فوجئت بيد أعرف وزنها جيدا تستوقفني, عندما أردت أن أتسلل خارجا من باب الشقة.بعد فاصل من التأنيب والتوبيخ من صاحبة اليد الكريمة, وبدلا من الخروج إلي المقهي, مكثت في البيت, ولزمت الكنبة والصمت معا, وتابعت ما يقدمه التليفزيون, وزوجتي العزيزة تنتقل من قناة لأخري كل خمس دقائق, مسرحيات, اعلانات, شوهات, أفلامات, حتي غلبني النعاس. اللهم اجعله خيرا رأيتني في مجلس كبير, علي مقهي واسع, في ميدان فسيح. بجواري أحد أصدقائي, وحولنا الناس كثيرون, والكل في صمت وانتباه, ماعدا واحد فقط, فمه كبير, وصوته عال, يحكي حكايات ويلقي بالنكات, وكلما صمت انفجر الحاضرون بالضحك, حتي اذا صمتوا حكي حكاية أونكتة جديدة. سألت صديقي: مين ده يا خليل ؟ وطي صوتك ؟ ليه ؟ ده شيخ النكتة والقافية... ملك الفكاهة والظرف وهوه المعلم هنا! معلم ايه وظرف ايه... احنا فين ؟! احنا في قهوة الظرفاء, وكل اللي انت شايفهم دول مجتمعين بربطة المعلم اللي انت سامعه ده. سألت باستنكار: أي ظرفاء ؟ أجابني: كل واحد من هؤلاء حاصل علي لقب ظريف. يا سلام! ايوه, وفيه نائب ظريف, ومساعد ظريف.. يااه! والمعلم ده هوه اللي بيمنح الألقاب دي.. لفت حديثنا المعلم, فأشار الي اثنين من الظرفاء بجواره, فنهضا, وسار أحدهما حتي جاء ورفعني, ثم ألقي بي تحت قدمي المعلم, الذي نظر إلي باحتقار, وسألني باستنكار: - بتعمل ايه هنا يا زفت انت وصاحبك ده ؟! لم أدر ماذا أقول, واختلطت لدي مشاعر الخوف بالاستغراب. أمسك المعلم برقبتي حتي كدت اختنق, ثم صرخ في قائلا: - سمعنا حكاية ظريفة أونكتة حلوة, والا بالشلوت, انت فاهم طبعا! الحقيقة خفت, وجلست صامتا, لا أعرف ماذا أقول, فصرخ سيد الظرفاء في وجهي مرة أخري: سمعنا سمعت الرعد. طيب, طيب, كان يا ما كان, كان فيه واحد صعيدي ماشي في الصحرا, وتاه, بص كده حواليه لقي مصباح علاء الدين.. عاجلني المعلم بلطمة علي رأسي, ففقدت النطق, ولزمت الصمت لفترة, فقال صارخا: جدد يا بني آدم, جدد واختصر. طيب, طيب, مرة واحد فلاح ماشي في الصحرا تاه, بص حواليه لقي محرات علاء الدين.. انطلق صوته كالرعد: محرات.. ها ها.. غيرها يا ظريف.. غيرها. والحقيقة وقتها لم اتذكر غيرها, فاجتهدت واستأنفت الكلام: طيب, مرة واحد عجلاتي ماشي في الصحرا تاه, بص حواليه لقي منفاخ علاء الدين.. انفتح فم المعلم حتي صار كالكهف, وأخذ يضحك برزالة, ثم صرخ في: - يابني غيرها.. غيرها. اجتهدت واستجمعت نفسي, وقلت له: - طيب.. مرة واحد نجار ماشي في الصحرا تاه, بص حواليه لقي منشار علاء الدين.. وهنا نفد صبر المعلم, ورأيته يبتسم في استهزاء كديناصور, ثم صرخ في من حوله: - خدوه, ارموه بعيد, قبل ما اخنقه بايدي. وقبل أن يتم كلامه كنت طائرا في الهواء علي بعد أكثر من عشرين مترا. وقبل أن أسقط علي الأرض لمحت صديقي أيضا يتطاير في الهواء وهو يصرخ: - ماعرفوش. ومن قوة الركلات صرخت من شدة الألم ووقعت من علي الكنبة, وبمساعدة اليد الكريمة التي أعرف وزنها نهضت, ومشيت من سكات الي السرير..