تناهي إلي السمع صوت المطربة التونسية الراحلة عليا وهي تغني عبر أثير الإذاعة في صوت عذب وتفاعل محسوس مع كلمات أغنية حبايب مصر من كلمات مصطفي الضمراني الشاعر الغنائي والكاتب الصحفي, ومن تلحين حلمي بكر صاحب الألحان العذبة. الأغنية كتبها الضمراني قبل العبور الأسطوري في السادس من أكتوبر سنة1973, كان الضمراني يستمع إلي خطاب للرئيس أنور السادات صاحب قرار حرب الفداء والتحرير وهو الخطاب الذي ألقاه في مجلس الشعب, وقال فيه ما معناه إنه يجب علينا ألا نسأل ماذا أعطتنا مصر بل نسأل ماذا سنعطي مصر. علي الفوز تفاعل الضمراني مع خطاب الرئيس, وكتب وهو في حالة من الإلهام كلمات أغنية حبايب مصر في أقل من ساعة من الزمن.. ثم أمسك بسماعة التليفون واتصل بالملحن حلمي بكر وقرأ عليه الكوبليه الأول للأغنية فقال له حلمي بكر تعالي قوام.. أنا في انتظارك بالمنزل. كانت الجهود في تلك الأيام معبأة من أجل المعركة, وكانت الجموع تتطلع إلي يوم يعبر فيه الأسود الموانع والسدود ويعبرون الهزيمة, ولذلك بدأ حلمي بكر علي الفور في تلحين الأغنية وقبل أن ينتهي من اللحن دق جرس الباب وإذا بالقادم هي المطربة عليا التي اندمجت مع اللحن وأخذت تدندن بالكلمات مع حلمي بكر, وهنا استقر الرأي علي أن تغني عليا الأغنية وفوجئ الجميع بقدوم المخرج التليفزيوني محمد سالم يرحمه الله وما أن استمع إلي اللحن حتي بادر بالاتصال بمكتبه في ماسبيرو طالبا حجز استوديو في الغد لتسجيل الأغنية بعد أن يكون الموسيقيون قد حفظوا النوتة, وفي الموعد المحدد سجلت الأغنية تليفزيونيا ونقلت علي شريط ذاعي, وأخذ التليفزيون والإذاعة يبثانها أكثر من مرة في اليوم حيث تجاوب معها المشاهد والمستمع, وكان لها وقع جميل وإيجابي في النفوس, كما كانت تذاع مرات ومرات إبان المعركة, مصطفي الضمراني بلدياتي فهو من قرية قصر الصياد التي تقع إلي الجنوب من مدينة نجع حمادي بمحافظة قنا بنحو عشرة كيلو مرات علي الضفة الشرقية للنيل, في حين أن قريتي تقع قبالة قصر الصياد علي الضفة الغربية, وهذه القرية لها ذكر في التاريخ الفرعوني والقبطي. فبالإضافة إلي نقوش فرعونية هناك دير أبو سيفين وهو من شهداء المسيحية, وله أديرة كثيرة باسمه في قري ومدن عديدة في أنحاء الوطن. وفي ذكري هذا القديس في قرية قصر الصياد كان التلاحم بين المسلمين والمسيحيين يظهر بأجل معانيه فقد كان ولا يزال الاحتفال بذكراه يتواجد المسلمون بأعداد غفيرة يشاركون إخوانهم المسيحيين مراسم الاحتفال الذي يستمر لمدة أسبوع. وفي سنوات الصبا شاركت في هذه الاحتفالات مع جموع الناس.. تزامل الضمراني مع الأبنودي, وأمل دنقل في مدرسة قنا الثانوية وكانوا يتنافسون من منهم يكتبه شعرا وأغنيات أحسن من الآخر. أنهي الضمراني دراسة الحقوق في جامعة عين شمس وكان يبعث بأغانيه للجنة النصوص بالإذاعية, وكانت فرحته غامرة عندما أجازت له اللجنة أول أغنية له تغنت بها فايزة أحمد من تلحين محمد سلطان, وهي أغنية شهرين وشوية كان الضمراني يجد تشجيعا من محمد حسن الشجاعي مدير الموسيقي والغناء بالإذاعة. ويقول عنه الضمراني إنه لم يكن يقبل إلا المتميز من الكلمات والألحان, وعلي يديه كانت نهضة فنية غنائية لم تشهدها الإذاعة من قبله أو من بعده.. الضمراني كتب أكثر من300 أغنية تغنت بها أصوات عديدة بلا حصر, لحن له السنباطي أغنية جميلة بصوت فايدة كامل وهي أغنية اتصالحنا أنا وحبيبي وغنت له شادية أغنيتها الوطنية الرائعة أقوي من الزمان من تلحين عمار الشريعي, لا يتسني الضمراني لقاءه مع الموسيقار محمد عبد الوهاب, وكان ذلك قبل عودة الملاحة في قناة السويس1975, كان الضمراني ينتظر هذه اللحظة بعد أن توقفت الملاحة في القناة مدة ثماني سنوات واستبق الزمن وكتب أغنية المركبة عدت وفجأة وجد الموسيقار عبد الوهاب أمامه في استوديوهات الإذاعة فأسمعه مطلع الأغنية وأحد كوبليهاتها, وعلي الفور أخذها منه الموسيقار ولحنها وغناها العندليب.. ونقل أثير الإذاعة الأغنية بصوت عبد الحليم والرئيس السادات يرتدي زي القائد البحري يمخر عباب القناة علي ظهر بارجة حربية إيذانا بافتتاح القناة للملاحة البحرية. مصطفي الضمراني الكاتب والصحفي بالأهرام يكتب عمودا في ملحق أهرام الجمعة يروي فيه ذكرياته مع الكلمات والأغنيات مستعيدا ذكريات زمن جميل كانت الإذاعة المصرية خلال ذاك الزمن تنتج عشرات الأغنيات في كل دورة إذاعية, وكانت استوديوهاتها مثل خلية النحل, الآن يتجسد الضمراني وأنا معه عندما نشهد هذه الاستوديوهات خاوية علي عروشها.