يجسد الواقع الإعلامي المرتبط بمعالجة الجرائم الإرهابية فى البيئة العربية وعي الإرهابيين بمقولة «بدون الإعلام لن يظهر الإرهاب». وقد لفتت فكرة ادارة الإرهابيين «لحرب اعلامية» انتباه عديد من المتخصصين فى علم إدارة الأزمات، من حيث قدرتهم على تحويل الإرهاب ومفاهيم الرعب والخوف إلى »ظواهر ملموسة« يمكن رؤيتها ومعايشتها. وتعكس الأحداث الإرهابية المنقولة عبر شاشات الفضائيات نموذجا رائعا لدور الصورة فى بث الذعر، وتأكيد حضور الإرهاب، واستمرارية تصنيع مرجعية للخوف. وقد أسهم السياق الاستعراضي، فضلا عن السياق التنافسي، في وقوع وسائل الإعلام »رهينة« فى يد الإرهابيين. ومالت المؤسسات الإعلامية نحو تهميش الأحداث المهمة، والتركيز على تغطية الحدث الإرهابي لكسب جمهور عريض. ويزداد الأمر سوءا على مستوى وسائل الإعلام العربية التى عززت بصورة كبيرة أهداف الجماعات الإرهابية، من خلال الاستهلاك والتركيز السطحي على الحدث ذاته وأسلحته، وتكنيكاته، وضحاياه، وردود أفعال السلطات، واضفاء بعد تصورى يسجل الفعل الإرهابي فى سياق خطاب اعلامي يمارس تأثيرا نفسيا على الرأى العام. وهكذا يفكر الإرهابيون عند التحضير لأفعال ارهابية: تأثير الفعل الإرهابي على الرأى العام ووسائل الإعلام، عبر استغلال وسائل الإعلام لتسويق السيناريوهات الإرهابية المدبرة وادارة العقول. ولعل فى الإعلام المصري، المرئي بخاصة، وخلال الفترة الممتدة عامي (2014-2015)، مثالا صارخا لطبيعة العلاقة التبادلية التى توجد بين المؤسسات الإعلامية والجماعات الإرهابية، حيث مثلت الفضائيات المصرية »متنفسا صحيا« للجماعات الإرهابية حين اتخذت شعار »معا ضد الإرهاب«. ومع تطور شبكة الإنترنت، حرص الإرهابيون على الحضور الإلكترونى. وانتشر مناخ الخوف بقوة داخل مختلف البلدان، انطلاقا من تكتيكات تصوير فيديوهات تضم مشاهد القتل بوحشية، والخطف والاغتصاب، وبيع النساء من الأقليات العرقية، وغيرها من المنصات الإعلامية الإلكترونية التى تظهر القوة الإرهابية واستراتيجياتها وتكتيكاتها. ومع ضعف الأداء الإعلامي، يرتفع أداء الجماعات الإرهابية، من حيث القدرة على الرصد والتحليل ومن ثم اختراق المنظومة الإعلامية بما يحقق أهدافهم. وظهر ما يعرف باسم »التوجه الإعلامي نحو الإرهاب«، و«الانتباه القاتل«، حيث تقوم الجماعات الإرهابية بتخطيط وتنفيذ الهجمات التى يتوقع أن تجذب وسائل الإعلام والمواطنين. ويبدو الموقف وكأن هناك اتفاقا ضمنيا وعلاقة تكافلية متبادلة المنفعة بين الوسائل الإعلامية والإرهاب لتحقيق المصالح الخاصة لكلا الطرفين. وتطرح معالجة الوسائل الإعلامية للعنف الإرهابي إشكاليات عدة تمس العلاقة بين الإعلام والديمقراطية، ونمط الملكية، والسياسات الإعلامية، والمسئولية الذاتية والمجتمعية. وانتشر مفهوم الحوكمة الإعلامية فى الفضاء المجتمعي كأحد أهم آليات ترشيد أداء المؤسسات الاتصالية. ويتحدد دور وسائل الإعلام فى مكافحة الإرهاب وتحقيق ما يعرف بالأمن الإعلامي عبر التعامل بعمق ومهنية مع الظاهرة الإرهابية وليس الحدث الإرهابي، مثل التركيز على تغطية الهجمات الإرهابية الجديدة دون ربطها بالهجمات السابقة، ، فضلا عن عدم إضفاء طابع عاطفى أو مثير عند تغطية الجرائم الإرهابية، والتركيز على تداعيات الأحداث الإرهابية على مصلحة الفرد والدولة والسلم والأمن المجتمعي، وتعزيز التعاون بين المواطنين ومؤسسات الدولة لمواجهة أى أعمال إرهابية تستهدف الوطن. كما يستلزم الأمر تنسيق السياسات بين مختلف المؤسسات الإعلامية فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بالإرهاب والأمن القومي، وكذلك بين الوسائل الإعلامية والمؤسسات المعنية بمكافحة الإرهاب. ومن هنا، فإن التزام الإنتاج الإعلامي بالأصول المهنية السليمة عند تغطية الجرائم الإرهابية يعد عاملا رئيسا فى مكافحة الإرهاب ودحضه. فالحل لا يرتبط بحجب التغطية، أو تهميش نشر الأحداث الإرهابية وانما بوجود اعلام مهني واستقصائي يهتم بتحقيق الصالح المجتمعي في ظل مفاهيم بناء الدولة والأمن والاستقرار المجتمعي. ويستلزم الأمر تشييد مؤسسة لتدريب العاملين فى المؤسسات الإعلامية على أساسيات العمل الإعلامي، وتعزيز معايير الحوكمة الإعلامية، وتفعيل مفهوم المحاسبة، والالتزام بالمعايير الأخلاقية فى أوقات النزاعات، وتطبيق قيمة »نقد الذات« كمعيار أساسي للحوكمة الإعلامية، وكخطوة أساسية نحو بناء دول حديثة يقوم إعلامها على المهنية والحفاظ على صالح الوطن والمواطن. وهنا يكمن الدور المتوقع من الإعلاميين والمسئولين الأعضاء بالمجالس الإعلامية والوطنية المختصة. أستاذ الاتصال الدولي بكلية الإعلام جامعة القاهرة لمزيد من مقالات د. ثريا أحمد بدوى