يبدو أن وشائج التاريخ والجغرافية والهجرة لم تفعل فعلها- كما يجب- فى خلق المقاربات والتناغمات المطلوبة بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط حيث ظلت الفجوات السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية بين ضفافه عميقة ومتباعدة ففيما تنعم الضفة الأوروبية الشمالية بالرفاهية والأمن والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المتسارعة ترزح الضفتان الجنوبية والشرق أوسطية العربية والإسلامية حتى يومنا الراهن تحت نير التنظيمات الراديكالية والصراعات الدموية والأزمات الاقتصادية الخانقة وكلها مناخات ملائمة لنمو الأفكار التطرفية المبنية على رفض الآخر وإقصائه وعدم القبول به شريكاً متساوياً فضلاً عن تفشى العنف والبطالة والأمية والتدهور البيئى والمشاعر اليائسة بمستقبل واعد. ولعل الرئيس الفرنسى الأسبق (ساركوزي) قد سبق قادة دول المتوسط فى إدراك الانعكاسات الخطيرة لتلك الأوضاع وارتداداتها على المجتمعات الأوروبية سيما المتوسطية وفى مقدمتها تدفق موجات متعاقبة وعارمة من المهاجرين غير الشرعيين من شمال إفريقيا والشرق الأوسط من شأنها اهتزاز نسيجها الديمغرافى على نحو ذريع. وكأنه تنبأ بما نشهده اليوم من طوفان الهجرة وقوارب الموت ما أحال المتوسط إلى مقبرة للبؤساء الباحثين عن الخلاص بدلاً من أن يكون واحة للحرية والسلام وفضاء للآمال والأحلام. والحق أن الضفة الأوروبية المتوسطية مدينة تاريخيا إلى الضفة الشرق أوسطية بإيمانها المسيحى بلحاظ أن تلك الضفة مشى على أرضها أنبياء الله ومنها صعدوا إلى السماء. وقبلها بعثوا رسلهم ك ( بطرس وبولس) ليحملوا إلى خلائقها الممتحنين الهدى والنور والانعتاق. وما بخلت عليها يوماً طوال القرون الخوالى بأقباسها العلمية والأدبية والإبداعية ما دلّت عليها نتاجاتها المعرفية المخطوطية المتنوعة التى تتباهى بها الآن كبريات المكتبات والمتاحف الأوربية ذاك لأن أهلها أيقنوا منذ ذلك الحين أن الحضارة الإنسانية هى واحدة لا تتجزأ على امتداد المعمورة. إذن أوروبا التى استطاعت أن تفصل بين الدين والدولة وأن تنظر إلى الإنسان كإنسان مجرداً عن جنسه أو لونه أو دينه ثم تمنحه كل هذه الحقوق الراقية التى تعزز من إنسانيته. وتمكنت أن تهدم جدار (برلين) دون أن تريق قطرة دم واحدة وأن تؤسس لاتحاد أوروبى يضم أمما مختلفة فى اللغات والأعراق والثقافات والمذاهب... لقادرة حتماً على تطبيع وتنشيط علاقاتها مع شعوب المتوسط الأخرى عبر أنماط مختلفة من التعاون الاقتصادى والحوار الثقافى والتفاهم السياسى والأمنى والاستثمارى ومد يد العون لتلك الشعوب كيما تتخطى محنتها ومشكلاتها الحالية لو تحلت فعلاً أوروبا بالإرادة السياسية الصادقة وأهمها مشكلة الإرهاب والتطرف واضمحلال التنوع الثقافى وتراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية واستشراء التمزق الداخلى وفقدان الربيع السياسى الحقيقي. لكن أوروبا- مع الأسف- لم تبادر بالدور التغييرى الإيجابى المرتجى لإنعاش شعوب «المتوسط» وبسط السلام فى ربوع الشرق الأوسط وإيجاد حلول عادلة ودائمة للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، إذ ما زالت تتعاطى مع القضايا العربية والإسلامية بمعايير مزدوجة. بل إنها عن قصد أو غير قصد وقفت شبه متفرجة أمام قوى إرهابية ظلامية غاشمة صنعتها إرادات خارجية بأذرع داخلية وصارت اليوم تمعن فى شعوب المنطقة سيما (العراق) و(سوريا) تقتيلاً وتهجيراً وسبيا وتسليباً وترويعاً وتدميراً دونما رادع أوروبى حازم وحاسم.. لقد وقع مسيحيو شرقنا العربى وأقلياته الدينية الأخرى ضحية بريئة لهذا المشروع السياسى الخارجى الذى استخدم الإرهاب أداة لتمرير غاياته التقسيمية المتمثلة بما يدعى ب ( الشرق الأوسط الجديد) أى بمعنى رسم خريطة سياسية جديدة لشعوب المنطقة على أسس دينية أو عرقية أو طائفية. فى الوقت الذى نؤكد فيه ما أشرنا إليه من ضرورة التعويل على الرابطة الإنسانية والوطنية وجعلها البوصلة الوحيدة لبناء مؤسساتنا الدستورية. إن على (أوروبا) إذا أرادت حقاً محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية والأخذ بيد شعوب المتوسط نحو الاستقرار والازدهار وحماية حقوق الأقليات.. ألا تتغاضى عن استنساخ جيل جديد من المتشددين وأن تطبق بجدية حزمة القرارات الأممية ذات الصلة بتجفيف منابع التطرف والإرهاب مادياً وفكرياً وتسليحياً ولوجستياً وأن توفر الأمن والحماية والمساعدات للعوائل المشردة فى مناطقها الأصلية لا أن تفرغ شعوب المتوسط من تنوعها الثقافى كونها ستسهم- بفعلها هذا- فى مسخ هويتها التعددية الحضارية التى طالما تميزت بها عن شعوب العالم الأخرى والتى هى مصدر غناها الحضاري. خطر (الإرهاب) سيكون التحدى الأكبر للقارة الأوروبية فى الزمن الراهن والمستقبل القريب ولكى تجنب أوروبا المتوسطية شعوبها ويلاته، عليها أن تبادر سريعاً بدعم الدول التى تقف فى خط المواجهة الأول ضده دفاعاً عن الإنسانية جمعاء ك ( العراق ومصر وسوريا) و تنسق الجهد الدولى التضامنى الجاد للقضاء المبرم على المجاميع الإرهابية الإجرامية لتخليص الإنسانية من شرورها تمهيداً لفتح آفاق تعاونية مشرقة للارتقاء بواقع المنطقة وحوض المتوسط اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا من أجل تحقيق شراكة متوسطية جديدة تكون منطلقا لأمن واستقرار البشرية جمعاء. لمزيد من مقالات حبيب محمد هادى الصدر سفير جمهورية العراق لدى القاهرة