السيسي يوافق على إطلاق مشروع كاري أون لتوحيد العلامة التجارية للمجمعات والمنافذ التموينية    رئيس أركان حرب القوات المسلحة يعود إلى أرض الوطن عقب انتهاء زيارته الرسمية لدولة الكويت.. شاهد    التلفزيون الإيراني: انتهاء جولة المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة في جنيف    تابع الان البث المباشر مشاهدة مباراة الزمالك وسيراميكا كليوباترا اليوم بدقة HD في كأس مصر    مصدر أمني ينفي مزاعم وفاة سيدة سودانية خلال مواجهات بالقاهرة    مؤسسة التضامن للتمويل الأصغر تشارك في مؤتمر سنابل السابع عشر بشرم الشيخ    «الوزراء» يكشف حقيقة منح طلاب المدارس الحكومية إجازة رسمية يومي الأربعاء والخميس    علا الشافعى رئيس مجلس إدارة اليوم السابع تنعى الزميل الخلوق المهنى محمود نصر    طلب إحاطة بشأن استثناء فئات من أعضاء هيئة التعليم الخاضعين لكادر 155 من صرف الحافز المعلن بقيمة 1000 جنيه دون سند قانوني    روسيا تعلن إسقاط 178 مسيرة واستهداف مواقع أوكرانية    مقرر الأمم المتحدة للمياه: الإرث الثقافى لمصر مهم للعالم أجمع    عاجل- مجلس الوزراء ينفي إجازة المدارس الحكومية يومي الأربعاء والخميس    ذكرى رحيل محمد حسنين هيكل.. سطور من رحلة «على هامش صراع الحضارات»    وزير الصحة يترأس الاجتماع رقم 214 لمجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي    رئيس جامعة كفر الشيخ يهنئ الدكتور حسام الدين فوزي لتوليه منصب محافظ دمياط    عُمان تعلن رمضان الخميس.. ودول عربية ترصد هلاله اليوم الثلاثاء    إحباط جلب 833 كيلو حشيش وتنفيذ 68 ألف حكم قضائى فى 24 ساعة    جامعة بني سويف تنظم ندوة حول فضائل شهر رمضان    مواعيد عرض الحلقتين الأخيرتين من مسلسل قسمة العدل    اجتماع مجلس السلام فى واشنطن برئاسة ترامب ..إعادة إعمار غزة مقابل نزع سلاح المقاومة    استمرار فعاليات مبادرة "مجتمع آمن بلا إدمان" بجامعة بنها    ارتفاع جماعي لمؤشرات البورصة في مستهل تعاملات الثلاثاء    إتشيفيري معترفا: دهست قدم كوندي قبل الهدف في برشلونة    دياب: مكافأة بطل الدوري ستكون أكثر من 20 مليون.. ولن نؤجل مباريات بسبب الاتحاد الإفريقي    حكام مبارايات الثلاثاء في ختام منافسات ربع نهائي كأس مصر للكرة النسائية    الشرطة الإيطالية تطالب حكم ديربي إنتر ويوفنتوس بالبقاء في المنزل    «الصحة» تنظم ندوة توعوية حول الحوكمة والتنمية المستدامة    نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا يستقبل رئيس جامعة ناجويا اليابانية    عميد طب قصر العيني: بدء تنفيذ مجموعة استبيانات منظمة لرصد احتياجات الطلاب    طالب بجامعة الدلتا التكنولوجية يحصد أول بطولة للجمهورية في رماية المسدس    وزير التعليم يزف بشرى سارة لمعلمي الحصة.. اعرف التفاصيل    السجن 6 سنوات للمتهم بالتعدى على شاب من ذوى الهمم بالشرقية    عاصفة ترابية تضرب أسوان| إيقاف الملاحة النهرية وتحذيرات عاجلة لقائدي المركبات    مناقشات موسعة أمام الشيوخ ل إقرار قانون الإدارة المحلية    لديكم مشاكل كافية.. ترامب يهدد لندن بسبب اتفاق مع حاكم كاليفورنيا    عمرو سعد يعلن تكفله بمصاريف 30 حالة من الغارمين والغارمات    علا الشافعى تكتب من برلين: برليناله 76.. «Everybody Digs Bill Evans» بيل إيفانز بين عبقرية الجاز وعزلة الروح    وزير الأوقاف يعلن تفاصيل الحفل الختامي لبرنامج دولة التلاوة    أوقاف القليوبية تطلق حملة نظافة مكبرة بجميع المساجد استعدادا لشهر رمضان    صلاة التراويح.. تعرف على حكمها وعدد ركعاتها وكيفية أدائها    المكتب الإعلامي الحكومي في غزة: 925 مواطنا سافروا ذهابا وإيابا عبر معبر رفح منذ مطلع فبراير    "القاهرة الإخبارية": الاحتلال يهدم منشآت زراعية بقرية عرب الجهالين شرقي القدس المحتلة    «الصحة» تعلن إطلاق خدمة «الفترات البينية» لإنهاء الزحام في عيادات هيئة التأمين الصحي    نصائح مهمة لراحة الجسم بعد الإفطار فى شهر رمضان    لجنة الانضباط ترفض احتجاج اتحاد جدة على مشاركة مهاجم النصر    إنطلاق جلسة النواب لمناقشة تعديلات تشريعية عن سجل المستوردين    عمرو سعد يعلن تبرعه ب 10 ملايين جنيه للغارمين بالتزامن مع «إفراج»    إياد نصار: أشكر المتحدة للخدمات الإعلامية على مسلسل صحاب الأرض    مصرع شخصين فى حادث انقلاب سيارة نقل بطريق أسيوط الغربى    "الأعداد فى الثقافتين المصرية والإنجليزية".. رسالة دكتوراه ب"ألسن سوهاج"    أسعار الفراخ والبيض اليوم الثلاثاء 17-2-2026 في الأقصر    حكم صوم يوم الشك بنية كفارة اليمين؟.. الإفتاء تجيب    الصحة: إنهاء معاناة 3 ملايين مريض ضمن مبادرة قوائم الانتظار بتكلفة 31 مليار جنيه خلال 7 سنوات    دعاء الفجر.. أدعية تزيل الهموم وتجلب الخير    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الثلاثاء 17فبراير    الإفتاء: التهنئة بقدوم شهر رمضان جائزة ولا حرج فيها    حقيقة اهتمام مانشستر يونايتد وتشيلسي بالتعاقد مع يورجن كلوب    وليد دعبس يدعو لاجتماع طارئ بسبب أزمة التحكيم: الأندية تُنفق الملايين وحقوقها تُهدر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أولاد حارتنا
يحيى الفخرانى
نشر في الأهرام اليومي يوم 02 - 09 - 2016

تخيله ، لو لم تقدم له الصدفة السعيدة يدها لكى تصفق بحماس وهو يمثل مشهدا صغيرا على مسرح الجامعة ، تخيل أن موهبته إختبأت تحت البالطو الأبيض فتوقف به الزمن طبيبا فى مبنى التليفزيون أو داخل عيادة صغيرة ؟يحب يحيى الفخرانى لعبة الخيال ، لأنه هو نفسه صنع من خيال ، لأن موهبته لو لم يدعمها خيال .. ماكان يقف الأن بكل ثقة لكى يلعب .
هو ممثل يلعب ، بهواية تصل إلى حد الفلسفة التى يحبها ، ربما لو لم يمثل .. لأصبح أقرب أن يكون أستاذ فلسفة أو بحارا لا يتوقف غليونه عن الدخان فى حلقات بيضاء تذهب إلى حيث لا يدرى .
‎يحيى ، ليس طفلا كبيرا كما يصفه البعض فى سهولة مدهشة مخلة لشخصه وموهبته وجسده المكتنز ، يحيى شخص أنقى مافى موهبته نضجه ورؤيته العميقة للأشياء .. خلف كل ملامح يتقمصها يقبع سيرك من الشخصيات تلعب فوق كل الحبال كل الألعاب .
‎تخيل ؟ مرة أخرى تخيل : هل كان يمكن أن تقبله ممثلا بجسد نحيف ، بشعر ناعم ، بصوت مرهف الحس ؟
‎كل الأشياء التى خاف منها أن توقفه عن مصداقيته فى التمثيل ونجومية الفن .. هى التى أعطته تميزه ودفعت به سنوات ضوئية إلى الأمام .
‎سوف يبتسم خجلا إذا وصفته ( ممثل وسيم ) ، هو ليس كذلك .. لكنه لا ينكر أنه صنع من ملامحه وطريقته وشخصيته وسامة من نوع يملكه وحده .
‎من هو يحيى الفخرانى ؟ ما هو الدور الذى صنعه ؟ كيف دفعته ظروف صعبة مرة إلى الإعتزال ؟ ولماذا يخاف من الزمن ؟
‎ليست هذه الأسئلة التى تشغل باله أو تشعل حماسه لكى يمثل بإبداع ، هو كل مرة يتوقف عند عتبة البلاتوه يصلى ويأمل .. كأنها المرة الأولى التى يتقمص فيها شخصية ، لا يمثل بطريقة الاستنساخ ، لا يستدعى شخصية مرت فى حياته لكى يؤديها ، هو يتخيل ، دائما يحول ماكتبه المؤلف على الورق إلى خيال فيصنع شخصيات جديدة مبهرة من فرط بساطتها واختلافها .
.........................................
‎يعشق يحيى الفخرانى الحرية ، حريته الشخصية ، لذلك نادرا ما تجده فى جلسة أو شلة أو على مائدة كلام لمدة طويلة ، متعته أن يجلس مع نفسه ، يتأمل كثيرا ، يراقب ، هارب من الواجبات الاجتماعية ، من الدوشة ، من الثرثرة ، من الأضواء ، أمتع أوقاته حين يذهب إلى البحر فى صباح مبكر لكى يجلس وحيدا يراقب ميلاد نهار جديد بكل ما يعنى الميلاد من فرحة ، لن يمكنك أبدا أن تجلس معه فى مناقشة طويلة ، بسرعة سوف يعود للاختباء داخل أفكاره ، إنها قصة الابن الوحيد الذى عاش فى منزل ريفى بسيط فى ميت غمر طفولة يلعب فيها مع نفسه ويتكلم معها ويحلم معها .
‎كثير من الأشياء التى تنقص من حياتنا فى بدايتها .. هى التى تجعلها كاملة فى وقت لاحق ، لا أتخيل يحيى الفخرانى مثلا لا يضحك ولا أتصوره مغرورا أو مجنونا جنون الفنانين ، لا يمكن أن تشعر يوما أن كم الشهرة والنجومية والحب الذى حصل عليه من جمهوره قد أضاف إليه نبرة سخرية أو غرورا أو تجاهلا .
‎بالعكس ، يزداد تواضعا كلما إزداد ثقل قدميه على الأرض .
.........................................
‎لا يحمل أفكارا سياسية ، لكنه يحمل الكثير من الأحلام لوطن كبير ، يرى أن دور الفنان الحقيقى هو الارتقاء بالمواطن من خلال مايقدمه من شخصيات تتحرك على الشاشة تنقل مشاعر وأحاسيس ورؤية ، نجيب الريحانى هو النموذج الذى سار إليه فى الحياة الفنية حتى وقت قريب ، الساخر الباكى البسيط الذى لا تعرف من أى طبقة إجتماعية ينتمى ولا من أى حارة من حاراتنا القديمة جاء ، قدرة التعبير عن الجميع قدرة فذة اختار أن يلعبها شخصية بعد أخرى ، تجلت فى ( خرج ولم يعد ) المواطن البسيط الهارب من زحام القاهرة الإنسانى فيقع فى هوى الريف ويندمج داخل عائلة يفتقد وجودها فى الواقع الافتراضى الذى أصبحنا جزءا منه ، جرس إنذار مبكر أطلقه فى منتصف الثمانينات ، قبل أن يواصل إطلاق إنذارات أخرى فى ( عودة مواطن ) من أهم أفلام السينما المصرية على الرغم أنه لم يأخذ حق الإنتشار والربح والنقد ، الفيلم الذى ناقش بجرأة عاصفة الخليج التى هبت على العائلة المصرية ، إذا أردنا أن نفهم ماحدث فى المجتمع المصرى وفى نسيج العائلة المصرية ، السلوك واللهجة والحلم والأفكار .. علينا أن نعود إلى ( عودة مواطن ) الذى أنتجه يحيى الفخرانى بكل مالا يملك .. وخسر فيه كل مايملك .
‎هذه التجربة تماما هى التى يتجلى فيها دور الفنان فى الحياة الاجتماعية والسياسية ، يتألق نجيب الريحانى الذى يخفيه يحيى الفخرانى ببراعة داخل موهبته الكبيرة، الساخر الحزين والعاشق المهزوم .
‎يرى يحيى الفخرانى وهو على حق أن السينما هى الكتاب الذى مهما مرت أزمنة .. فأنت تستعيده من مكتبتك وتقرأه كأنك لأول مرة ، لا يموت الفيلم السينمائى ، يعيش ويبقى ويكبر ويتجدد بمرور الوقت ، وفى كل مشاهدة تكتشف معان لم تكن معك فى المرات السابقة .
‎كان حلمه دائما أن يترك مكتبة سينمائية حافلة بأفلامه ، حتى وقت قريب كان يدخر نفسه لكى يصنع أفلاما يحبها ، وأدوارا تحبه ، تشبه ملامحه المنقولة من نسخة قديمة لروايات ألف ليلة وليلة ، لكن دراما التليفزيون وهذه العدسات التى لا تقترب كثيرا من وجه الممثل ، سرقته إلى عالم ليس فيه حسابات النجومية المزعجة التى يمشى على زجاجها المكسور نجوم الشباك ليحتفظوا بإيرادات تبقيهم على الأفيش وتفرض شروطهم فى العقود المكتوبة ، استقر هادئا هدوءا يليق به ضيفا مقبولا ومحبوبا ومدهشا على البيوت ، وجه أقرب إلى الاستدارة وجسد يشبه الآباء الطيبين وبساطة مفرطة فى الأداء وحظ رائع يجعله يلتقى مؤلفا بخميرة أسامة أنور عكاشة ومحمد جلال عبد القوى ، فكيف لا يتألق على هذه الشاشة الصغيرة ؟
.........................................
‎تعرف محمد يحيى الفخرانى ؟ مهما مضى عليه زمن نجومية نجاح سنوات ، لم يتغير .. هو نفسه الطفل القادم من بيت كبير فى مدينة صغيرة تلمس النيل بأصابعها ، ميت غمر مازالت تسكنه ، رائحة الفطير الساخن الشهى والعسل الطازح ، طبيخ البيت وشجرة التوت ، لكى تدرك من أين تأتى خصوصية موهبته ، عليك أن تمد يديك على طولهما لكى تكتشف أن هناك ماض جلس فيه طفل كلبوظ وحيد على حافة نهر يجرى يتأمل ، مؤكد أيضا أن الوحدة تمنح صاحبها حق الفرجة على كل مافى الحياة من أحدث وبشر ووشوش ، كم اختزل واختصر وادخر من وجوه مرت فى حياته طفلا ثم شابا ، كم حدوتة قبل النوم سمعها من أمه التى ألهمته وعلمته واستند إلى ذراعيها حتى وقت قريب ، تشجع طفلها على أن يعمل مايحب ، وهو أحب التمثيل ، درس الطب .. لكن الحب للتمثيل والتشخيص والتقليد والفن أقوى وأكبر ، الوحيد .. لم يعد وحيدا ، عشرات الشخصيات التى مثلها هى إما لشخصيات تمنى أن يكونها أو شخصيات تمنى أن تكون فى حياته ، بكل بساطة ، ليس هناك خط فاصل بين يحيى الفخرانى الذى يعيش بالحد المعقول من الحياة رغبة منه فى البساطة .. وبين الممثل الذى يتنقل بخفة فراشة وحرية عصفور من دور إلى آخر .
‎الفخرانى لا يمكن وصفه أو اختصاره فى مهنة ممثل ، هو شخص أحب التمثيل ، ومازال روح الهاوى تدفعه لأن يمثل بأجر صغير على خشبة المسرح ، لكى لا يموت الممثل الناضج فيه ، لكى يتجول داخل شخصية أحبها ، لكى يتمرن ويصبح فى كامل لياقته ، لا تشغل يحيى الفخرانى مكاسب النجومية بقدر حرصه على أن يبقى نجما قادرا على اختيار الشخصية والدور والسيناريو والمخرج ، متى يمثل ومتى يستريح ، لن يقبل فى يوم أدوارا ثانية لمجرد أن يبقى مطلا على الشاشة ، لن يوافق على وضع إسمه على اللوحة الثانية تقديرا للغة السوق ، لن يعود إلى مربع التنازلات .. فهو وصل إلى القمة التى ظل يعمل بجهد لكى يبلغها ، لكى تكون له الكلمة الأولى والأخيرة فى العمل الفنى .
.........................................
‎مازال يحب تلك التفاصيل الصغيرة التى تجعل حياته جميلة ، مهم للغاية عنده أن تكون الحياة هادئة عميقة ، وحدته القديمة كإبن وحيد .. جعله متمسكا بالعائلة ، التى صارت أبناء وأحفاد ، يعيش معهم العمر الثانى الذى يبدأ عند احتفالنا بعيد الميلاد الستين ، بعد الستين نحن فى الحقيقة إذا رغبنا نختصر سنة من عمرنا .. سنة بعد سنة ، إذا امتلكنا إرادة السعادة والبهجة وحب الحياة ، أروع مافى يحيى الفخرانى أنه يحول حزنه أو اكتئابه أو أزماته إلى طاقة مذهلة فى التمثيل ، يحول ماينقصه إلى إكتمال فى الأدوار التى يختارها عن إحتياج لكى يكتمل حلمه القديم بها .
‎كم شخصية خارج التوقعات فعلها .. وتصدى لتمثيلها ، كان جريئا للغاية حين وافق على تمثيل دور شرير منحه له المخرج عاطف الطيب فى الغيرة القاتلة ، ثم وافق على أن يخرج من برواز محكم على الحائط مع رأفت الميهى فى الحب قصة أخيرة ، ومع أحمد فؤاد فى الأوباش .
‎مرة أخرى ، مهما لمع يحيى الفخرانى فى الدراما التليفزيونية ، مهما تحول إلى جزء من طقوس الفرجة فى شهر رمضان ، وتحولت مسلسلاته إلى «نوستالجيا» لا تفارق ذاكرتنا .. فإنها السينما ، هى علبة المفاجآت المدهشة التى تصنع مزاج هذا الممثل الموهوب بدون مواربة ، ابتعد كلاهما فى اتجاهين مختلفين ، افترقا .. خسر الإاثنين ، لم تفهم السينما أن حجم موهبته تصلح لكى يصنع إيرادات التذاكر ، أو لعله لمع كممثل فى وقت كانت السينما تغير مواصفاتها ، تخلع محمود ياسين ونور الشريف ومحمود عبد العزيز .. وتستقبل فترة كساد وركود مع موجة من أفلام الضحك للضحك .
‎وتبقى أنجح المشروعات السينمائية التى مرت به ، وحققت نجاحا بالأرقام وبأقلام النقاد ، فيلم ( الأوباش) الذى كشف عن ممثل له وجوه عديدة تستحق المشاهدة ، وتجربة فيلم ( الكيف ) التى صنعت ثنائيا مذهلا مع محمود عبد العزيز .
......................................
‎هل يمكن أن يعود يحيى الفخرانى للسينما مرة أخرى بتجربة تشبه تجاربه المسرحية ، الدور والمشروع أهم من الأجر ؟ تحقيق ثنائى وأكثر مع نجوم كبار واحتفاء بنجوم من جيل أحمد السقا وأحمد حلمى وكريم عبد العزيز ؟
‎يحتاج الفخرانى أن يصنع مشروعه السينمائى بنفسه ، أن يبذل مجهودا لكى يختار الفكرة ويأتى لها بشركاء نجاح ، إننا أكثر إحتياجا لعمل سينمائى واحد على الأقل كل عام ليحيى الفخرانى وشركاه ، يحيى الفخرانى ومحمود عبد العزيز ، يحيى الفخرانى ويسرا ، يحيى الفخرانى وكريم عبد العزيز ومنى زكى .
‎ليس أمام النجوم إلا فك عقدة النجومية ، العالم كله يتجه نحو إنتاجات سينمائية جماعية قادرة على جذب الجمهور ، على إحداث الصدمة التسويقية ، على كل النجوم أن يجلسوا إلى مائدة واحدة ويفكر كل نجم بكل خبرته وكل نجوميته كيف يجمع الآخرين حوله لتنشيط صناعة تموت ، لإمتاع جمهور من حقه بعد أن صنع نجومية وثروة ومكانة الجميع .. أن يقدموا له فنا أفضل .
‎ليس ضربا من الجنون أن أفكر فى مشروع يجمع الثلاثة الكبار : الفخرانى إمام عبد العزيز ؟ الثلاثة فى كل أحوالهم لم تعد أمامهم فرص سينمائية رائعة فى سوق إختل عقله ، إلا بأن يكونوا معا .. ثلاث قنابل موقوته تنفجر معلنة بدء موسم جديد من السينما التى تنقب فى المجتمع عن إحتياجاته ، ثلاثة أسماء تساوى فى أرقام السينما حوالى 50 مليون جنيه ، لكنهم إذا صنعوا الفيلم الحلم بتنازل عن هذه الأرقام الضخمة لصالح إنتاج سينمائى جيد ، سيحققون أدبيا أكثر بكثير من هذه الألعاب الفردية التى أصبح لها سقف ولها فترة زمنية محددة ولها توقعات من الجمهور .
‎الفترة القادمة ، ربما العام القادم لم يعد يحتمل البقاء تحت دائرة التكرار ، تحت مسمى العمل الفنى الذى ينسب للنجم الواحد ، اللعبة الفردية لم تعد هى السلعة التى تحرك المشاهد لاستهلاك عمل فنى ودفع قيمته .
‎فلماذا لا نبدأ ؟ لماذا لا نتناقش ؟ لماذا لا نفكر فى أفكار تجعل العمر الفنى الإفتراض فى الفترة المقبلة أطول ؟
........................................
.‎حان الوقت أيضا ، لكى يقدم يحيى الفخرانى الدراما التليفزيونية الاجتماعية البسيطة التى تحتاج وجوده وقيمته ، دراما العائلة التى تناقش أدق التفاصيل فى المجتمع ، أن يمثل احتياجاتنا وليس فقط ما نندهش ونصفق ونعجب به من أدوار وأداء . الفرق كبير .. فالفخرانى يجب أن يعود لحلمه القديم وتعويذته الجميلة الفنان نجيب الريحانى ، إن أقوى نقطة موهبة يملكها الفخرانى هى تلك التى تجمع بين الجد والهزل ، بين الحقيقة والسخرية ، بين إرهاقنا المستمر فى مشوار الحياة وبين ضحكنا على هذه الحياة لكى تكتمل وتمضى وتستمر .
‎الفخرانى ، لابد أن يترك قليلا وهذا الوقت المناسب أدوار الشخصيات التى يفضلها وتستهويه .. إلى أدوار تمثل حياتنا بكل تفاصيلها .. تضرب فى الأعماق حتى تصل إلى الجذور ، فتنبت عشبا جديدا .
‎لا يمكن لعازف موهوب أن يستمر وهو يضرب فقط على أصابع البيانو السوداء ، السوداء والبيضاء هى التى تجعل الموسيقى ممتعة والعرض مدهش وغير متوقع .
........................................
‎من أمتع ماقدم مسلسل ( أوبرا عايدة ) و ( نصف ربيع الآخر ) و ( الليل وآخره ) و ( الخواجة عبد القادر ) و ( حمادة عزو ) و ( زيزينيا ) و ( أنا وأنت وساعات السفر ) .. أداء سهل ، بلغ حد العبقرية فى الأداء فى مشاهد كثيرة لم يسبقه لها أحد ، فإذا وضعنا يحيى الفخرانى على قائمة أهم الممثلين فى تاريخ السينما المصرية ، فأنت أمام ممثل صنع على مهل ببطء ، رفع نفسه من مرتبة ( الفن لأكل العيش ) إلى مكانة الفن الراقى المحترم الذى يبقى ممتعا فى كل زمان ومكان .
‎عبقرية الفخرانى تكمن حتما فى فن الاستغناء عن الهيكل العظمى للنجومية ، هو يمثل .. وليس ممثلا ، وهو نجم لكنه لا يعيش هناك مملوكا لفكرة الشهرة .
‎وسوف يستمر ، لا خوف على أفول نجمه ، لأنه حقيقى .. ولأن داخله ( صندوق الدنيا ) ، يمد يديه لكى يأتى بشخصيات أحبها فيقدمها دون إرهاق .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.