القارة الأفريقية على مرمى البصر، مكملة لبعضها في الأحلام والرؤى، وهي بحاجة دائما إلى زائر محب، وصبور، مثل الباحث السوداني «محمد مهارون كافي»، وكتابه المتميز « الكُجورُ » عن دور « العرافة الأفريقية في جبال النوبة». و«الكُجورُ » كلمة روحية تستخدم عند قبائل جبال النوبة، وقبائل السودان ذات الثقافة الأفريقية، ولفظ معروف لدى كل السودانيين مأخوذ من جبال النوبة الشرقية من الفعل «كُج» أي «تعلق»، وبمعنى آخر «العابد المتفقه». و«الكُجورُ» في الواقع «الوسيط الروحي»، أو الشخص الذي تقمصته الأرواح وتعلقت به، وهو ليس فرداً، بل القوة العظمى التي تنظم حياة الأفراد في جبال النوبة، وثمة اعتقاد جماعي في تراث النوبة الشعبي، مرتبط ب «الكُجورا» أو «العرَّافة الأفريقية». ولا يستطيع الإنسان أن يكون «كُجورُا» من تلقاء نفسه، فلابد أن يُعمِّده «كُجورا» أكبر بعد أن تظهر عليه الدلالات، وهي أحلام معينة، وشعور بالخوف من شر محيق به، أو تصيبه أعراض الصرع، وبكاء مرير وهلوسة، حتى يظنه الناس مجنونا، ويتنبأ بأحداث تقع فعلا، وإذا اكتملت هذه الدلالات لا يعتبر الشخص «كُجورُا »، بل يصبح فقط جاهزا لاختياره، وبمضي الزمن تتكشف الأعراض، ويتحدث من خلال «الكُجورا» ( الروح )، فيعترف الناس به ويحتفلون بتنصيبه «كُجورُا ». ثم يسترشدون به. وهناك ال «كُجورُا » الأكبر « Kumier كوير» على درجة الرهبنة، لا تفارقه الروح المتقمصة، وتفتح فمه وتقفله دون أن يعي ما يقوله، فيما يسمونه «حديث الروح الموجه»، ويخاف الناس «الكجورا » كما يحترمونه، حتى لا يؤذيهم إذا غضب، ولا يقربون زوجاته، ومن أهم أعماله تنظيم حياة المجتمع، وعليه أن يحافظ على حياته، وأن «يكجر» للشفاء ونزول المطر. والعادات بجنوب الجبال تسمى «أسبار»، ومفردها «سبر»، ومنها جلد الصبية عند بلوغهم سن الثالثة عشرة بسوط السعف على ظهورهم، وبمجرد انتهاء المراسم ينتقل الصبي إلى طور الرجولة، وفي السن نفسه تحبس الفتاة داخل حجرة لثلاثة أشهر تبدأ من فبراير وتسمى فترة «الحجر»، درءاً لقوى الشر، وبعدها تكون البنت آمنة، ومؤهلة للزواج، أو المضي في طور الأنوثة بسلام، وهناك أيضا عادة «القصد»، أي الوشم، وهو دلالة على عدم الخوف، ووقاية من الأمراض. وليس ل «الكُجورا» دور في السبر «الاقتصادي»، فالأرض تمثل ركيزة الوجود والاقتصاد القبلي، ولكل مرحلة من الزراعة طقوسها الخاصة، منذ بدء نظافة الزرع، فالحرس، والحصاد وحمل المحصول إلى الأسواق، ولكل منها طقوس وأغان كثيرة، وهناك طقس «التغير» أي «طلب العون الذاتي»، أو «الجهد الشعبي»، أي مساعدة الفرد أو الجماعة الصغيرة غير القادرة على إكمال عملها دون أجر، وتأتي من تلقاء نفسها. وهذه الدراسة الجيدة عن «مجتمع جبال النوبة» في السودان الأفريقي ضرورية لمعرفة طلاسم حياة سكان هذه الجبال وكيفية التعامل معها ولحفظ تاريخها من الضياع.