أجرى وفد من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أخيرا جولة من المفاوضات فى القدس مع وفد الكنيسة الإثيوبية بخصوص دير السلطان المملوك للكنيسة القبطية، وذلك بحضور ممثلى السفارتين المصرية والإثيوبية ومندوبى الأمن وبطريرك الروم الارثوذكس، حيث تتعرض ممتلكات كنيسته لأضرار بالغة من جراء عدم ترميم الدير، وقد عرض وفد الكنيسة القبطية رؤيته حول قضية دير السلطان وطالب بعمل بروتوكول شامل يتضمن الفصل فى الملكية والحيازة وإعطاء أولوية للترميم فى ضوء قرارات المحكمة وإتفاقية (الاستاتسكو) لعام 1898 التى تقضى بعدم المساس بالوضع الراهن فى الأماكن المقدسة ودعمتها معاهدة ابرلينب التى أُبرمت فى نفس العام، منتظراً من الطرف الإثيوبى إجابة عن الاسئلة والاستفسارات التى قدمها الوفد المصرى. يقع دير السلطان على سطح مغارة الصليب وهى إحدى كنائس القيامة وهو الممر الطبيعى لكنيسة القيامة، كان قد أهداه السلطان صلاح الدين الأيوبى للكنيسة القبطية تقديراً للدور الوطنى الذى قام به الأقباط فى المعارك ضد الجيوش الصليبية التى احتلت القدس، وتعويضاً لهم عما أصابهم من أضرار نتيجة لمظاهر الاضطهاد التى تعرضوا لها بالاستيلاء على ممتلكاتهم وعدم السماح لهم بزيارة الأراضى المقدسة طوال فترة احتلالهم، وقد أسهمت العلاقة الوثيقة بين الكنيستين المصرية والاثيوبية فى تسهيل استضافة الكنيسة القبطية للرهبان الأحباش بالدير لمدة تزيد على ثلاثة قرون، وقد حاول الرهبان الأحباش أكثر من مرة استغلال أى توتر يحدث بين مصر والسلطات الأجنبية المشرفة على الأماكن المقدسة ( التركية ، البريطانية ، الأردنية..) فى محاولة إقناعها بمنحهم حق الملكية لأى جزء من الدير، إلا أن السلطان العثمانى عبد الحميد أصدر حكماً بتثبيت ملكية دير السلطان للأقباط الأرثوذكس وكذلك السلطات البريطانية والأردنية التى رفضت منحهم هذا الحق. قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلية خلال حرب الاستنزاف بالتنسيق مع نظيرتها الإثيوبية والرهبان الإثيوبيين لاستغلال انشغال القساوسة المصريين بمراسم الاحتفال فى كنيسة القيامة بعيد القيامة المجيد فى 25 إبريل عام 1970 وطرد الرهبان الأقباط بمعاونة وتواطؤ قوات الأمن، مع تغيير كوالين الكنيسة المصرية وتسليم المفاتيح الجديدة للرهبان الأحباش، وبما دفع مطران القدس (المصرى) لرفع دعوى أمام المحكمة العليا الاسرائيلية بالقدس فأصدرت حكمها فى 16 مارس 1971 بالإدانة الصريحة للقوات الاسرائيلية، واثبت الحكم الاعتداءات على رجال الدين الاقباط وحكمت المحكمة بإعادة الدير المغتصب ولكن الحكومة الاسرائيلية أصدرت قراراًًًًًًًًًً فى 28 مارس 1971 بتشكيل لجنة من وزراء الخارجية والعدل والشرطة والأديان لدراسة الموضوع وتقديم التوصيات لمجلس الوزراء فى إطار سياسة التسويف والمماطلة التى تنتهجها ، كما رفعت دعوى امام المحكمة العليا بالقدس فحكمت هذه المحكمة أيضا بالاجماع فى 9 يناير 1979 بأحقية الكنيسة المصرية فى تسلم دير السلطان وكرر الحكم إدانة المحكمة لتصرفات الحكومة الاسرائيلية، كما أمرت وزير الشرطة بإعادة مقدساتنا المغتصبة إلينا، وقامت بتغريم كل من وزير الشرطة وأسقف الأحباش مبلغ 1500 ليرة إسرائيلية، ونشر قرار المحكمة فى كل الصحف العربية والإنجليزية والعبرية. وقد دفع هذا الموقف البابا الراحل (شنودة الثالث) بطريرك الكرازة المرقسية لإصدار قرار بمنع الأقباط من زيارة الأراضى المقدسة لحين عودة دير السلطان ، وكذلك التضامن مع المسلمين الرافضين لاحتلال اليهود للقدس وباقى الأراضى العربية المغتصبة، إلا أن ذلك لم يسهم فى الضغط على الحكومة الاسرائيلية لإعادة الدير أو التخلى عن أطماعها فى المناطق المقدسة، الأمر الذى يتطلب تصعيد الضغوط على الحكومتين الاسرائيلية والاثيوبية للحصول على اعتراف واضح بأحقية الأقباط فى ملكية الدير، وهو مايصعب تحقيقه دون اللجوء لمحكمة العدل الدولية لاستصدار قرار دولى يفصل فى الخلاف القائم بين الكنيسة القبطية والإثيوبية حول الأحقية التاريخية فى ملكية الدير. وبالنظر للطابع العقائدى الذى يحكم تسوية تلك القضية والتعقيدات المرتبطة بجوانب تسويتها فإن على الحكومة المصرية تكثيف جهودها لدعم مطالب الكنيسة القبطية باستعادة الدير المغتصب، وذلك بنسخ كل الوثائق والحجج القانونية التى تثبت وتؤكد ملكية الأقباط للدير وتعميمها على بعثاتنا الدبلوماسية لإحاطة الدول المعتمدين لديها، وكذا المنظمات الدولية (الأممالمتحدة مجلس الأمن اليونسكو..) بأبعاد القضية وكل الأضرار التى تعرضت لها الأملاك التاريخية القبطية فى القدس نتيجة إهمال الاثيوبيين فى التعامل مع الأيقونات الأثرية النادرة فى الدير، فضلا عن وضع تلك المشكلة على رأس الموضوعات محل الخلاف المؤثرة على تطور العلاقات الثنائية مع إسرائيل باعتبارها المسئول الأول عن تلك المشكلة. لقد قام الشعب المصرى بثورتين مجيدتين للحفاظ على حقوقه وحماية هويته الوطنية وتاريخه ومن ثم فلن يتوانى عن مواصلة الكفاح لاستعادة حقوقه المغتصبة، فما ضاع حق وراءه مطالب. مدير وحدة الدراسات الإسرائيلية الفلسطينية لمزيد من مقالات لواء محمد عبدالمقصود