لا تخلو ثقافة من الثقافات من شخصية «جحا»، تلك الشخصية التى تتسم حينا بالحكمة، وآخر بالظُرف، وبالحمق أحيانا، فيجعل كل موقف من حكاياتها مقبولا ومبررا، وأحيانا مقنعا، وتلك هى التركيبة السحرية لشخصية جحا التى تجعل القاضى يلجأ لحكمته، حين يظهر ليكون المعجزة التى تخلِّص المظلوم بحيلة تنتصر للخير، وملاذا للحاكم الذى يتسلى بما يتندر به جحا، وأحيانا ليثبت سعة صدره حين يمكر عليه جحا فيتظاهر بالسعادة متعاليا على الموقف بل ويكافئه أحيانا، وهو أيضا الشخصية التى يستند إليها الفقراء فيضحكون وينتظرون فرجا يفك شدتهم. كل ذلك أدى بالشخصية إلى أن تكون حاجة وضرورة فى الثقافة الشعبية التى تنبنى فى أساسها على الخبرات الشفاهية والحكي، ولأنه لابد لتلك الشخصية أن تتسم بجاذبية الحضور والتوهج الحيوي؛ فتولدت شخصية جحا التى يعتبرها الكثير من أبناء الجماعة الشعبية شخصية حقيقية يتناولون سيرتها سواء فى نادرة أو خبر. ولأن الثقافة السواحلية تحتاج كغيرها من الثقافات الشعبية إلى مثل هذه الشخصية ذات الحضور الطاغى والعقل المؤثر فإنها أيضا عرفت جحا كما هو فى كل الثقافات وتقريبا بنفس النوادر، ولكن باسم جديد غير جحا. نعم اسم جديد.. عربي، ولعل الإجابة على سؤال: لماذا عربى إجابته باتت سهلة لمن يدرك العلاقة الوطيدة بين الثقافة العربية والثقافة السواحلية بشكل عام، وبالثقافة السواحلية الشعبية بشكل خاص. تلك العلاقة التى تولدت بسبب الاحتكاك التجارى بين العرب والسواحليين الذين اتخذوا السواحل الأفريقية مقرا للتبادل التجارى الذى كان يتم بينهم وبين العرب، حيث يأتيهم العرب محملين بالأقمشة والثياب والمنتجات الهندية والعربية مقابل التوابل الأفريقية الساحرة، فاختلطت اللغة السواحلية باللغة العربية حتى إنها أصبحت أكثر اللغات التى أثرت فى اللغة السواحلية، هذا التبادل لم يكن تجاريا فقط بل تبادل ثقافى ومعرفي، فذهب «جحا» بحكاياته ونوادره مع الأقمشة والثياب إلى السواحل الأفريقية خاصة المدن التى كانت موجودة على طول سواحل كينيا وتنزانيا. لكن كيف أصبح جحا «أبو نواس»؟ وإذا كان هذا سؤال بلا إجابة مباشرة فيما ورد إلينا من ثقافتهم، فإنه يتطلب استشفاف الإجابة من الحكايات والملابسات التاريخية التى تجعل الإجابة تخمينا مقبولا. فى عام1832 الميلادى دخل السيد «سعيد بن سلطان»، وحكم زنجبار باسم سلطان عمان، وهو ما جعل الدولة الجديدة التى يحكمها عربى مكانا خصبا لشيوع العادات والتقاليد، ومناخا ملائما لانتشار الحكى الشعبى بصبغة أفريقية متضافرة مع الثقافة العربية التى أضحت من مكوناتها، واطلاقها اسم «أبو نواس» على شخصية جحا؛ لأنها ثقافة تعرف السلطان العربى وحكايات البلاط ومكانة الشاعر الذى لا يفارق البلاط. ذلك البلاط الذى يجعل الشاعر فى الوجدان الشعبى الذى لا يخشى البلاط ماكرا أو مخادعا أو حكيما أو مغفلا برضاه، لتعلن الثقافة السواحيلية أنها أصبحت مدربة على الإشارة إلى الحاكم العربى ب «هارون الرشيد» مثلا وإلى جحا ب «أبو نواس»، فالسواحليون يعرفون العرب من التجارة اقتصاديا، ويتعايشون مع العرب الحكام والوافدين اجتماعيا، كما استعانوا فى الحكاية الواحدة بذكر أكثر من عملة، فمرة يستخدمون الدينار، ومرة الروبية، ثم البيسا داخل الحكاية الواحدة، غير عابئين لا بوحدة العملة ولا اسم الشخصية ولا لقب الحاكم، فالمهم عندهم جوهر الحكاية، ما تقوله، وما يؤلونه. ولم تختلف حكايات «أبو نواس» عن نوادر جحا وحكاياته كثيرا، فبعض الحكايات كما هي، تشبه حكايات جحا فى مصر أو بغداد أو تركيا وحتى الصين، مثل الحكاية الشهيرة التى اقترض فيها جحا اناء للطهى من جاره، وحين رده إليه رده مع إناء صغير وأخبره أن الإناء ولد، فصفق الجار الطماع فرحا بالإناء الصغير الجديد، وحين أراد جحا أن يقترض إناءً كبيرا فى مرة أخرى لم يتردد الجار فى إقراضه لجحا، ولما تأخر جحا كثيرا عن رد الإناء لصاحبه ذهب الجار ليطالب بالإناء، فأخبره جحا أن الإناء قد مات، وعندما لم يصدق الجار كلام جحا وهاج وماج، تعجب منه جحا قائلا: صدقتنى عندما أخبرتك ان الإناء ولد إناءً صغيراً، فلماذا لا تصدق الآن أن الذى يلد يموت ؟! لكن هل اكتفى السواحليون بنقل الحكاية وتبديل الأسماء والألقاب والعملات فقط دون ذكر جحا صراحة فى ثقافتهم الشعبية؟ الحقيقة لا.. فهم يستخدمون كلمة «جحا Juha» كاسم وصفة، وتستمد صفة مدلولها اللغوى من مدلولها الثقافي، فهى تعنى البسيط / الساذج/ الأحمق/ الجاهل، وهى مدلولات قدمتها فى كثير من الأحيان إن لم يكن أغلبها حكايات جحا، ويقدم كتاب «حكايات أبو نواس وقصص أخري» «hekaya za Abu Nuwas na hadithi nyingine» عدة أمثلة من الحكايات التى تحمل عناوين بصفات جحا مثل الحمق، ولا تخلو القصص من طرافة ومفارقات ساذجة منها مثلا: «حكاية سيدتان حمقاوتان» «kisa cha majuha wawili» و«حكاية الحمقى الثلاثة» «kisa cha majuha watatu» لتؤكد الثقافة الشعبية بذلك انصهار التجارب الإنسانية وعبورها عبر الحس والشفاهية لترسخ الخبرات البشرية التى لا تأبه بحدود جغرافية أو لغوية أو سياسية، وإنما تنحاز فقط للوعى الإنسانى وثقافته التى ستظل تستوعب كل ما هو شائع لتقدمه بكل خصائص التفرد وجمالياته.