نجحت ثورة الشعب الليبي في التخلص من أقدم نظام ديكتاتوري في العالم, لكنها لم تنجح حتي الآن في تأسيس دولة تجمع كل أطيافه في بوتقة واحدة, وغرقت في مستنقع الاشتباكات القبلية والثأر المتبادل والخلافات العاصفة والانتشار الرهيب للسلاح. والحل الوحيد هو تطبيق منظومة المصارحة والمصالحة علي غرار ماجري في جنوب أفريقيا عند سقوط نظام الفصل العنصري هناك, عندما جري في عام1993 باقتراح من الزعيم نيلسون مانديلا تأسيس لجنة المصالحة الوطنية برئاسة القس ديزموند توتو الحائز علي جائزة نوبل للسلام. وتركز عمل اللجنة باختصار علي الاستماع للمتهمين بارتكاب جرائم في العهد السابق واتخاذ قرار بالعفو أو عدمه عنهم, بشرط الاعتراف بكل الحقيقة وأن تكون الجريمة وقعت في سياق تحقيق هدف سياسي, وقد نجحت هذه اللجنة في إعادة الترابط الوطني دون إهدار حقوق ضحايا النظام السابق, أو حرمان المسئولين السابقين من فرصة إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع. وقد جرت عدة محاولات في ليبيا خلال الأشهر الأخيرة في هذا السياق, كان آخرها تشكيل هيئة لتقصي الحقائق والمصالحة من خمسة مستشارين متقاعدين, قاموا بأداء اليمين القانونية أمام المجلس الانتقالي بطرابلس أمس الأول. ولكن الحقيقة أن تجربة جنوب أفريقيا أوضحت أن وجود تعاون دولي ودعم من دول الجوار كان من الأسباب الأساسية لنجاح تجربة المصالحة. وتعقيدات الوضع الليبي الحالي تستلزم أن يكون للجامعة العربية ودول الجوار والأطراف الفاعلة علي الساحة الليبية دور أساسي في هذا الأمر حتي ينجح. فالمطلوب الآن مصالحة وطنية شاملة, ليس لها أجندات سياسية خاصة, لرأب الصدع بين كل الليبيين, ليتفرغ الجميع من أجل بناء المستقبل. [email protected] المزيد من أعمدة فتحي محمود