شُغلْتُ كثيرا فى بداية حياتى العلمية بموضوع اعتقاد أهل الأقصر فى الأرواح ولم أكن قد بدأت طريقى فى البحث عن الأسطورة التى أخذتنى معها منذ نهاية عام 1965. ومع أن الأسطورة تفتحت أمامى فهى ليست خرافة وليست قصصا مكذوبة، وإنما هى إعتقاد مرتبط بالمؤمنين بها. فهى بالنسبة لهم واقع وحقيقة لا يتطرق إليها الشك، ولغير المؤمنين بها خرافة لا تمت للواقع بصلة. لذا، تعودت أن أرى الأسطورة بأعين معتنقيها، والاعتقاد فى الأسطورة له ثلاثة عناصر أساسية هى: الأول التكوين والثانى الوجود والثالث المصير. التكوين يبدأ بخلق الله للكون، والوجود هو حياة الإنسان على الأرض وممارساته فيها وعلاقته بكل المخلوقات عليها، والمصير يمثل عالم الإنسان بعد الموت. وتؤثر الأرواح من عالم المصير بعد الموت فى الوجود وحياة الانسان على الأرض. وفى دراستى الظاهرة أذهلتنى النتيجة. فالروح عند معظمهم حية وفاعلة، حتى بعد وفاة صاحبها وقمت بعمل قياس لهذا الاعتقاد أوائل 1967 ومع مرور الوقت لم يتغير واقع الجماعة الشعبية فى الأقصر بعمق الإيمان بقوة الروح. وتختلف الأقصر عن أى من مدن مصر لأنها كانت عاصمة مصر القديمة لأكثر من أسرة، ومازالت تضم معابد ومقابر ملوك مصر، وفرض إلهها «آمون» نفسه على كل ربوع مصر. وعلى إلهها الأكبر رع، وأعيدت تسميته ب «آمون رع». ومع انتقالها من الديانة المصرية القديمة بفلسفاتها اللاهوتية المتعددة إلى المسيحية التى اعتقدت باللاهوت الأرثوذكسي، وإن دخلتها بعض مذاهب أخرى مثل الكاثوليكية وكثير من المذاهب البروتستانتية فإنها لم تقفل أبوابها أمام كثير من معتقدات مصر القديمة التى مازال تأثيرها ممتدا فى حياة المسيحيين المصريين ومازال كثير من العادات والتقاليد المصرية القديمة تمارس بكاملها مع تحول طفيف نحو اللاهوت المسيحي. وبعد استقرار المسيحية بمصر دخلها الإسلام واعتنقه كثير من المصريين، وشارك المسلمون المسيحيين الطقوس التى ورثوها عن آبائهم وتحولوا إلى معتقد إسلامى شعبي. فإذا كان النيل يمثل الألوهية لهم وبالأخص أوزوريس، وفيضانه دموع إيزيس على زوجها، فإنه روح إلهى لم تنقطع صلتهم به، وإلى وقت قريب كان هناك احتفال فردى وجماعى فى إحدى قرى المطاعنة يحتفلون فيه بعودة غائب أو شفاء مريض أو ميلاد طفل بعمل قصعة من الأرز باللبن، يضعها صاحب الحاجة المحققة ومعه أهله وأصدقاؤه على شط النيل وبجوارها صفيحة بها شموع موقدة، ليأكل منها المارة على أنها بركة. وكانت بعض القرويات يخرجن فجر شم النسيم إلى النيل يملأن جرارهن يرشونها أمام منازلهن تبركا بالموسم الجديد. فهن يعتقدن أن النيل بدأ يجدد ماءه بمياه الفيضان وبعد أن توقف الفيضان رأى المصريون أن ماء النيل يلوث بالمخلفات ودخلت المياه المنازل فتوقفوا عن القيام بالتقليد. وحتى وقت قريب، كان أهل الأقصر عندما يختنون طفلا يوضع بقايا طهوره فى نصف رغيف خبز ويأخذون الطفل إلى النيل ويلقون بقطعة الخبز فى مائه. ورث القديسون والأولياء التقاليد التى إرتبطت بآلهة مصر القديمة، فارتبط المسيحيون بأوزوريس كما إرتبط المسلمون بآمون. وتعبر صورة القديس مارى جرجس عن هذا الارتباط، وهو يركب حصانه ويضرب تنينا له وجه تمساح وجسد ثعبان بالحربة. وهى صورة حورس ذاته وهو يهاجم ست عدو أبيه أوزوريس، وتقام له الاحتفالات فى كثير من ربوع مصر وفى أديرة كثيرة تسمى باسمه، وليس غريبا أن يحتفل المسلمون مع المسيحيين فى مولده التى تهتز له القري. وتتم زيارته تبركا به وبروحه. وفى آخر ليالى المولد تطير الحمائم التى يقال إنها تأتى خصيصا لهذا المولد معجزة من مارى جرجس. فروحه حاضرة تحوط زائريه طوال مدة الاحتفال. وقد يستغرب بعض المسيحيين والمسلمين من اعتقاد كثير من المسلمين بقدرة روح مارى جرجس على تحقيق العدل وإجابة المحرومين، والمسيحيون لا يعرفون أن كثيرا من المسلمين يعتقدون أن مارى جرجس الرسول الثالث الذى أرسله المسيح ليبشر بدعوته فى تفسير الأية الكريمة فى سورة يس: « وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) » (يس 13 18). واختلط الإيمان بمارى جرجس بشخصية الخضر عليه السلام؛ الروح التى يعتقد كثير من المسلمين أنها مازالت فاعلة وتواصل حركتها فى الكون، وتمثل قاضى قضاة المحكمة الكونية وأنه على رأس جميع أولياء المسلمين وأنه فوق القطب الأعظم أعلى درجة من درجات التصوف، وأى ولى من المسلمين لابد أن يلتقيه، وأنه كثيرا ما يمنح المواهب للموهوبين فهو رئيس المحكمة التى تأخذ الحق من الظالم وتنصف المظلوم، وعمت هذه الفكرة كثيرا من أولياء الله الصالحين إذ أن بعضهم أعضاء بالمحكمة الكونية. وكما ارتبط الاعتقاد الشعبى عند مسيحيى الأقصر بأوزوريس وابنه حورس المدافع عن أبيه، ارتبط الاعتقاد الشعبى لدى مسلموها بآمون المرتبط بالإله الأكبر وبرزت صورته فى الشيخ أبى الحجاج فهو شيخ الأقصر وحاميها والمدافع عنها تماما كما أعتقد أهل طنطا بأن روح السيد البدوى حفظها من غارات الألمان إبان الحرب العالمية الثانية، كما حفظت روح السيدة زينب القاهر من قنابل طائرات الألمان. يرى المعتقد الشعبى أن الروح فاعلة فى الكون سواء كانت خيرة أم شريرة، فهى لا تموت ولا تفنى إنها سر من أسرار الله، «ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» (الإسراء 85). وتخطى عامة أهل الأقصر غموض الروح إلى وصفها وتفصيل أمرها. ولم يبن الوصف على تحليل فلسفى وفكري، إنما على ميراث المعتقد المصرى القديم الذى جعل للروح عالما خاصا، فهى فى رحلتها من الشرق للغرب تتشابه مع الإنسان معبرة عن نزعات الخير والشر فى أصحابها، يرضيها ما يرضيهم، ويغضبها ما يغضبهم من أعمال البشر. ترضى بالصلوات والقرابين التى تقدم لها، ويغضبها عدم وفاء الأحياء لذكراهم، وقد يزورون الأحياء فى أحلامهم يطلبون منهم الوفاء لذكراهم، فأرواح الموتى تؤثر على الأحياء ولا تختفى عنهم فهى قادرة على النفع والضر. وهذا الإدراك متوطن فى عالمهم القديم وانتقل إليهم. فقد ظهرت روح أبى الهول فى نوم الفرعون تحتمس الرابع وطلبت منه أن يزيل الرمال التى تغطيه. كما تصور روح والده الإله آمون تقف بجواره ساعة حربه مع الحيثيين الذين يقفون على حدود مصر. وعامة أهل الأقصر مازالوا يقدسون أرواح موتاهم ويقسمون بهم، كقسم مقدس ليقنعوا مستمعيهم بصدقهم. وكثير منهم يتوجهون لزيارتهم فى المواسم والأعياد، وفى مناسبات خاصة كالزواج والطهور، ويقدمون الكعك المصنوع خصيصا بمناسبة الزيارة صدقة على أرواحهم. وجعلوا أرواح الموتى لا تنفصل عن العالم المادى بل تعيش معه وتهتم بما يهتم به البشر. ولم يتوقف بهم الأمر عند هذا الحد من التفكير. وإنما تعدوه إلى تجسيد هذا المعتقد الذى يتمثل فى أوليائهم. فلكل قرية ولى إذا مات الولى حل محله آخر. قد لا يكون مقيما بها فالشيخ موسى الدرويش الذاهل الذى لم يكن يستقر فى مكان وصفه «يحيى الطاهر» فى قصة «طاحونة الشيخ موسي» و«الطوق والأسورة» قبل أن يموت، وحين توفى الشيخ أبى الحجاج بن السيد يوسف الذى كان يسكن فى أول الكرنك عاد الشيخ موسى ليستقر بالكرنك قريبا من سكن الشيخ أبى الحجاج بن السيد يوسف حفيد جده الكبير أبى الحجاج حتى توفاه الله، واحتفلت الكرنك بوفاته ويقام له مولد كل عام. ويروى بعض الناس أنهم رأوه فى مكة يحج إليها وهو لم يغادر الأقصر، فهم يعدونه من الأبدال السبعة الكبار فى حلقة التصوف التى تبدأ بالقطب ثم الإمامين والأربعة أوتاد الذين يتحكمون على جهات الأرض الأربعة ثم الأبدال السبعة الذين يتبدلون ويظهرون فى أماكن مختلفة. وتروى حكايات كثيرة عن تجسيد الأولياء بعد وفاتهم وظهورهم لبعض الناس ولعل أكثر الحكايات التى تروى عن ظهور الولى بجسده حظى منها الشيخ أبو الحجاج بالكثير، فإعتقاد أهل الأقصر فيه يمثل الصورة الواضحة عن الاعتقاد فى الروح وقرتها. هذا الاعتقاد يرتفع به الشيخ أبو الحجاج من درجة الولى الى درجة القطب، وأن روحه فاعلة مع أعضاء المحكمة الكونية لتقيم الحق والعدل. ومازال أهل الأقصر يحتفلون بمولده بالطريقة التى احتفل بها المصريون فى عيدهم الدينى السنوى الأوبت، وهو العيد الذى كان يتحرك فيه موكب الإله آمون بتمثاله من معبده فى الكرنك ليزور معبد زوجته فى الأقصر. ومازالت صورة الاحتفال على جدران معبد الأقصر، وفيها يخرج الإله محمولا فى مركب يجرها طائفة العبدة فى النيل إلى المعبد، والناس تحمل الفاكهة ومعهم قرابين من الأبقار، يقود المركب الإلهى كبير الكهنة وكبار رجال الدولة، ويكرر أهل الأقصر هذا الاحتفال فى مولده، وهو احتفال مبنى على حكاية شعبية تقول إن الشيخ أبو الحجاج حين حضر إلى الأقصر رفضت حاكمتها دخوله المدينة، وبعد مفاوضات قبلت أن يأخذ مساحة جلد جاموسة لينام عليه، فإذا به يقطع جلد الجاموسة خيوطا فيقرأ عليها القرآن فتدور الخيوط حول المدينة وحين أشرقت الشمس طلبت منه الحاكمة أن يغادر المدينة فأخبرها أنه أخذ المدينة كلها، فخيوط جلد الجاموسة أحاطت المدينة وأنها أصبحت له ودار بينهما صراع فاز فيه، وانتهى الأمر بأن تزوجها، ويرى المسيحيون أنها قديسة مسيحية، وأصبح قبرها مقاما مجاورا لمقام أبى الحجاج. وهذا أمر طبيعي، ففى علم الأساطير أن إله المنطقة التى تهزم كثيرا ما تزوج إلهة المنطقة المهزومة كنوع من التوحد والتصالح.