كان هذا فى نهاية خمسينيات القرن الماضى عندما بدأت تطل «الأهرام» على القارئ بصفحة جديدة تواكب التجديد الكبير الذى تم فى الجريدة بعد تولى مسئولية رئاستها الأستاذ محمد حسنين هيكل. كانت هذه الصفحة تقريبا هى اليومية التى تطالع القارئ بأخبار المجتمع والثقافة والفنون ولم يكن منافسا لها فى هذا التوقيت إلا صفحة «أخبار الناس» فى «الأخبار» التى بدأها أبونضارة، ثم مجلة «الكواكب» التى تصدر عن دار الهلال متضمنة أخبار الفن والفنانين. ومن هنا كانت أهمية هذه الصفحة التى بدأها الراحل كمال الملاخ وتحتفظ حتى اليوم أى بعد نصف قرن باسمها وهو من غير عنوان بنفس خط يده وكان هناك قبلها جزء صغير للفن يكتبه الناقد عثمان العنتبلي. فى هذا التوقيت بدأت رحلة مع الصحافة التى لم أكن أفكر فى أن أعمل بها خاصة وقد التحقت بكلية الحقوق خصيصا من أجل أن أعمل بالمحاماة متأثرة فى هذا بالراحلة الكريمة مفيدة عبدالرحمن من أشهر المحاميات ربما فى تاريخ مصر فى تلك الفترة. صديقة لى كانت قد التحقت بالأهرام لتعمل بالمكتبة وقت الرئيس السابق للجريدة الصاوى محمد، هاتفتنى قائلة أن «الأهرام» فى عهده الجديد يريد إضافة المرأة فى قسم التحقيقات وكان كل العاملين فيه من الرجال.. تقدمت وبدأت أحاول أن اتفهم العمل ولكنى وجدته بعيدا تماما عن القانون ولكنه قسم الحوادث، لم استمر به لأكثر من ثلاثة أيام لأجد نفسى معينة فى الصفحة الأخيرة ومعى زميلة من قسم الترجمة وهى الراحلة ليلى القبانى لننضم نحن الاثنان إلى العمل بالصفحة الأخيرة تحت رئاسة الأستاذ كمال الملاخ وكان معه فى هذا الوقت الصحفى القديم بالصفحة جلال الجويلي. كانت بدايتنا نحن الثلاثة فى هذه الصفحة التى كانت كما يسمونها بونبونة «الأهرام». فيها جانب اجتماعى وجانب خاص بنشاط الرأى وجانب عن الفن والفنانين وهو الذى كان له المساحة الأكبر وبدأت هذه الصفحة فى جذب الكثير من القراء لها، خاصة وهى تشكل الغلاف الخارجى للأهرام مواكبا للصفحة الأولى التى تحتل المقدمة. من أوائل الفنانين الذين تردد اسمهم وأخبارهم القليلة جدا فى الصفحة منيرة المهدية التى كانت قد اعتزلت منذ زمن وأيضا صالح عبدالحى وكان بالمثل توقف عن الغناء وبهيجة حافظ وكانت امتنعت عن الإنتاج السينمائي. فى هذا التوقيت كان الصحفى لابد أن يحصل على الخبر من صاحبه شخصيا فالتليفون كان ممنوعا تتصل به ولكن للمتابعة فقط. كنا نزور المسارح ونشهد البروفات وأيضا استوديوهات السينما وغرفة صناعة السينما فى بداياتها ومؤسسة المسرح وهيئة المسرح بعد ذلك ووزارة الارشاد وكان مقرها داخل احدى غرف قصر عابدين قبل بداية وزارة الثقافة عندما كان يحيى حقى قد تم اختياره لرئاسة صفحة الفنون. اتذكر أن كل أصدقائى ومعارفى من الفنانين والكتاب قد بدأت صداقتى معهم فى هذه الفترة لأننى كنت اتنقل من هنا وهناك، والمقابلات الشخصية هى أول من يدعم الصداقات والصداقة الحقيقية. كان لى فى هذا الوقت الكثير من أخبار الفنانين والفنانات والمؤسسات التى ترعى الفنون وكانت لها صدى كبير إذ انها قدمت وعرفت القاريء بالكثير من هؤلاء الفنانين. لكن للحقيقة فان هذه الصفحة حصلت على كثافة القراءة من خلال الأسماء الكبيرة التى كانت قد فرضت اسمها على الساحة الثقافية والفنية والصحفية أمثال أم كلثوم التى كانت الصفحة تهتم بأخبارها وأخبار أغانيها الجديدة ثم حفلاتها الشهرية التى كانت تقام فى مسرح الأزبكية .. القومى حاليا. وعبدالوهاب كان أيضا قد ملأ اسمه الأوساط بعد أغانيه فى الإذاعة وألحانه ثم الألحان والغناء فى الأفلام الستة التى قدمها للسينما وكان مخرجه فيها هو الراحل محمد كريم. أيضا من اهتمامات الصفحة بالكتاب كان هناك طه حسين الذى كانت الصفحة تفرد له أكبر مساحة كل شهر وهو يتحرك ليرأس مجمع اللغة العربية وكان مقره فى الجيزة ومعه شحاتة سكرتيرة الخاص وهو يدفع بالكاتب الكبير على مقعده المتحرك. أيضا كان يوسف وهبى وزكى طليمات وأمينة رزق قد قدموا أنفسهم للجمهور من خلال المسرح والسينما. فريد الأطرش نفس الوضع كان قد شكل اسمه من خلال أفلامه وأغانيه. بعد ذلك كانت مرحلة الاسماء التى كان للصفحة دور فى ابرازها مثل عبدالحليم حافظ ورشدى وكارم محمود وغيرهم من المطربين ومن الممثلين والممثلات ممن يملأون الساحة حاليا.. بعضهم اختفى والبعض مازال يعمل بنفس الحيوية. لكن الواقع هو أن الصفحة ازدانت بكبار الكتاب والفنانين بمن فيهم الفنانون التشكيليون الذين لم يكن لهم موقع صحفى من قبل برغم ادائهم سيف وادهم وانلى وحامد ندا وإنجى أفلاطون وجاذبية سرى متعها الله بالصحة وتحية حليم وغيرهم من أوائل فنانى هذا الفن الرائد لدينا وهو الفن التشكيلي. كان أسلوب الراحل كمال الملاخ يفرض علينا الاختصار فلا تزيد فى الخبر بل يجب كتابة الخبر بصيغة تليغرافية تساعد القاريء على الإلمام قبل ما يقابله فى الصفحة ومنه أيضا تعلمنا كيف نستخرج العنوان من الخبر بحيث يلفت النظر للقارئ. الاهتمام بالصورة كان أيضا من أولويات اهتمام الصفحة الأخيرة لأنه أحد أهم عناصر جذب المتلقي. توفى الراحل رئيس الصفحة ومبدعها، بعد أن وصل إلى السن المناسب لعدم رئاسة القسم فكان اختيار رئيس تحرير الأهرام لى من بعده لاستكمال المسيرة وكان للملاخ حتى وفاته عمود يكتبه أسبوعيا باسمه كما كان لى نفس الوضع. استمريت فى أداء هذه المهمة على مدى 14عاما وكان معى من الزملاء.. ليلى القبانى وقد رحلت منذ عدة سنوات وغادة شهبندر وأيضا توفيت ومصطفى النجار ثم أسامة عبدالعزيز وأحمد البرى وسمير شحاتة وأشرف عبدالمنعم وأشرف مفيد وجميعا هم الآن فى مراكز القيادة فى «الأهرام». شهدت الصفحة الأخيرة الكثير من الأخبار بالغة الأهمية فى الوسط منها زواج الفنان يوسف شعبان من ابنة الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق وامبراطورة إيران السابقة، وأذكر أن يوسف شعبان جاء لى وهو فى منتهى الفرح ليبلغنى بأنه قد رزق بابنته التى سماها سيناء وذلك بعد حرب 73 التى استعدنا فيها سيناء. أيضا انفردت الصفحة بزفاف الملك فهد ملك السعودية الراحل، وكان وقتها الأمير فهد من المصرية صافيناز نور وكان الحفل أو الفرح فى فيلا نور بمصر الجديدة. الكثير من الانفرادات حفلت بها الصفحة بما فيها أخبار الزواج والطلاق وأذكر زواج الفنانة مديحة يسرى من أحد كبار طائفة الشاذلية. قضيت سنوات لا أستطيع ابعاد القلق عنى إذا ما فاتنى خبر جاءت به مثلا «الأخبار» فى أخبار الناس التى كان يرأسها الراحل نبيل عصمت وهو أحد زملائى فى كلية الحقوق. لم يكن لدى أى من وسائل الاتصال الحديثة.. بما كان يصعب على أن ارسل الخبر أو تغطية مهرجان دون العودة إلى «الأهرام» قسم التصوير وبعد تغيير الطبعة أذهب مرة أخرى إلى الجريدة لمتابعة المهرجان. بالطبع كان زواج عمر الشريف من فاتن حمامة له وقع عند القراء وكذلك زواج سعاد حسنى من على بدرخان ابن المخرج الكبير أحمد بدرخان. من أوائل اهتماماتى أيضا كانت بداية أكاديمية الفنون التى اقامها ثروت عكاشة وزير الثقافة الراحل بعد أن كان لدينا فقط معهد للمسرح.. ضمت الأكاديمية أول معهد للباليه ومعهد الكونسرفتوار للموسيقى الكلاسيكى ومعهد ال الفنى ومعهد السينما الذى كان أول مدير له الفنان الكبير الراحل محمد كريم. تخرج من الأكاديمية أوائل عازفينا مثل رمزى يس وحسن شرارة ومصطفى ناجى ومن الباليه كان الأوائل ماجدة صالح وعبدالمنعم كامل ومايا سليم وعلية عبدالرازق وكانت صورهم تحتل مساحات كثيرة من الصفحة. أيضا شهدت الصفحة أول فرقة للفنون الشعبية، وهى فرقة رضا ثم الفرقة القومية للفنون الشعبية التى دربها الفنان الروسى مازن. كما شهدت الصفحة أيضا بناء مسرح البالون ومسرح الطليعة ومسرح الجيب ومسرح السامر.. كما شهدت بداية قصور الثقافة الجماهيرية ومن أهم الأحداث الثقافية كان افتتاح دار الأوبرا المصرية الجديدة. بالطبع تاريخ طويل يصعب معه ألا أكون قد نسيت جهدا ما أو فنانا أو فنانة أو أى مؤسسة، فنصف قرن يصعب على أن أضمها أو أقدمها فى هذه المساحة حتى وان طالت.