جمعتنا صداقة طويلة عميقة تلاقينا فيها على موائد المودة والطعام والكلام، لكن قلمه عندى كان له دوماً مذاق خاص يكبلنى لأتابع كل ما يكتبه فى الأدب والفن والحياة.. الأديب الكبير الراحل إدوار الخراط الذى رحل عنا هذا الأسبوع لتطوى صفحة نبض الحياة ويفتح كتاب أجمل الذكريات.. إدوار فارس الكلمة التى يُعتِّقها فى رحيق التراث، ويبخرها بأريج التمر حنة، ويغزلها على نول الأحاسيس، ويجعل لها ملمساً يدغدغ، وعطرًا يشرنق، وقلباً يعشق، وشجناً يحلق، وحضناً يضم، وشفاهاً تَلثم، وعيوناً تسافر، وأبعادًا تكشف، وجمرة نار لاتنطفئ مشحونة بطاقة الوجد المتأجج والشوق المتفرد والجموح والجنوح والشموخ والرضوخ، والتعقل واللامعقول، والسجية الطفولية السمحة، والمقرنصات الرجالية المتصخرة. ليس الأديب وحده فيه الذى قادنى خلف إبداعاته عندما كتب لى ولكم «ترابها زعفران» و«أضلاع الصحراء» و«لامة والتنين» و»مخلوقات الأشواق الطائرة» و«الزمن الآخر« و«يقين العطش» و«حيطان عالية» و«ساعات الكبرياء» و..و ولا هو صاحب أشهر الدراسات فى عالم نجيب محفوظ، وأندريه موروا، وشولوخوف وهيمنجواى ولورد بيرون، ولا هو مترجم »الحرب والسلام» لتولستوى، ولا الخراط ناقد الفن التشكيلى الذى كان يحرص كل رسام فى مصر أن يقدمه فى كتالوج معرضه وينقده فى الجرنال، ولا الخراط الذى حرصت على ندواته وانتقاءاته من العالمية للعربية فى عالم الشِعر والمسرحية والمقال والرواية والقصة القصيرة، ولا هو المثقف الموسوعى عميق الاطلاع داعم كل موهبة تبشر بإبداع حقيقى على أرض الوطن... إنه كل هذا مجتمعاً فى مثقف مصرى شارك فى الحركة الوطنية الثورية فى الإسكندرية عام 1946 كما اعتقل فى مايو 1948، وتنقل بين معتقلى أبوقير والطور، وكان حاله كحال غالبية المبدعين الذين أخرج المعتقل أجمل ما بداخلهم من ذخيرة عطاء أدبى وفنى كامن فى الأدراج السرية والنفسية، وعمل فى منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية مع الكاتب يوسف السباعى ليكتشف بحس الجواهرجى كنوز الأدب والشعر الآسيوى والافريقي، لينقلها لنا عبر عبارته الماسية، وكان مولده فى مركز إخميم بسوهاج لينتقل مع أسرته فى سن مبكرة للعيش فى »غيط العنب« الحى الشعبى بجوار ترعة المحمودية بالإسكندرية.. صاحب الستين كتابا الحائز على جائزة النيل للآداب عام 2014 الذى شاء لى قدرى الجميل الاقتراب منه إلى حد الصداقة، وتلقى أحدث ما تخرجه المطابع من كلماته مكرماً بإهداءاته.. و..من بعد قراءتى لرباعيات الإسكندرية لمؤلفها لورانس داريل وظنى أن لا أحد قد عشقها مثله يهدينى الخراط معزوفته «ترابها زعفران» لينافس بها لورنس عندما يقرظ بنات اسكندرية وغيدها الحسان: »بنات اسكندرية وبحر اسكندرية غوايات قائمة لا تنتهى ومحبات لا تبيد.. كيف لى أن أقاومها«... ثلاثى عشق الإسكندرية من بعد لورانس الفنان محمود سعيد، والمخرج يوسف شاهين، وكاتبنا إدوار الخراط.. ريشة الفنان أبدعت فى رسم لوحات بنات بحرى وفاتنات المالح بالملاية اللف والمنديل بأوية والبشرة السمراء فى ذوب العسل، وكاميرا المخرج اخترقت علاقة الغرام بين ابن الإسكندرية ومهد نشأته لتتعرف على جواب للسؤال »اسكندرية ليه؟!«، ويأتى قلم كاتب الإسكندرية لتغنى كلمات السطور »يا بنات اسكندرية مشيكم على البحر غيّة.. تلبسوا الشاهى بتللى والشفايف سكرية«. وتتصيد عدسة المبدع إدوار الخراط لقطات فى لوحة المالح فيغرق فى التفاصيل: «كان البحر فسيحاً. مراكب الصيد الصغيرة بأشرعتها الضيقة تهتز على الموج الذى يكاد يكون مسطحاً، وداكن الزرقة.. رأيت الصيادين بالصديرى واللباس الاسكندرانى واسع الطيّات يبسطون شباكهم وينفضونها من السردين فيتتابع ويصطدم ويرتطم بخبطات طرية دسمة ويسقط على الكومة الفضية التى ترتعد مازالت بالحياة فى قاع المركب، وينحنى الصيادون ويلقون بالسمكات الصغار إلى البحر، والأولاد بأجسامهم المحروقة يسبحون حول المراكب، منهم العراة تماماً ومنهم من اكتفى باللباس المنهدل الذى يكاد ينزلق من على وسطه. يغوصون برءوسهم أولا، ويخرجون على الفور وفى أيديهم السمكات التى تضطرب وتتملص وتتلوى وتنزلق، فيرمونها فى أكياس مرتجلة من الخيش الغامق المبلول يشرّ منها الماء كلما خرجوا يشقون سطح البحر.. والنوارس الرمادية الضخمة تنقض فجأة من علٍ وتخطف صيدها من المراكب، ومن أيدى الأولاد. صدورهم المخسوفة يلمع جلدها مشدودا على العِظام الناتئة، ترتفع وتنخفض باستمرار، وتحلق النوارس ظافرة صاعدة فى خط مستقيم، وهى تنعق مهددة غاضبة أو خائفة«. ولا يتوقف بحر الغزل عند الخراط فى معشوقته الاسكندرية بأسلوبه الخاص جدًا، وتشبيهاته التى لا شبيه لها ممتزجة بتراث اللغة القبطية القديمة والمأثورات العربية: »عرّشت أشواق عشقى فى مدينتى العظمى الاسكندرية. الثغر المحروس. الميناء الذهبية رؤيا ذى القرنين وصنيعة سوستراتوس المهندس العظيم ولؤلوة (قلبطة) وهى كيلوباترا عند إدوار الخراط... الغانية الأبدية. المدنية الساطعة المرخمة التى لا تحتاج بالليل إلى نور لفرط بياض رخامها. أكاديمية أرشميدس وأراتوسنيس الفيلسوف والشاعرين أيولنيوس وفاليما خوس. عاصمة القداسة والفجور معاً. أرض القديس مرقص والقديس أنانيوس. مدينة البطاركة. مدينة المراتع والمحارس والمدارس والمسارح والجنان. ذات العماد. ذات الأربعة آلاف حمام. الأربعة آلاف ملهى. الأربعة آلاف بقال. عروس البحر الدفاق من القلزم إلى بحر الزقاق. جامعة المزارات من سيدى المرسى أبى العباس وسيدى أبى الدردار إلى سيدى الشاطبى وسيدى جابر وسيدى كريم رضوان الله عليهم أجمعين. ذات الشوارع الفساح وعقائد البنيان الصحاح. جليلة المقدار رائعة المغنى شامخة الكبرياء ياسكندرية يا شمس طفولتى وعطش صباى ومعاشق الشباب». وتعاود الذكرى الخراط حول رمضان فى الاسكندرية مع طفولته: «كان صوت الشيخ محمد رفعت يترقرق من صناديق الراديو الكبيرة ذات العين الواسعة المميزة، فى الدكاكين والمقاهى والبيوت المفتوحة الشبابيك قبل مدفع الإفطار، كان صوتاً سلساً وجميلا ومنذرا بحزن من عذابات الخيانات والكفران بالنعيم». وتخترق سطور الواقعية تعابير الوجدانيات والأحاسيس فى مدينة النشأة الإسكندرية، ولا ينسى الخراط مشهدا وهو لم يزل طفلا يعدو خلف خالته سارة مع أطفال العائلة: »نزلنا من ترام محرم بك فى دوران وابور الميّة، بحديقته الصغيرة المعشوشبة يسورها حديد مشغول رقيق وتزدهر فيها دائما ورود ضخمة وحشية اللون.. وقفنا مع أناس قلائل فى البقعة الخالية من المبنى الشاهق، فى نور الصباح اللؤلؤى.. ومرت بنا سيارة الأمير الصغير شاهبور محمد رضا بهلوى، رأيته فى السيارة الباكار السوداء الطويلة، بحاجبيه الكثيفين وشعره المفروق على اليمين فى بذلة عسكرية مقفلة الرقبة فى هذا الصيف، وفى السيارة التى بعدها الأميرة فوزية التى كنت أحبها، قريبة جدا وجميلة جدا بوجهها الطفولى وضفيرتين طويلتين تبتسم عن سن أمامية بارزة، تحيط بهما الموتوسيكلات الرفيعة العجلات، يركبها الكونستبلات الإنجليز أو الملايطة حُمر الوجوه غِلاظ الأجسام، وهى تدور حول المنحنى قادمة من آخر شارع فؤاد تقرقع تحت الأشجار الأثيثة القوية العضلات«. ولا تقتصر ذكريات الخراط على أحداث ضخمة أو شخصيات مهمة أو لمحات تترك على جدران النفس علامات وندوباً، ففى خيط الذكريات أيضاً طرائف يظل المرء يداعب بها نفسه ويرويها كمِلح ونكات وفلفل للذكريات، ومنها ما كان من أمر الخراط وحبيبته التى كان يظنها غادة هيفاء فإذا بها خنشور من صنف الرجال: »منذ أول يوم حضرت الكلية قرأت قائمة الطلبة المقبولين فى السنة الأولى الإعدادية المعلقة على اللوحة.. رأيت اسم (إحسان نصرى) فلم أتردد وسهرت ليلتها أشمر الأكمام لأكتب لها أول خطاب غرامى فى حياتي.. مهذباً جدًا وحريصاً جدًا على مشاعرها ودون أن أوقع باسمى.. كتبت فقط أنها ستعرفني، وأنها مادامت تقرأ الشِعر فإنها تعرف كيف يحب الشُعراء.. فاض قلبى بكتابة الحب وأرسلت الخطاب باسمها على عنوان الكلية.. وبنيت تصورات معقدة وطويلة عن تلقيها للخطاب، وبحثها الخفى عن كاتبه، واهتزاز مشاعرها له، وهامَ بىّ الخيال.. هل تسترق النظر إلىّ؟ هل تعرف أننى هو، ذلك المحب المجهول؟.. كيف يمكن أن يمضى كل هذا الحب عندى دون أن يلقى منها استجابة؟ وحتى ولو لم تكن قد عرفت بالتحديد فهى لا شك تعرف بالحدس، بل بيقين أقوى من كل معرفة.. وما لبثتُ أن عرفت أن (إحسان نصري) هو زميل لنا فى الفصل، عقدت معه بعد ذلك صداقة حريصة، لكنه لم يحكِ قط عن موضوع الخطاب.. وكم سخرت من نفسى وانحنيت عليها بالتمزيق وكم ضحكت الضحك المرير وضحكت على الضحك المرير«.. ويصحو الخراط يوماً ليجد مانشيت »الأهرام« هو سقوط أسرة محمد على وإعلان الجمهورية، وكانت الصفحة الأولى تقول داخل إطار أحمر: «إن الرئيس اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيس الجمهورية المصرية قد أصدر فى الساعة الواحدة من صباح اليوم أول أمر جمهورى بترقية الصاغ أركان حرب عبدالحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة إلى رتبة اللواء، ويتابع إدوار الخراط ما كان فى بر مصر فى ذلك الوقت من أن هناك إعلاناً لشقتين للإيجار تطلان على النيل بجوار حديقة الحيوان، الأولى 4 غرف بإيجار ثمانية جنيهات ونصف، والثانية 5 غرف بإيجار عشرة جنيهات ونصف، وكانت فرقة نجيب الريحانى تقدم مسرحية (ابن مين بسلامته)، وسينما مترو بالإسكندرية تقدم روبرت تايلور وجوان فونتين فى (مغامرات إيفانهو) بالألوان». ويظل الحمام طيور العشق عند إدوارد الخراط يربيه ويرسل على أجنحته الأشواق: «كنت أربيها، على سطح البيت القديم. فى السندرة. فى البلكونة. فى الجانب التحتانى من مكتبتى الصغيرة ذات الرف العلوى والضلفتين الزجاجيتين.. كان منها الأبيض الشاهق متقد البياض، ممتلئ الصدر، عميق الهديل.. ومنها الذى يضرب ريشه إلى زرقة وحمرة متقلبة، مترقرقة، منقاره طويل لكنه صموت كتوم.. ومنها البُنى الناعم، نكهة لونه افريقية ساخنة وله غُنَّة رتيبة الإيقاع.. والأسود المرقّط الذى تسرى فى طوقه المنفوش شُهبة رمادية مائلة إلى البياض، يتخطر بثقل ودلال، وهو ضخم بطىء النغمات.. وكان منها الأملح المنقط خفيف القامة دقيق المنقار طويل السيقان محمر جلدها يتوثب وتطير به النسمة.. ومنها موشى القدمين بزغب صغير يرفرف وحده إذ يهب الهواء.. ومنها نحيل القد مسحوب برى الجسم كأنما شفّه هوى مشبوب.. لكنها جميعها مياه عيونها صافية وعميقة وكأنما فيها غضب نقي، وكان ريشها الصغير يتناثر حولى على الأرض، بين الكتب، تحت الكنبة وفى كل مكان.. كانت تحوم منذ شق الفجر، وتطير، تخبط خشب النافذة وزجاج البلكونة، ثم تطير، ترفرف بحرية وتعود إلىّ فى وقدة الظهيرة فتستكين إلى حماى، وكانت تسبّح بهدوء، موجعة للقلب، فى سماء ليالى القمر.. طارت الآن عنى. هل تعود؟! هل تعود؟! إن بحثى حتى الآن عقيم».. وتمضى السنين الطوال ويترك الخراط مدينة السحر بترابها الزعفران ليسكن القاهرة بشارع أحمد حشمت بالزمالك، وتتسع غرفة المكتب، وتنضو المكتبة الصغيرة عنها رفها العلوى وضلفتيها الزجاجيتين لتتجاور آلاف الكتب فى كل مكان بثلاث لغات كان يقرأ بها صاحبنا ويكتب.. ويهجر هديل الحمام وريش الحمام الكاتب الهُمام، وإن كانت تزوره قبل الغروب حمامة الأيك تحوّد عليه لتلقى السلام، وتُرجف ذيلها مرة وتخبط بجناحيها مرتين وتدور برأسها فى كل الجهات مرات بعجب واستغراب للمُغرم الوله اللاهى على أمل أن يرفع رأس المشيب من فوق أوراقه لينظر نحوها مثل الأيام الغابرة، لتحط على كتفه، وتلتقط الحب من كفّه، ويلقمها رشفة تروى ظمأها.. لكنه ليس هنا وبالمثل لا تعود هى الأخرى هنا! ويطلبنى إدوار الخراط الصديق الأعزّ فى التليفون وتُحضر لىّ الشغالة السماعة، وقد سمعت اسمه محرفاً على أنه الخيّاط فتنقله لى مع التصريف بقولها: «الترزى على التليفون« وجلجلت ضحكات إدوار عندما أجبته بلقبه الجديد على لسانها وقال لي: لابد وأن تكتبيه.. وها أنا أكتب اليوم عن رحيل ترزى العبارة والجملة والقصة والرواية والمقال والبحث والنقد الذى يقوم بتفصيل الكلام الرفيع، ويخيط الجمل الموحيّة فى الثوب القشيب، ويصمم الإبداع كله فى الرؤية الداخلية والخارجية، ويطرز البدايات والنهايات والاستطرادات والتشبيهات وما بين سطور الذكريات بندرة أصداف وفيروز ومرجان بحور أغوار الأدب الرفيع.. رحم الله إدوار الخراط، والدعوة عامة لقراءة أعماله الثرية فى زمن القفر الثقافي.
سمير عطاالله حريصة على قراءته كل صباح حرصى على عودة وعيى ويقظة حسى وتمشيط ذهنى ودخولى من باب الركود إلى ميدان النشاط، وخروجى من ليل الظلام إلى عتبة وضح النهار.. الكاتب اللبنانى سمير عطاالله قائد كتيبة الريادة فى تحويل مسار القراء إلى الصفحة الأخيرة وبعدها إلى عناوين الصفحة الأولى، فعاموده اليومى فى جريدة «الشرق الأوسط» بمثابة نافذة عالمية على ما يحدث فينا وحولنا داخل صياغة أدبية رفيعة المستوى قاربت الانقراض هرعت إليها منذ عام 87 حتى يومنا هذا لأنهل من عطاء عطاالله ابن بيروت المصرى الهوى الذى أحسبه قد فتح عينيه يوم مولده على مئذنة السيدة، ودرس على يد العريف بعقاب الفلقة فى كتّاب الصعيد الجوانى، ونما وترعرع وثرثر تحت هضبة الهرم، وشب عوده بالطربوش فى السعيدية، وحفر داخل قلب مع حبيبته اسميهما على شجرة حديقة الأورمان، وخرج لميدان التحرير يهتف «ارحل» فى 25يناير، وزحف مع جموع عودة الحق فى 30 يونيو، واشترك ضابطا فى القوات الخاصة للدفاع عن سيناء فى حملة حق الشهيد.. الكاتب الذى تأخذ مصر وكرامتها وشعبها وفنها وأدبها وجيشها ونيلها وتاريخها المساحة الأكبر فى زاويته المسافرة دوماً للكتابة أو للكتابة من أجل السفر، ويضرب سمير أحد الأمثال بمصريته الأدبية فى استشهاده: «لعل الدكتور مصطفى محمود قد غاب وهو يعرف مدى الأفضال التى تركها على فقراء المسجد الذى بناه وحمل اسمه، لكنه لم يعرف بفضله علىّ يوم كنت أقرأه قبل أن أدخل المهنة وأحلم بأننى سوف أقلده ذات يوم، لكن مصطفى محمود كان أغنى من أن يُقلد وأعلم من أن يُجارى». من أجل عطاالله لا ألقى بالجريدة بعد قراءتها ومن أجله حرصت دوما على وضع القلم بجوار النظارة إذا ما خلوت إليه لأضع خطوطا تحت سطورا له منها: ابنَت اليد المصرية معجزات البناء. عشرة آلاف عامل بنوا هرم خوفو و120ألفا ماتوا فى شق قناة السويس، ويد هائلة بنت أباالهول، وأياد جميلة بنت الإسكندرية، واليوم يد آثمة تطلق النار كل يوم على ضابط أمن أو على جندى فى سيناء«.. و»الويل للشعوب والبلدان الخالية من الصبر وآهات يطولك يا روح«.. و»لكل سياسة فى الأمم ثمن وجدوى.. للتراجع ثمن، وللمبادرة ثمن، وكلاهما شديد الكُلفة«.. و»قبل أربعين عاما لم تكن الصين شيئا، بلد من مليار إنسان يرتدون بذلة واحدة نساء ورجالا، ويعيشون على الأرز ويقرأون صحيفة (الشعب) التى لا تنشر سوى المادة التى ترسل إليها من (وكالة أنباء الصين الجديدة) هل تصدق ماذا حدث عندما خفض (اليوان) قبل أسابيع وشعر العالم أن الركود يدق أبواب الصين؟ جميع شركات السيارات الفاخرة: مرسيدس، بى إم دبليو، أودى، رينج روفر، جميع مصانع الأجبان الفرنسية. جميع مداخن السلمون النرويجى. جميع مسالخ الغنم النيوزيلندى. جميع دور الأزياء الفرنسية. جميع هذا الجمع يتأثر مباشرة بالركود الصينى. جميع هذه المصانع خفضت سرعة إنتاجها، ولقد نسى العالم قاعدة قروية بسيطة وعبقرية فى سذاجتها: كل طلعة قبالتها نزلة!!«.. و»عندما تقرأ نصوص الخلافات بين بعض الزعماء العرب تلاحظ أنه ليست هناك لغة سياسية. هناك هجمات ومبارزات وشخصانيات. وهناك تربُص. وهناك عنصريات فلاحية مضحكة فى ميزان التاريخ، وفوق كل ذلك هناك (الأنا). الرجل الذى لا يناقش. نصفق له إذا انتصر وإذا هُزم. وأما مسألة من يترك من ضحايا فى شعبه، فقد حلها الرئيس السورى السابق الفريق أمين الحافظ فى قوله (نساؤنا حبّالات ولاّدات) كأنما أبناء الناس مجرد هوام عنده«.. و»ما هى البيئة؟ كلمة لا معنى لها فى العالم العربي. ترف لا أهمية له، لا هى سيادية ولا فخاماتية ولا وجاهات ولا مواكب. وفجأة اكتشف اللبنانيون الغارقون فى التلوث، أن البيئة هى الحياة، وأن إهمال وزارة البيئة كل هذه السنين أوصلهم إلى وقت وضعهم أمام جدار جديد: النفايات. وسرعان ما تحول العجز فى جمع النفايات إلى أزمة فى وجه وزارة الداخلية والدفاع وجميع الوزارات السيادية الأخرى. وفى وجه الدولة برمتها.. أفقنا فإذا البيئة ليست وزارة غير سيادية لا يريدها أحد، بل هى تقريبا كل شىء«.. و»لك دائما حرية إطفاء التليفزيون والاستعانة بأسرع ريموت كونترول، لكن هذا يحل مشكلتك وليس مشكلة الإعلام!!«. ..ويصبح لى كامل العُذر فى استعارتى قولى السابق عن أستاذى أنيس منصور: »قريت أنيس النهاردة«، لأهديه مع خالص الإعجاب والتقدير للكاتب الكبير سمير عطاالله.. «قريت سمير النهاردة»..
يوميات موْتى!! الرجل المدفوع به وله يكتب بالقلم الموتور وبصريح العبارة المعوجة أنه (يأمل بالعودة إلى أوضاع ما قبل 25 يناير 2011، ولا يرى أن يظل دكتوره أو معلمه محمد البرادعى يتحدث من خارج مصر، وأن العلاقات المصرية مع العواصم الكبرى ليست على المستوى المطلوب وأن.. وأن..الكبت فى بلدنا أصبح لا يُطاق ولن يستمر طويلا) ذلك الكبت الذى لم يقف حائلا أمام نشر كتابته لتلك السموم ويخشى صاحبنا وأبدًا لم يكن بصاحبنا وليس سوى تعبير مجازى أن يكون الانفجار القادم على حجم المأساة!!.... مأساة مين يابا؟!!! وانفجار إيه اللى انت جاى تقول عليه؟!!.. إن مأساتنا الحقيقية وجود أمثالك من الموَجَهين بفتح الواو والجيم بالريموت للنفخ فى تلك الموجة الموجهة من اللغط الأسود قبل قدوم ذكرى ثورة يناير، وكلما اقتراب الموعد ارتفع معدل اللوثة لخلق مناخ دخيل من الاستياء العام، ولكن الوعى المصرى العام الذى أدرك من بعد ثورة 30 يونيو ألاعيب محركى دمى مسرح البرادعى قد قام من بعد الكشف عن هويتهم بتشفيرهم وبمواراتهم التراب، وتمت عملية الدفن بجدارة، وتم طلوع القرافة عليهم دون تفريق سميط الرحمة على أرواحهم أو قراءة آى ذكر الحكيم.. وما تهرتل به دوائر مجاذيب البرادعى الآن فقط من قبيل يوميات موتى..! لمزيد من مقالات سناء البيسى