فعلا ماضاع حق وراءه كلمة نظيفة لوجه الله والوطن، وما ضاعت جائزة وراءها عيون وآذان وقلوب تبحث بإخلاص عمن يستحق التكريم، ذلك هو أصل الحكاية الذى خرجت به بعد اتصالى بشاعرنا الغنائى الكبير مصطفى الضمرانى لتهنئته بالفوز بجائزة الدولة التقديرية ،انقلبت التهنئة إلى دموع على الأحبة الذين رحلوا بعد أن تركوا لنا حلو الكلام ومتعة الذكريات، ووصايا للأحفاد بأن الدرس لازم تعرفه الأجيال. ................................................ (من قال اننى فزت بالجائزة ، الذى يستحق أعلى الجوائز والمراتب بل تشرف الجائزة بهم هم الأهرام الذى قدم كلماتى إلى الصحبة الرائعة الذين شرفت بالعمل معهم، مأمون الشناوى وكامل الشناوى ومرسى جميل عزيز وشادية وفهد بلان ومحمد القصبجى وكمال الطويل وحلمى بكر ووردة وعليا التونسية وعمر خيرت..) تلك كانت كلمات صديقى وأستاذى الذى يحمل تواضع كبار الأهرام وطهارة الكلمة الوطنية المليئة بمشاعر العرفان بالجميل، فى الوقت الذى تحاصرنا معاول التشويه والهدم لكل الرموز ووصارت الأغاني تسب (ملعون أبو الناس العزاز) ولا تستثنى منهم أحدا، لم يتحدث الضمرانى عن نفسه بل أنفق المكالمة فى شكر هؤلاء الرموز الذين ساندوه فى مشواره مع الأغانى ويطل على قرائه بذكرياته معهم عبر باب أغانى وحكايات من ملحق الجمعة. (أدين بالفضل لمدرستى الثانوية فى قنا التى كبرت حتى صارت جامعة جنوب الوادى وبها 13 كلية وكان لى شرف أن ترشحنى لنيل الجائزة.) الأغنية الوطنية أخذت من عمر الضمرانى لكنها كتبت اسمه فى سجل الشرف مع عبد الحليم حافظ حين غنا له (المركبة عدت) التى كتبها بأمر الرئيس السادات لتقدم فى الاحتفال بافتتاح قناةالسويس فى يونيو 1975وكانت آخر أغنية وطنية للعندليب قبل الرحيل . صورة الرائعة شادية لا تفارقه فهى حقا (أقوى من الزمان) التى كتبها عام 1976 وكتب الحانها صديق العمرعمار الشريعى ، ولا ينسى الضمرانى أن كلماته فى (أصلك تتحب) قد أخرجت كمال الطويل من اعتزاله الاختيارى الذى استمر ثلاث سنوات بعد رحيل عبد الحليم، وكانت كلمات الضمرانى (من شهرين وشوية) التى شدت بها وردة الجزائرية أولى ألحان محمد سلطان بعد زواجه من فايزة أحمد! ويبحر الضمرانى عبر شريط الذكريات وهو يبتسم : مأمون الشناوى كلفنى بكتابة أغنيتين الأولى كانت للقيثارة الرومانسية شادية (لو القلوب ارتاحو كان يجرا إيه) أما الثانية فكانت (وركبنا ع الحصان نتفسح سوا .. ) التى غناها فهد بلان وحققت نجاحا أصابنا بالذهول، لدرجة أن هذا المطرب السورى العاشق للمصريين زارنى فى الأهرام قبل أن يموت بأيام قليلة بعد أن أعياه المرض وقال لى: لو أخذنا على كل شريط 50 قرشا كان كفانا ذل الحاجة، لكن المهندس أحمد منتصر صاحب شركة المقاولات والمنتج اشترط فى العقد أن نتنازل عن حقوق الإذاعة مقابل 300 جنيه ، ومازلت سعيدا جدا رغم ذلك فيكفينى أن كلماتى غنتها شادية وبلان وهذا النجاح وحده تتجاوز قيمته الملايين. ويدهشنى الضمرانى وهو يفخر بإعجاب: كفاية علىَّ النشيد الوطنى الذى لحنه العبقرى حلمى بكر (ماتقولش إيه ادتنا مصر .. قول هاندى إيه لمصر) ورغم شهرة الأغنية وانتشارها يقطع دهشتى قبل أن أتذكر خالد اللحن سيد درويش ، يقول أنها صارت النشيد الوطنى لجامعة جنوب الوادى بأمر مباشر من الدكتور عباس منصور مدير الجامعة ! واستغرب فى سؤالى كيف وضعت كلمة تنمية فى جملة مفيدة ويتغنى بها الرومانسى الحالم هانى شاكر؟ فتخرج الكلمات من مصطفى الضمرانى مليئة بالمشاعر البسيطة بما فيها كلمة تنمية التى فقدت خشونتها وجفافها بصوته حين يقول أحلى غنوة بعد ثورة 30 يونيو التى انتجها الشؤن المعنوية وكانت آخر ألحان عمار الشريعى قبل رحيله: اتمد يا جسر التنمية/ اتمد اتمد ، على كل الأرض المصرية / ولا تنساش حد ، خلينا نشوف الفدادين / فى الصحرا صبحت بساتين ، والفرحة تلم الملايين / حوالينا بجد. وأرجو الضمرانى ألا يوقع تنازل شامل عن حقوق إعادة النشر مقابل 300 جنيه كما فعل فى أغنية «وركبنا ع الحصان» خاصة وأن أغنية «التنمية» تتكرر بنجاح مع افتتاحات الرئيس لمشروع المليون ونصف مليون فدان ؟ فيطمئننى ضاحكا أنه تعلم الدرس، ثم يستدرك: لكن هناك مشاعر لا تقدر بالملايين يكفى أن الأستاذ صلاح منتصر أشاد بها حين حضر مهرجان الشباب الأخير بالاسماعيلية واستمع إلى فتاه تغنى كلماتى بصوت جميل وأداء رائع من ألحان حلمى بكروتقول: مصر النجاة مصر السفينة/ أغلى أمانة فى إيدين أمينة ، وقد هز أداء الفتيات مشاعر الجميع وركزت الكاميرا على تأثر وجه الرئيس السيسى بمعانى الكلمات التى حملت نفس الوصية أو النصيحة التى يكررها باستمرار مصر أمانة فى رقبتنا خلو بالكو من مصر. وبعد أن أوشك رصيدى على النفاد وقد كنتت أتحدث إليه مهنئا وكان على سرير العلاج قلت: فرحتى باختيارك لهذه الجائزة أنستنى طول المكالمة التى أثقلت عليك ! فقال: بعد هؤلاء العمالقة الذين أرى أنهم الأحق بالجائزة لازلت أدين بالفضل للموسيقار جمال سلامة وبليغ حمدى وميشيل المصرى وصلاح الشرنوبى وأيضا عمر خيرت الذى أنفق من جيبه على أوبريت (درس أكتوبر) ، وتتدفق مشاعر الضمرانى وهو يغنى رغم صوته الواهن على سرير الألم وكأنه يوصى الأجيال الجديدة: ما تنسيش الدرس فى أكتوبر الدرس لازم تعرفه الأجيال ولا تنهيش النصر بأكتوبر النصر يصنع كل يوم أبطال ومع صفارة نفاد الرصيد وأوامر الأطباء أضم صوتى لصوت الناقدة سامية خضر التى حملتنا أمانة الدعوة لإنشاء جمعية (أحباء من أجل الأغنية الوطنية) ويكون شاعرنا مصطفى الضمرانى رئيسا لها لتواضعه وعشقه للكلمة الحلوة ووفائه لمن شاركوه مشوار الغناء .