض الطرف عن «عودة» فلول الإرهابيين إلى ديارهم، وتسلل الكثيرين منهم إلى أراضى البلدان والمناطق المجاورة لمواصلة الاستعداد لجولات لاحقة من نشاطهم الإرهابى التخريبى. وفى هذا الصدد يذكر الكثيرون ما شهدته بلدان منطقة الشرق الأوسط من جرائم وكوارث بعد عودة من كانوا يسمونهم ب«المجاهدين» ممن شاركوا فى القتال ضد القوات السوفيتية فى أفغانستان فى ثمانينيات القرن الماضى تحت سمع وبصر من دعمهم ومول نشاطهم وبارك عملياتهم الإرهابية. وكان بوتين حذر من مغبة الركون إلى النجاح الذى تحقق فى سوريا بعد القضاء على «داعش» و«جبهة النصرة» وغيرهما من التنظيمات الإرهابية، مشيرا إلى احتمالات ظهور بؤر إرهابية فى أماكن متفرقة من العالم.