إذا اكتفينا بترديد الأمنيات على أنها حقائق، وأحجم الحزب الحاكم عن تقديم تنازلات حقيقية للمعارضة فى حكومة الوفاق المقرر تشكيلها بناءً على مقررات مؤتمر الحوار الوطنى وبقى الوهم يسيطر على قيادات المعارضة السياسية وحركات التمرد المسلح بأن النظام سيسقط قريباً فى مواجهة التحديات، وأن النصر العسكرى حليفهم لا محالة، فلن تخرج الأزمة السياسية من طريقها المسدود ولن يتم التوصل إلى حل عملى للتمرد فى دارفور أوجنوب كردفان أو النيل الأزرق، وستظل دماء الأبرياء تُسفك بلا اكتراث، فالحوار الذى دعا إليه الرئيس البشير فى يناير 2014 لم يبدأ إلاّ بعد عشرة أشهر، وعندما انعقد قاطعته معظم أحزاب وقوى المعارضة بعد أن انتهى بتوصيات تضمنت تعديلات دستورية لإشراك الجميع فى الحكم، وصفها المعارضون بغير الكافية، واقترحوا حواراً بديلاً رفضته الحكومة على الفور، وهكذا استمر الجدل العقيم!. وثيقة الحوار الوطنى تضمنت توافقاً حول التشريعات والإجراءات اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف مفوضية مستقلة واستحداث منصب رئيس للوزراء، وتخلى حزب المؤتمر الوطنى الحاكم عن مناصب وزارية اتحادية ومحلية، وزيادة عدد مقاعد مجلس النواب لاستيعاب ممثلى القوى السياسية الموقِّعة على الوثيقة، وتهيئة الأجواء بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وكفالة حرية التعبير والنشر والعمل السياسي، والاعتراف بالتنوع الثقافى والاجتماعي، ونبذ العنف، وإقرار دستور دائم، لكن قوى المعارضة التى قاطعت الحوار وصفته بأنه اقتصر على مؤيدى النظام وأن توصياته لا تؤسس لا للوحدة ولا للوطن، وإنما هى محاولة لإضفاء الشرعية على نظام الحكم وطالبت بما وصفته بحوار شامل بعد عقد مؤتمر تحضيرى برئاسة طرف دولى محايد لمناقشة كل القضايا باستفاضة معها تحت إشراف آلية مستقلة لإدارته وبإلغاء القوانين المقيدة للحريات والإفراج عن المعتقلين السياسيين.وقال حزب المؤتمر الشعبى المعارض إن القوى السياسية الفاعلة لم تشارك فى الحوار وإن نتائجه لن توقف الحرب أو تعالج أزمات البلاد، وإذا أصرت الحكومة عليها فستواصل المعارضة العمل لإسقاطها بالطرق السلمية، وزادت حركات التمرد الرافضة لنتائج الحوار على ذلك بتقديم مطالب، من بينها وقف العمل بقانون الأمن الوطنى وإطلاق سراح الأسرى والمحكوم عليهم. ت البشير طالب الذين لم يشاركوا فى الحوار بالتوقيع على وثيقة التوصيات النهائية، مؤكداً أن التفاوض سيستمر فقط مع الحركات المسلحة ولا مجال لأى حوار سياسى آخر، ومدَّد وقف إطلاق النار حتى نهاية العام فى دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، وأعلن أنه سيشرع فى إصلاح أجهزة الدولة وتشكيل آلية قومية موسعة لوضع دستور دائم وإرساء تجربة جديدة فى الحكم قوامها الشورى والديمقراطية وحرية الرأى المسئول وأسقط أحكاماً بالإعدام والسجن بحق 64 من قيادات الحركة الشعبية/ قطاع الشمال المتمردة فى جنوب كردفان والنيل الأزرق على رأسهم رئيسها مالك عقار وأمينها العام ياسر عرمان كبادرة حُسن نية، وأعلنت الحكومة أن نهاية العام الحالى هى آخر فرصة لمتمردى دارفور والحركة الشعبية للانضمام لوثيقة الحوار أو توقيع اتفاق سلام، لكن لوحظ أن كثيراً من تصريحات المسئولين الحكوميين يتم التراجع عنها فى وقت لاحق مما شجع المعارضة السياسية والحركات المتمردة على التعنت فى مواقفها، لدرجة رفض بعضها مجرد المشاركة فى الحوار،كما تُشكك بعض تصرفات وقرارات الحكومة فى مدى جديتها فى تنفيذ حتى مقررات مؤتمر الحوار الذى دعت إليه فاتهمتها المعارضة بعدم الجدية وشككت فى نواياها مثل اعتقال بعض قادتها وأعضائها بتهمة التحريض ضدها، عقب زيادة أسعار الوقود، ومصادرة وتعطيل ثلاث صحف لانتقادها تلك الزيادة، رغم أن حرية العمل السياسى والتعبير عن الرأى من مقررات مؤتمر الحوار التى التزمت الحكومة بتنفيذها مما يعوق إعادة بناء الثقة. ومما ساعد على تباعد المواقف تمسك الرئاسة بحق تعيين رئيس الحكومة وعزله وسط خلافات حول سلطاته ومطالبات من قوى معارضة شاركت فى الحوار بألاَّ يكون من الحزب الحاكم، كما وصف محمد الشايب رئيس لجنة الشئون الاجتماعية والإنسانية فى البرلمان اختصاصات رئيس الوزراء الواردة فى التعديلات الدستورية بأنها تضع السلطة كلها فى يد الرئيس، أما عن التصريحات المتضاربة والوهم المسيطر على البعض فأمثلتها عديدة، من بينها قول مساعد الرئيس إبراهيم محمود إن التمرد انتهى بجنوب كردفان وولَّت بلا رجعة أعمال العنف والقتال فى دارفور بينما كشفت الحكومة عن اتصالات مع حركات التمرد الدارفورية لإنهائه سلمياً وللانضمام لوثيقة الحوار، وهذا وزير الإعلام أحمد بلال يقول إن السودانيين قادرون على حل مشكلاتهم بعيداً عمَّن وصفهم بسماسرة السياسة، فإذا صحَّ ذلك فما الذى منعهم من حلها؟،ويرفض رئيس الجمهورية استيعاب أفراد الحركة الشعبية فى الجيش والأمن والشرطة قائلاً إنهم يدينون بالولاء لدولة معادية، وكأنهم ليسوا مواطنين سودانيين! وتلك أحزاب ومنظمات تحالف نداء السودان توقِّع مع الحكومة خطة طريق لإنهاء التمرد وحل الأزمة السياسية ثم تتراجع عنها وتواصل إطلاق التصريحات الوهمية بأن النظام سيسقط عما قريب!. لمزيد من مقالات عطية عيسوى