اتحدث عن المقاهى فهى «الرحم» الذى احتوى الأدب المصرى فضلا عن احتضان الكفاح السرى والمقاومة على مدى التاريخ، وربما يكون مقهى الفيشاوى الأشهر بفضل الأديب العالمى نجيب محفوظ حيث كان يرتاده بصحبة أصدقائه ومحبيه من الأدباء المشاهير والفنانين وشهد ولادة روايات كثيرة له ويرجع ويعود انشاؤه إلى عام 1797 حيث امتد عمره إلى 220 عاما، وهناك مقاه أخرى لم تنل شهرة الفيشاوى ومنها مقاهى «الحرافيش»، «ريش»، «زهرة البستان»، «الحرية»، «التكعيبة»، «السنترال»، «أم كلثوم»، حيث كانت فيه أغانيها، وكان الصمت والإنصات هو السائد للاستمتاع بفنها الأصيل، وكانت المقاهى الشعبية المنتشرة فى جميع أحياء المحروسة هى الملاذ الآمن المتاح للتسلية واللقاءات خارج البيوت، بل والمكان المفضل لعقد الصفقات وإتمام المصالح خاصة تلك المجاورة للشهر العقارى مثلا، والضرائب والمرور والجمارك وسائر الأنشطة، وربما بعض الأفراح، وأذكر مقهى كانت تفوح منه سحابات البخور وكانت نخالة الخشب تنثر على الأرض بعد تنظيفها يوميا بالمياه والصابون، لزوم التطهير والنظافة التى تمتد أيضا لما كان يسمى «النصبة» التى تحوى جميع الأدوات لعمل الشاى والقهوة، وكل المشروبات فضلا عن «الشيشة» التى كانت تنقسم إلى قسمين: شعبى وفاخر وكان الأدب والحوارات الأخوية هى السائدة فى تلك الأيام، فماذا حدث لتنقلب الأحوال وتتحول المقاهى إلى مصدر إزعاج لا مثيل له، بل امتدت الفوضى إلى إغلاق المقهى على الزبائن لدفع الحساب الذى يأمر به صاحب المقهى وإلا فالعقاب الدامى الذى شهدناه فى حادث الشاب الذى دفع حياته ثمنا للاعتراض على أسلوب تقاضى الحساب!! لقد صار المقهى - أى مقهى - ضحية لممارسات الفوضى والبلطجة التى انتشرت فى المعاملات اليومية لدرجة أصبحنا فيها لا نطبق الحوار الهادئ، ولا نقبل ثقافة الاعتذار، فكل واحد يرى أنه على حق. إن ما يحدث الآن فى المقاهى من إغلاق وتكسير وضياع الفرصة للتعديل والتشريع والتصويب هو حل خاطئ نلوم من يبالغ فى ارتكابه ونرجوه التأنى فى المعالجة.. يقينا نحن ضد المخالفات والبلطجة وبالفعل فإن المقاهى ضرورة حياة بعد أن «حلقت» الاشتراكات فى النوادى فى سماء الأرقام الفلكية إلى جانب بعدها عن سكن العامة لكن المقاهى موجودة فى كل الشوارع. لقد بات علينا إيجاد صيغة محترمة لعمل المقاهى والسعى لاستخراج الرخص لمزاولة النشاط لأن ذلك يصب فى مصلحة أمن الوطن والمواطن. محاسب عبدالمنعم النمر جليم رمل الإسكندرية