غرفة المنشآت السياحية: غلق المطاعم 9 مساء يهدد سياحة السهر ويضغط على إيرادات القطاع    رئيس القومي لحقوق الإنسان: قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني    ترامب يحث الدول على الذهاب إلى مضيق هرمز والسيطرة على النفط بنفسها    رسائل السيسي ل بوتين: يبرز ضرورة خفض التصعيد الراهن بمنطقة الشرق الأوسط.. ويؤكد دعم مصر الكامل لأمن الدول العربية ورفضها التام للمساس باستقرارها وسيادتها تحت أي ذريعة    نابولي يصدر بيانا ناريا بعد موقف لوكاكو    اعترفا بارتكاب 33 واقعة نصب.. ضبط شخصين كونا عصابة للاستيلاء على أموال المواطنين    تأجيل محاكمة المتهمين بقتل مهندس بورسعيد إلى شهر أبريل المقبل    وزير الأوقاف: مصر تمتلك تاريخا عظيما وعجائب لا تنقضي في خدمة القرآن الكريم وشتى العلوم    أحمد حلمي: رواية غواية تطرح خيانة الروح كطريق للتحرر الوجودي    التأمين الصحي الشامل: 7.4 مليار جنيه إجمالي التكلفة المالية للخدمات الطبية المقدمة ببورسعيد    إسبانيا تعلن عن طرح دفعة إضافية من تذاكر مباراة مصر    خلال ساعات.. كيف تحسم ال6 مقاعد المتبقية في كأس العالم 2026    مصدر بالزمالك: بروتوكول طبي صارم يحدد عودة المصابين للملاعب وشيكو بانزا يغيب أسبوعين    إنفانتينو ينصح إيران بالمشاركة في كأس العالم    الرئيس السيسي: "إكسون موبيل" أحد الشركاء الاستراتيجيين لمصر بقطاع الطاقة    مقترح برلماني بتخفيض غرامات الأرز وزيادة الرقعة المزروعة    عاجل- خريطة سقوط الأمطار في القاهرة والمحافظات يومي الأربعاء والخميس    إخماد حريق في منطقة شارع أغورمي بسيوة دون خسائر فى الأرواح    إصابة 10 تلاميذ في تصادم ميكروباص أجرة وسيارة مرافق بطريق المنيا الزراعي    السيسي ل«بوتين»: مستعدون لدعم تسوية الأزمة الروسية الأوكرانية سياسيًا    جيش الاحتلال يجدد إنذاره بإخلاء 7 أحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت    أتوبيس الفن الجميل يصطحب الأطفال في جولة تثقيفية داخل قصر البارون    رئيس البنك المركزي التركي: مبادلات الذهب خيار طبيعي وتعزز الاستقرار المالي    وزير الصحة يترأس اجتماعا لمراجعة الحساب الختامي لموازنة 2024-2025    محافظ الدقهلية ومساعد وزير العدل يفتتحان مكتب الشهر العقاري بقرية بدواي    غرفة القاهرة: استهداف مصانع الحديد والصلب في إيران لم يأتِ عشوائيا    صافرات الإنذار تدوي في مناطق بوسط إسرائيل بعد رصد هجوم صاروخي باليستي جديد من إيران    قرار عاجل من وزير العدل لضبط الأسعار في الأسواق    "الوطنية للإعلام" تنعى الكاتبة والباحثة الكبيرة هالة مصطفي: نموذج للجدية والانضباط    متحدث "الأوقاف": التوعية بتأثير الألعاب الإلكترونية على سلوك الطفل أولولية ب"صحح مفاهيمك"    خلال اتصال هاتفي مع بوتين.. السيسي يشدد على ضرورة خفض التصعيد بالشرق الأوسط    نص أقوال عامل متهم بالتحرش بطفلة داخل مصعد في الهرم    الجيش الإسرائيلي: جاهزون لمواصلة ضرب إيران لأسابيع    «الصحة» تستقدم 4 خبراء دوليين لإجراء جراحات متقدمة وتدريب الكوادر الطبية    "برشامة" يواصل تصدره إيرادات أفلام عيد الفطر المبارك    «ومن الودي ما قتل!».. هزائم ودية تطيح بمدربين.. والجوهري الأشهر    طالب يعتدي على عامل بسلاح أبيض داخل مدرسة وتحرك رسمي من تعليم الشرقية    قرار جديد ضد لص الشقق السكنية بالبساتين    وفاة الدكتورة هالة مصطفى أستاذ العلوم السياسية    الصحة تحذر: الإنفلونزا تتغير سنويًا والتطعيم هو الحل    السكك الحديدية: تراجع تأخيرات القطارات اليوم لاستقرار الأحوال الجوية    نقابة المهن التمثيلية تتمنى الشفاء العاجل للإعلامي عمرو الليثي    "الصرف الصحي بالإسكندرية": رفع درجة الاستعداد للتعامل مع موجة الأمطار المتوقعة    وزير البترول يبحث مع "يونايتد إنرجي" خطط الإنتاج بالصحراء الغربية    المغرب يواجه باراجواي وديًا في إطار التحضير لكأس العالم 2026    مصر في اختبار قوي أمام إسبانيا ومواجهة حاسمة للتأهل للمونديال.. تعرف على أبرز مباريات اليوم 31 مارس 2026    اللجنة العليا للمسؤولية الطبية تُعزّز الوعي المجتمعي والمهني بقانون المسؤولية الطبية من داخل كلية طب الأزهر    جيش الاحتلال الاسرائيلي يعلن مقتل 4 من جنوده وإصابة 2 آخرين خلال معارك جنوبي لبنان    شركة المياه تحسم الجدل حول تلوث مياه الشرب    د.حماد عبدالله يكتب: (اللى مالوش كبير، يشترى له كبير) !!    زياد بهاء الدين: ارتفاع النفط ل 115 دولارا يضر بالاقتصاد الأمريكي.. ومكاسب روسيا من الحرب لن تدوم    محافظ الفيوم يواصل جولاته الليلية لمتابعة الالتزام بمواعيد غلق المحال    بالتزامن مع العيد القومي.. مطرانية المنيا تنظم الملتقى العلمي السادس بعنوان "المنيا.. أجيال من الصمود"    مئوية يوسف شاهين تفتتح حوار السينما والفكر في مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية    دعاء الفجر.. أدعية خاصة لطلب الرزق وتفريج الهم    الأزهر يواصل حملة «وعي».. الرد على شبهة الاكتفاء بالقرآن وإنكار حجية السنة    الأوقاف عن الإرهابى عبد الونيس: مفيش إرهاب نهايته نصر.. نهايته دايما ندم    الإفتاء: لا تقتلوا الحيوانات الضالة.. الحل في الرحمة لا القسوة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تركيا.. أوهام الإمبراطورية وغباء السعى للأزمة

منذ اشتعال الأزمة بين تركيا وروسيا وما كشفت عنه بشأن العلاقات الوثيقة بين تركيا الأردوغانية والجماعات الإرهابية، أصبح من الضروري إعادة النظر في خريطة العلاقات مع دول الجوار الآسيوية. ومن الصعب الحديث عن موقف جمعي للبلدان العربية إزاء دولتي الجوار الآسيوي الكبيرتين إيران وتركيا. فبعض الدول العربية تقبع في خندق واحد مع تركيا في دعم التطرف والإرهاب ومحاولة تحطيم دول عربية أخرى، والبعض الآخر يكافح الإرهاب بجدية ويبذل قصارى جهده للحفاظ على كيان ووحدة كل دولة عربية. وتختلف المواقف أيضا إزاء إيران بين دول متحالفة معها بصورة وثيقة، وأخرى تراها عدوة وثالثة تحاول تقييم مواقفها ودورها بصورة حذرة أو موضوعية.
والحقيقة أن الجارتين الكبيرتين للوطن العربي إيران وتركيا تعدان عنصرين فاعلين بالإيجاب أو بالسلب في التطورات التي تجري في بلدان هذا الوطن. وبقدر ما يثير دور كل منهما وعلاقاتهما مع الدول العربية الكثير من الجدل بقدر ما يبدو من المهم تقييم حالة ومواقف ودور وعلاقات الدولتين بدول الإقليم العربي وبقضاياه الرئيسية.
وهناك الكثير من العناصر الإيجابية والمصالح المتبادلة التي يمكن البناء عليها في أي تطور إيجابي للعلاقات بين بلدان المنطقة العربية والجارتين الآسيويتين الكبيرتين. ورغم أن العلاقات يمكن ان تمضي وتتطور رغم وجود العديد من القضايا المعلقة، فإن بعض تلك القضايا وبالتحديد الموقف من الجماعات الإرهابية يصعب المضي بالعلاقات في ظل تناقضات المواقف بشأنها. وهذه الصعوبة تنبع من الطبيعة المصيرية للحظة الراهنة حيث تحاول تلك الجماعات خلالها تدمير وحدة وكيان العديد من الدول العربية.
وتعد قضايا الخلافات الحدودية واحدة من القضايا الكبيرة المعلقة بين العديد من البلدان العربية وكل من إيران وتركيا. وتلك القضايا هي الذرائع والأورام الخبيثة التي تركها العهد الاستدماري وامبراطوريات الشر التي كانت تحتل المنطقة والتي وضعت الحدود الجغرافية بين دولها بصورة كفيلة بتوليد المشاكل تلقائيا.
وفى هذا الشأن هناك جزر الإمارات العربية المتحدة التى تحتلها إيران بنفس المنطق الاستحواذى لشاه إيران السابق. وهناك نزاعات الحدود مع العراق فى شط العرب والتى لن يلغيها وجود نظام وثيق الصلة بإيران على رأس الحكم فى بغداد فى الوقت الراهن. وهناك وضع الأقلية العربية فى منطقة الأهواز أو عربستان. أما تركيا فإنها تحتل لواء الإسكندرونة السورى من عهد الاستدمار العثمانى الدنىء والأكثر انحطاطا بين كل المحتلين والمغتصبين الذين مروا بخرابهم على المنطقة العربية.
وقبل تناول الوضع فى أى من الدولتين والعلاقات العربية المتباينة مع كل منهما، لابد من الإشارة إلى أن هناك فروقا هائلة بينهما، سواء فى خريطة التحالفات الدولية والعلاقات العربية أو الموقف من إرهاب «داعش» و«النصرة» وغيرهما من التنظيمات الإرهابية الدنيئة حيث تقف تركيا الأردوغانية فى قلب الداعمين لهذا الإرهاب، بينما تقف إيران فى الجانب الآخر وتعد داعما رئيسيا لوحدة الدولة السورية وهدفا للإرهابيين. وسوف يقتصر التناول فى هذا المقال على تركيا ليتم تناول إيران وعلاقاتها بالعرب فى مقال قادم بإذن الله...
تركيا الأردوغانية وهلاوس السيطرة ولو بالإرهاب
منذ بدء الحرب الإرهابية ضد الدولة السورية وما تضمنته من جمع قطعان الإرهابيين من كل مكان فى العالم وتمويلهم وتسليحهم لتدمير الدولة، أعطت تركيا لنفسها الحق فى استباحة المجال الجوى والأراضى السورية. وتصورت تركيا الأردوغانية أن تفتيت الدولة السورية مسألة أسابيع أو شهور على أقصى تقدير وأن وجودها على الأرض يضمن لها صوتا حاسما وحصة مهمة لدى تقسيم أشلاء الدولة. وعندما خاب سعيها مع صمود الجيش العربى السورى واستخدام روسيا حق النقض (الفيتو) لمنع تكرار السيناريو الليبى فى سورية، بدأت أحلام الامبراطورية العثمانية الجديدة تتهاوى.
ومع سقوط نظام التطرف الدينى الإخوانى فى مصر خسرت تركيا الأردوغانية حليفها وحلمها الغبى فى إعادة بعث الدولة العثمانية الرثة أصلا فى طبعتها الأولى. ومع سقوط الحلم الكبير بدأت تركيا تبحث عن تحقيق بعض المصالح الانتهازية الدنيئة من الحرب الإرهابية فى سورية. وكان استيراد النفط السورى الذى تسرقه «داعش» و«النصرة» وأخواتهما من التنظيمات الإرهابية بأسعار بالغة التدنى آلية رئيسية لذلك الاستغلال الانتهازي.
وهذا الأمر لم يكن بحاجة للإعلان الروسى عن اكتشاف ذلك مؤخرا، وأن نجل أردوغان نفسه صاحب مصلحة خاصة فى هذا الشأن خاصة مع نشر صوره مع شركائه الداعشيين. وبصورة بديهية تعتبر المساحات التى تمدد فيها ما يسمى «بتنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام» «داعش» منطقة داخلية اى لا تملك حدودا بحرية. لذا فإن تصدير النفط السورى والعراقى المسروق يحتاج للمرور من إحدى الدول المجاورة لتلك المنطقة التى تحتلها التنظيمات الإرهابية. ولأن «داعش» فى عداء مع العراق وسورية وإيران فإن المنفذ الوحيد الباقى هو تركيا الأردوغانية المستوردة للنفط.
ولأن طائرات الولايات المتحدة التى ادعت أنها تقصف »داعش« لأكثر من عام وربع كانت تجوب السماء السورية، فإنها تعلم علم اليقين عبر طائراتها، فضلا عن أقمارها الصناعية وعملائها، أن تركيا هى من يتاجر لتنظيم داعش بالنفط السورى والعراقى المسروق. والتغطية الأمريكية على هذا الأمر طبيعية لأن الولايات المتحدة نفسها أسقطت الأسلحة الأمريكية على «داعش» ب «الخطأ» المتكرر و«البرىء». كما أن عمليات القصف التى كانت تقوم بها لم تتسم بأى جدية لأنها ببساطة أرادت استخدام ذلك التنظيم فى تدمير الدولة السورية قبل الانقضاض عليها بعد ذلك.
ووفقا لقواعد اللعبة فإن المتاجرين الانتهازيين بالسلع المسروقة يشترونها بنصف الثمن على أقصى تقدير، وبالتالى يحققون أرباحا خيالية من تلك التجارة السوداء، وهذا هو حال تركيا الأردوغانية فى الاتجار بالنفط السورى والعراقى الذى تسرقه «داعش» ويسوقه من خلالهم.
وهذا الأمر يكشف كم النفاق الذى أصيبت به غالبية الدول العشرين التى تملك أكبر اقتصادات العالم عندما اجتمعت فى تركيا فى جدول أعمال تتصدره قضية مكافحة الإرهاب. لقد عقدت القمة فى البلد الذى يمر منه خط الحياة لداعش فى قمة من المفترض أن تكافح الإرهاب وعلى رأسه تنظيم «داعش»!! وكان الرئيس الروسى محقا فى قوله إن القمة ضمت بعضا ممن يدعمون ويمولون إرهاب «داعش».
ويعيش تنظيم «داعش» أيضا من نهب وبيع آثار الحضارات العراقية والسورية العظيمة والتى تمر أيضا عبر تركيا ليشتريها أثرياء الغرب. وهى تباع لأثرياء الغرب لأن الكثيرين من أثرياء المنطقة لا علاقة لهم بالفنون والآثار التى يعتبرها المتطرفون التكفيريون من الوهابيين والقطبيين منهم ضمن الأمور المحرمة. أما المدد البشرى للتنظيمات الإرهابية مثل «داعش» و«النصرة» من غير السوريين والعراقيين فإنه يأتى من كل بلدان العالم الموردة لهم ليدخل سورية والعراق عبر تركيا، لأنه ببساطة لا يمكنه الدخول من خلال المعابر العدائية فى سورية والعراق وإيران. وكل الشواهد تؤكد العلاقة الوثيقة بين تركيا والمجموعات الإرهابية التى تعيث خرابا فى سورية.

حادث الطائرة وتداعياته الاقتصادية المرة على تركيا
قبل يومين من إسقاط تركيا للقاذفة الروسية، احتجت تركيا على مهاجمة الطائرات الروسية لعصابات المسلحين التركمان فى سورية حيث إنهم مرتبطون بها. وكان ذلك غطاء للاحتقان الأعظم بسبب تدمير القاذفات الروسية لنحو 500 شاحنة نفطية كبيرة كانت تنقل النفط السورى الذى سرقه داعش الذى لا وجهة له سوى تركيا. فقد اضيرت المصالح التركية الملوثة بالدم واللصوصية. وربما لا تكون مصالح عامة للدولة التركية بقدر ما هى مصالح للعصابة الحاكمة.
وفور وقوع الحادث لجأت تركيا لحلف شمال الأطلنطى للاحتماء به من أى غضبة روسية. وكانت تصريحات أردوغان نارية وتتسم بالصلف فى البداية. وأكد أن إسقاط الطائرة جاء دفاعا عن السيادة التركية بعد اختراق الطائرة لأجواء بلاده لمدة 17 ثانية حسب ادعائه. لكن روسيا احتفظت لنفسها بحق الرد وقتما تشاء. كما أوقفت الاتصالات العسكرية مع تركيا وعززت قواتها التى تدعم سورية بأسلحة بالغة التقدم سواء على متن الطراد «موسكو»، أو صواريخ الدفاع الجوى والصاروخى إس 400. وهذا الصاروخ مرتبط بنظام يرصد الأهداف على بعد أكثر من 600 كيلومتر، ويدمر الأهداف على بعد 400 كيلومتر، وسرعته 3 أميال فى الثانية أى 10800 ميل فى الساعة وهو الأكثر تطورا فى العالم.
كما اتخذت روسيا إجراءات اقتصادية عقابية موجعة. وتضمنت تلك الإجراءات العقابية فرض قيود على استيراد بعض السلع التركية، ووقف رحلات الطيران التجارى بين الدولتين، ودعوة الشركات السياحية الروسية لعدم تنظيم رحلات سياحية روسية لتركيا، ودعوة المواطنين الروس فى تركيا للعودة إلى بلادهم، وعدم تشغيل عمالة تركية فى الشركات الروسية من بداية العام المقبل، وتعليق العمل بنظام دخول الأتراك لروسيا بدون تأشيرات. كما تضمنت الإجراءات تجميد التعاون الاستثمارى مع تركيا.
وهذه الإجراءات تشكل ضربة اقتصادية قوية لتركيا. ومن بين نحو 38 مليون سائح زاروا تركيا عام 2014 كان هناك قرابة 5 ملايين روسي. وبلغ إنفاقهم قرابة 5 مليارات دولار تعادل نحو 15% من الإيرادات السياحية التركية. أما على صعيد التجارة فإن روسيا هى ثانى أهم شريك تجارى لتركيا. وبلغت قيمة الصادرات التركية لروسيا نحو 7 مليارات دولار عام 2013، بما جعل السوق الروسية فى المرتبة الرابعة بين أهم مستوردى السلع التركية بعد ألمانيا والعراق وبريطانيا. وفى جانب الواردات تأتى روسيا فى مقدمة الدول المصدرة للسلع لتركيا، حيث استوردت تركيا منها بما قيمته 25.1 مليار دولار عام 2013. ومشكلة تركيا فى هذه التجارة أن صادراتها لروسيا من الفواكه والخضر والسلع الصناعية يمكن للأخيرة ان تتحول عنها إلى الاستيراد من بلدان أخرى مثل الصين والهند وبلدان الشرق الأقصى ومصر، فى حين أن وارداتها من روسيا المتركزة فى النفط والغاز يصعب التحول عنها خاصة أن القرب الجغرافى يجعل تكلفة نقلها والتأمين عليها محدودة وهى ميزة كبيرة لتركيا.
ومشكلة تركيا الأكثر تعقيدا أن دخولها فى توتر غير محسوب مع روسيا سيخفض السياحة الأجنبية من البلدان الأخرى إليها باعتبارها منطقة توتر. كما أن الانخفاض المرجح لإيراداتها من النقد الأجنبى يأتى فى وقت تعانى فيه من عجز كبير فى ميزان الحساب الجارى بلغ نحو 5.8% من الناتج المحلى الإجمالى لتركيا عام 2014. وسوف يبلغ نحو 4.5% فى عام 2015 حسب تقديرات صندوق النقد الدولى فى تقريره عن آفاق الاقتصاد العالمى الصادر فى اكتوبر الماضي. كما أن ديونها الخارجية وصلت حسب بياناتها الرسمية المدرجة فى تقرير البنك الدولى عن مؤشرات التنمية فى العالم إلى نحو 388 مليار دولار تعادل نحو 48% من الناتج القومى الإجمالى التركى فى عام 2013. ولأغراض المقارنة فإن مصر رغم زيادة ديونها الخارجية فى السنوات الماضية، فإنها بلغت حسب نفس المصدر نحو 44.4 مليار دولار شكلت نحو 16.7% من الناتج القومى الإجمالى لمصر فى العام نفسه.
وعندما أدركت تركيا حجم الخسارة الكبيرة التى يمكن أن توقعها بها الإجراءات الروسية، بدأت تصريحات أردوغان فى التراجع بصورة مزرية. وزاد من وطأة الأمر أن طائراته لم يعد مسموحا لها بانتهاك الأجواء السورية، ولو فعلت ذلك ستصبح صيدا سهلا للصواريخ والمقاتلات الروسية. كما ركزت روسيا ضرباتها على مناطق تمركز عصابات «داعش» و«النصرة» و«التركمان» قرب الحدود السورية -التركية، ولم تعد تركيا بقادرة على حماية حلفائها الإرهابيين او إمدادهم بالأسلحة أو شراء مسروقاتهم من النفط السوري. وبدأ تراجع أردوغان بتصريح مثير للسخرية بأن الجيش التركى لم يعلم أن الطائرة التى استهدفها هى طائرة روسية!! ثم صرح بعد ذلك بأنه يتمنى لو أن هذه الحادثة لم تقع أصلا، وأنه يأمل فى لقاء الرئيس الروسى فى قمة المناخ فى فرنسا، وهو ما لم تستجب له موسكو حتى الآن. ثم صرح بأنه يأسف لوقوع الحدث، وهو الأسف الذى لم يف بمطلب روسيا بالاعتذار التركى الرسمى الصريح لها.

التوقيت الخطأ لإشعال أزمة

من اللافت حقا أن أردوغان أشعل الأزمة مع روسيا فى توقيت غبى كليا من زاوية مصلحة بلاده. وتعانى تركيا حاليا من تصاعد التوتر العرقى بين الدولة القومية التركية المتشددة تجاه الأقليات، والقومية الكردية الكبيرة التى تبلغ أكثر من ربع عدد السكان. وقد تصاعدت تلك التوترات على نحو خاص بعد التفجير الذى استهدف تظاهرة للأكراد واليسار فى تركيا والتى تم توجيه الاتهام فيها لتنظيم «داعش» المدعوم أصلا من تركيا الأردوغانية. كما تزايدت أسباب التوتر مع اغتيال نقيب المحامين فى ديار بكر معقل القومية الكردية الكبيرة. وفضلا عن التوترات العرقية، فإن التوترات الاجتماعية تتصاعد فى دولة تعانى سوء توزيع الدخل بصورة مروعة. وتشير بيانات البنك الدولى إلى أن نصيب افقر 10% من سكان تركيا من الدخل بلغ 2.2% فقط، مقارنة بنحو 4% فى مصر. وبلغ نصيب أفقر 40% من الأتراك نحو 16.3% من الدخل، مقارنة بنحو 22.3% فى مصر. وبلغ نصيب أغنى 10% من السكان نحو 30.5% من الدخل، مقارنة بنحو 26.6% فى مصر. ورغم أن توزيع الدخل فى مصر يتسم بأنه سيئ وغير عادل فإنه يبدو أفضل كثيرا من نظيره التركي. وهذا يشير إلى ان فترة النمو السريع التى حققتها تركيا قد ذهبت بثمارها للأثرياء دون الفقراء والطبقة الوسطى.
وإذا كان لهذه الأزمة من فائدة، فهى أنها كشفت ما هو معلوم وغير معلن من تحالف تركيا الأردوغانية مع التنظيمات الإرهابية، وهو تحالف لا يبتعد كثيرا عن مواقف مناظرة لقوى إقليمية مناصرة للمجموعات الوهابية والقطبية التكفيرية وترى فى «داعش» آلة يمكن استخدامها لهدم الدولة السورية. ونفس الأمر ينطبق على التحالف الدولى الذى كان «يداعب» داعش، لا يحاربها قبل دخول روسيا لقصفها هى وأخواتها.

تضامن المتطرفين وداعمى الإرهاب

كان لافتا حقيقة أن تنطلق دعوة من المجموعات الدينية المتطرفة فى مصر، وضمنها تنظيم الإخوان لمساندة تركيا بشراء السلع التركية لتعويضها عن خسارة السوق الروسية. وبقدر ما يؤكد ذلك ترابط وتضامن كل مناصرى الإرهاب، فإنه من غير الوارد أن يكون له تأثير يذكر. فخلال الفترة الماضية عانى الشعب المصرى ويلات الإرهاب، مما ولد كرها حقيقيا وعميقا لكل داعميه المحليين والإقليميين والدوليين وضمنهم تركيا الأردوغانية. وهذا الكره ليس موقفا من الدولة بقدر ما هو موقف من الشعب المصرى من المعارضين والمؤيدين على حد سواء، باستثناء تيارات التطرف الدينى والمذهبى المناصرة للإرهاب أو المتورطة فيه.
والحقيقة أن المعركة الكبرى فى مواجهة الإرهاب تجرى على أرض سورية الشقيقة. وقد رفعت الأزمة الروسية-التركية الغطاء بشكل واضح عن داعمى الإرهاب. وعلى كل دول المنطقة وشعوب العالم التى ترغب حقيقة فى مكافحة الإرهاب والتطرف الدينى أن تبنى مواقفها بشكل مستقيم فى هذا الشأن. وعليها أن تقف فى الجانب الصحيح الذى لن يكون ضمن صفوفه تركيا الأردوغانية داعمة الإرهاب، أو القوى الإقليمية التى تقدم الغطاء الأيديولوجى الوهابى والقطبى وتقدم التمويل والتسليح لمجموعات الإرهاب مثل «داعش» وجبهة «النصرة» وباقى المجموعات الإرهابية.
لمزيد من مقالات أحمد السيد النجار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.