من هو الشهيد؟ أفاض كثيرون في محاولة الإجابة عن هذا السؤال، وتعددت إجاباتهم، حتى بات كثيرون في حيرة من أمره. وإذ اكتنف المصطلح ضباب كبير، نتيجة ما ثار حوله من جدل؛ فقد صار تناول هذا الموضوع من الأهمية بمكان؛ لبيان حقيقته، عبر تناول "أصولي"؛ يستند إلى كتاب الله، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وعمل الصحابة، وآثار السلف، وإجماع الأمة. ولا شك أن تناول الموضوع، بهذه الصورة، يمكن أن يعين على فهم الواقع، ومواجهة تحدياته: القائمة، والماثلة. وردت لفظة "شهيد"، مفردة، ومثناة، ومجموعة، في سور القرآن الكريم، خمسا وخمسين مرة. الشهيد - في المصطلح الشرعي - هو من قُتل في سبيل الله، صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر؛ لتكون "كلمة الله" هي العليا. يقول تعالى: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ".(التوبة:111). ويربط القرآن الكريم "القتل في سبيل الله" بالصورة المقابلة له، وهي "الحياة"، ويجعل القتل للذين يُقتلون في سبيل الله "حياة متجددة" لهم، ويضعهم في صورة أكرم من تلك التي هم عليها في الدنيا، إذ يتمتعون ب"الحياة الكاملة" في الآخرة. يقول تعالى: "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ". (آل عمران:165). ويقول تعالى: "وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ"(البقرة: 154). قيل: إنهم أحياء غير أموات، فلا تبك عليهم عين، ولا يحزن من أجلهم قلب، وكيف تدمع العيون، وتحزن القلوب؛ على من كان في أفراح دائمة، ومسرات لا تنقطع؟ ومن القرآن الكريم إلى الحديث النبوي. فقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الشهادة والشهداء، نقتطف منها هذا الحديث، الذي أخرجه البخاري، في أبواب عدة، من كتاب الإيمان والجهاد، وغيرها، من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه. فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ". إن "النبوة" منزلة لا تعدلها منزلة، وبرغم ذلك يتمنى النبي، صلى الله عليه وسلم، "الشهادة". إذا رأى "الميت" الكرامة والعزة، والراحة والسكون، بعد الموت، فإنه لا يريد الرجوع إلى الدنيا.. أما الشهيد فإنه يتمنى العودة، ثم الشهادة، ثم العودة، ثم الشهادة؛ لما يرى من منزلته في الجنة، والحياة الطيبة عند الله، والرزق الكريم إلى جواره، ومنحه حق الشفاعة، على أن "تُقتل في سبيل الله، صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر". [email protected] لمزيد من مقالات عبدالرحمن سعد