فى مولد أبى الحجاج تخرج مدينة الأقصر بكل قراها فى احتفال مهيب يتقدمه عميد الأسرة الحجاجية أو شيخها، ومعه ممثلو الحكم فى الأقصر، وكثير من رجالاتها، وهودج المقام أمامهم على ظهر جمل، وهوادج أولياء مدفونين بجواره، وهودج القديسة تريزة، ويجوب الموكب المدينة، ثم تعود الهوادج إلى المسجد لينتهى الاحتفال، والمشاركون يعتقدون ببركة الشيخ، وأن روحه حاضرة تحوطهم طيلة الوقت، فكما كان آمون حامى الأقصر وحارسها فإن أبا الحجاج كذلك، هو الحامى والحارس لهم وإن روحه قادرة على النفع والضر، وكما كانت قرابين أهل الأقصر تقدم لآمون، فإنهم يقدمون النذور الآن لشيخها ووليها أبى الحجاج. .......................................................... كثير من السيدات اللاتى يتأخر بهن الحمل ينذرن إن أنجبن ابنهن له، وإذا حملت إحداهن أو ولدت تثق أن ابنها فى حماية الوليّ، وروحه ترعاه. وما زال هناك تقليد عام لأولئك النسوة فإنهن يحلقن رؤس أبنائهن أول مرة باحتفال فى مقام الشيخ مقدمين نذورهن للفقراء من رواده. اعتقاد أهل الأقصر فى الشيخ أبى الحجاج لا يتزعزع وروايتهم عن كراماته ليس من السهل حصرها. ومما يروى عنه يبين ذلك التقديس لروحه الطاهرة. ويروى أهل الأقصر قصة أشبه بقصة روح أبى الهول مع تحتمس الرابع، فقد هدمت مدينة الأقصر القديمة وكشفت معابدها للسائحين، وهجر جميع أهلها لمناطق جديدة فكان أن أرادت مصلحة الآثار أن تهدم مسجد أبى الحجاج الذى يقع فوق سقف معبد الأقصر، وبنى بالفعل جامع جديد لا يبعد عن المعبد لينقل إليه مقام الشيخ أبى الحجاج، يروى أهل الأقصر أن الشيخ زار الملك فاروق فى المنام وطلب منه إيقاف هدم المسجد، وتكررت فكرة الهدم مرة ثانية بعد ثورة 1952 ويروى أهل الأقصر أن الشيخ زار الرئيس جمال عبدالناصر فى منامه وطلب منه وقف الهدم فأوقفه، ثم رأى رجال الآثار بعد ذلك أن موقع المسجد مع المعبد يمثل دعاية مهمة على تداخل الحضارات التى مرت على مصر، ويمثل الامتزاج بين مصر الفرعونية المسيحية والإسلامية. لا يتوقف اعتقاد أهل الأقصر عند القديس مارى جرجس أو الشيخ أبى الحجاج وإنما يتعداه إلى عدد كبير من القديسين والأولياء حتى إن هناك عددا منهم غير معروفين بأسمائهم، وأحيانا يُكنُّون باسم المكان، ولا يتوقف عدد المشايخ عند زمن معين ويزداد عددهم بمرور الوقت. ففى مدينة الأقصر آخر مدرسة للأقباط، يعتقد كثير من المسيحيين والمسلمين فى قديس طفل هو الأنبا يؤنس، وارتفع هذا الطفل إلى رتبة الأنبا لكراماته المتعددة، فروحه مازالت فاعلة فهو يُزار يوم السبت من كل أسبوع وتشعل له الشموع، ومعظم زواره من الطلبة والأمهات اللاتى يرجون نجاح أبنائهن، كما يرجونه أن يخلصهم من أزماتهن ويفك ضيقهن ويتم تقديم الكعك والخبز له. وهناك قصة تروى عن القديس الشايب، بأن أحد أبناء العائلات الكبيرة فقد ثروته فعمل فى السياحة، والتقى أميرة إنجليزية مريضة بالروماتيزم لا تستطيع السير على قدميها، فأخذها إلى دير الشايب ودفن جسمها حتى رقبتها فى الرمال ودعا القديس الشايب ليساعدها على الشفاء، وقيل إنها شفيت فأقام احتفالا سنويا لهذا القديس، وتولى ابنه الاحتفال من بعده، وكان مهيبا يجوب شوارع الأقصر يشترك فيه المسلمون والمسيحيون. وفى انتخابات 1957 ترشح الابن هذا فوقف معه الناس ونجح أمام أحد أكابر أعيان الأقصر، واستمر عضوا بمجلس الشعب لاحقا. وترتبط أرياف مصر ببعضها، وتظهر شواهد القبور التى تدل على الأولياء، حتى إن واحدا منهم لا يعرف اسمه أقيم له مولد كبير تبركا به، وهناك شاهد يمثل أربعين ولياً تسمى باسمهم منطقة الشيخ عطية فى الأقصر، وأقيم على ضريحهم مسجد الشيخ عطية، وذكر لى أحد الصالحين أنه فى طفولته كان يراهم بملابس بيضاء يتوضؤن من جدول ماء استعدادا لصلاة الفجر. وهناك قبور لها شواهد دون أن يدفن فيها ولي، ويذكرون أن الولى علّم هنا أى أصبح مقدسا. والاعتقاد بأرواح القديسين والأولياء وحَّد أهل الأقصر. فتكاد تكون مدينة بلا عصبية دينية. وأهلها عانوا شأن كل المصريين عدوان السلطات من اليونان إلى الرومان. وتمسك المصريون بفكرة العدل الممثلة فى «ماعت» إلهة العدل والحق، وبتحولهم إلى المسيحية لم يتركوا مفهوم العدل فاتجهوا إلى قديسيهم ممثلى العدل الإلهي، وفى العصر الإسلامى استمرت الأقصر قلعة للمسيحية، ووصلها الشيخ أبو الحجاج فى العصر الأيوبي، وثمة رواية يَعُدُّها البعض شعبية، وآخرون يرونها حقيقية، تروى أن أبا الحجاج تزوج الأميرة المسيحية التى صارعها عندما وصل الأقصر، وزواجهما أكد تماسك المسلمين والمسيحيين والاعتقاد أن بينهم مشتركا، وهذه الأميرة تسمى تيريزا، ومقامها مجاور لمقام أبى الحجاج، وخصصت لها حجرة خاصة فى مسجده، وهناك ولى من قديسى الفترة السابقة على الإسلام، وهو المقشقش، والاسم أقرب إلى المقوقس الذى كان يحكم مصر قبل الفتح الإسلامي، لكن لا علاقة بينهما، فهو طبيب أقاموا له مسجدا خاصا، وظل قبره يُزار للاستشفاء، فثمة اعتقاد بأن بعض الأولياء أطباء للجسد، والاعتقاد بأن الله الشافي، والولى واسطتهم الى الله، فيكون شفاؤهم من المرض مباشرة بقوة روحه الخارقة صانعة المعجزات، وإما بوساطته لهم لدى الله، وهناك قصص كثيرة يذكرها المسلمون والمسيحيون عن شفاء القديسين لمرضاهم، وتحدث سنويا حالات يشفى فيها المريض بمعجزة الولي، ففى مولد مارى جرجس الذى يقام فى نوفمبر من كل عام تشفى حالات ميؤس من شفائها، ويعتقدون فى قيمة الدهان المتبقى من الشموع المشتعلة فى ضريحه. وإذا كان أهل الأقصر يعتقدون بالأرواح الخيرة للأولياء والقديسين، فهم أيضا يعتقدون بالأرواح المرتبطة بالجن الشيطاني، التى تتقمص الإنسان وتسبب له أمراضا عصبية ونفسية، ويقوم بعض آباء الكنيسة بمحاولة إخراج هذه الأرواح الشريرة من الإنسان، كما يقوم بعض المشايخ بقراءة آيات القرآن الكريم لإخراج الروح الشريرة من الملبوس بها، وحكى واحد من أبناء الأقصر أن أحد الشيوخ جاء ليقرأ على الملبوسة ليطرده من جسدها وفى قراءته كانت هناك فتاة تجلس معهما، فإذا بالفتاة الثانية تسقط على الأرض وتصرخ، لأنها كانت ملبوسة أيضا بالجن، وتحول الشيخ إليها واستمر بقراءة القرآن حتى احترق الجني. والقصص فى حالات الملبوسين بالجن كثيرة جدا وكانت هناك ظاهرة فى مدينة الأقصر رأيتها فى ستينات القرن العشرين، هى «العقوط»، أى أن قوة خفية لروح شريرة من الجن تلقى الطوب على البيوت المكشوفة والأحواش ولا يتوقف رميها ليلا ولا نهارا، وكان بعض الشيوخ يأتون بشقفات من طمى النيل تستخرج من الترع الجافة، ويكتب عليها الشيخ آيات من القرآن الكريم وتوضع الشقفات من أنحاء المنزل الأربعة، ويقول الذين واجهوا هذا العقوط أن التوقف قد حدث ببركة القرآن الكريم، ولا يعتقدون بقيمة أى شقفة إلا إذا كانت من طمى النيل الجاف. والحقيقة أن إعتقاد أهل الأقصر فى الأرواح يعد مادة طريفة تكشف لنا ارتباط مصر القديمة بالحديثة وثيقا، وبعد رحلة طويلة مع قصص أهل الأقصر المعبرة عن اعتقادهم، صممت استبيانا من أحد عشر سؤالا عن الأرواح والأشباح لقياس قوة الاعتقاد فى الأرواح كمؤثر فعال فى حياتهم، وطبقته على مجموعة عشوائية من أهل الأقصر بلغت مئة شخص. وفيما يلى البنود التى استخدمت فيها قياس قوة الاعتقاد فى الأرواح، ومنهم الأميون، وخريجو الجامعات والمدارس الثانوية والتجارية، صغارا وكبارا، تراوحت أعمارهم بين 25 50 سنة، وحدثت أشياء غريبة فى هذا الاستبيان، فمثلا سألت أحد متوسطى التعليم: هل تؤمن بالأولياء فقال: لا، فسألته: هل تؤمن بالشيخ أحمد رضوان، فإذا به يصيح فى وجهى قائلا: اتركني.. ابعد عني، أى أنه يؤمن بالشيخ أحمد رضوان إيمانا قويا، وكان الشيخ رحمه الله حياً حين سألته، وتوفى الشيخ أحمد رضوان 5 يونيو 1967، وسألت أحد الأميين وكان بائع برسيم فى السوق: هل تؤمن بالله، فأنكر؟ ولما سألته إذا كان يؤمن بوجود الجن فأجاب بالإيجاب. وفيما يلى البنود التى استخدمت فى قياس الاعتقاد فى الأرواح: هل تعتقد فى الروح، وهل تحب إرضاء أرواح الأعزاء الراحلين، وهل تعتقد فى أرواح خيرة وأخرى شريرة، وهل الروح تعيش فى عالمنا، وهل تعتقد بوجود الأولياء، وهل تعيش معنا روح الأولياء، وهل تفيدنا أرواحهم فى شفاء المرضى والنجاح والسعادة الزوجية، وهل بعض الأرواح تتقمص جسم الانسان وتسبب له الأمراض، وهل الأرواح تسبب الأمراض العصبية، وتراوحت النسبة المئوية للمجيبين بنعم بين 50% و96%، ويكشف هذا المقياس (مدى الاقتراب فى الاعتقاد بالروح) من طبيعة الإعتقاد فى العقيدة الإسلامية والمسيحية. وإذا أخذنا اعتقادهم فى الأشباح أيضا، سنكتشف جوانب كثيرة تثبت أن العلاقة بين مصر القديمة ومصر الحديثة لم تنقطع أواصرها مطلقا وأن عالم الروح المرتبط بمصير الإنسان بعد الموت يؤثر فى مصير الإنسان فى الحياة.