أغلب الظن أن سكان مدينة سرت الليبية وربما قريباً بنغازى سيُتركون لمصيرهم وحدهم فى مواجهة الجرائم الوحشية لداعش رغم قرارات مجلس جامعة الدول العربية الأخيرة التى تطالب الدول الأعضاء بمساعدة الحكومة الشرعية الليبية وبوضع استراتيجية عربية مشتركة لمواجهة هذا التنظيم الإرهابي. فلن يتمكن أحد من تنفيذ قرارات المجلس مادامت بقيت الدول الكبرى متقاعسة ولم تتحرك لوقف تمدد داعش،إن لم يكن بتدخل عسكرى برى أو شن ضربات جوية على مواقعه،فعلى الأقل بإلغاء حظر تصدير الأسلحة لجيش الحكومة المعترف بها دولياً. مجلس الجامعة دعا الدول الأعضاء مجتمعين وفرادى لتقديم المساعدة لحكومة طبرق لمكافحة الإرهاب وإرساء الأمن وطالب الأممالمتحدة برفع حظر السلاح عن الجيش الحكومى ليتمكن من التصدى لداعش بناءً على طلب الحكومة المعترف بها دولياً وحث على الإسراع بتشكيل القوة العربية المشتركة المقترحة للغرض نفسه باعتباره أحد أهدافها.لكنه لم يستجب لمطلب الحكومة بالتدخل العسكرى العاجل تنفيذاً لمعاهدة الدفاع العربى المشترك الموقَّعة عام 1950.فهذا التدخل يحتاج إلى موافقة من مجلس الأمن الدولى باعتباره أعلى هيئة حارسة للسلم والأمن الدوليين وهو أمر مستبعد حالياً لاختلاف وجهات نظر أعضائه الدائمين واحتمال استخدام أحدهم مثل روسيا والصين حق الفيتو لإجهاضه لأنهما تعتبران أن مثل تلك التدخلات نتيجتُها عادةً فى غير صالحهما، وهناك أيضاً مَن يرى أن أى تدخل عسكرى إلى جانب حكومة برقة الشرعية سيدفع حكومة طرابلس وحلفاءها إلى الانسحاب من مباحثات السلام فى مراحلها الأخيرة وتصعيد المعارك. أما الدول العربية نفسها فمشغولة بأزمات أخرى أو غير راغبة فى التدخل، فدول الخليج مهمومة بإزاحة كابوس الحوثيين عن شعب اليمن وإعادة السلطة الشرعية إلى صنعاء، وسوريا والعراق استنزفتهما الحرب الأهلية والتنظيمات الإرهابية مثل داعش وليس لديهما ما تقدمانه لليبيا، والسودان استنزفت قواه جماعات التمرد فى دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، والصومال أصبح بلا جيش ولا حتى قوات أمن بالمعنى الحقيقى منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1991 مع استمرار تمرد حركة الشباب،والأردن تقف قواته على خط النار مع داعش سوريا والعراق وتخوض تونس حرباً ضارية مع جماعات التطرف فى جبال الشعانبى بالغرب وعلى الحدود الليبية فى الشرق فى وقت تنشغل فيه موريتانيا بمواجهة الإرهاب القادم إليها من مالى ومن جماعات متطرفة بالداخل.أما الجزائر والمغرب فتعارضان التدخل العسكرى لإتاحة الفرصة لنجاح رعايتهما عملية السلام الليبية وتواجهان أيضاً الجماعات الإرهابية والمتطرفة.وتبقى مصر التى لن تقوم بأى عمل عسكرى منفرد إلا فى إطار عربى جماعى وبموافقة من مجلس الأمن الدولى رغم الخطر البالغ الذى تشكله الفوضى الأمنية فى ليبيا عليها وإن كان هذا لا يمنعها من مساعدة الحكومة الشرعية بكل ما هو مشروع. إلحاح الحكومة الليبية على تدخل عسكرى عربى له ما يبرره بعد أن استفحل داعش وأخذ يتمدد من معقله فى بلدة درنه بالشرق إلى سرت ليتخذ منها نواةً لإقامة إمارة إسلامية ويرسل عشرات من أفراده للسيطرة على بنغازى ثانية أكبر المدن الليبية. فالحكومة لا تملك إلاّ طائرتين خصصت إحداهما لمطاردة داعش فى درنه والأخرى للمساعدة فى الدفاع عن بنغازي.وبعد أن انسحبت ميليشيات فجر ليبيا الموالية للحكومة غير الشرعية من سرت دون سبب مفهوم فى فبراير الماضى سارع داعش للسيطرة عليها ولمّا حاول أبناء قبيلة الفرجان وعناصر إسلامية منافسة إخراجه منها تغلّب عليهم وقتل وصلب العشرات منهم على أعمدة الإنارة واقتحم المحاكم وطرد قضاتها واستبدل بهم أتباعا له ليحكموا بين الناس على هواه!. استفحال داعش وتمدده فى ليبيا سبق أن حذرت مصر منه قبل شهور ودعت إلى تدخل دولى لمنعه ولكن الدول الكبرى تقاعست حتى أصبح استئصاله يحتاج إلى جهود مضاعفة ونفقات باهظة.فبعد أن كان عدد أفراده نحو مائتى فرد فى درنه قبل عام وفقاً لتقديرات المخابرات الأمريكية زاد عددهم إلى عدة آلاف فى سرت ودرنة وبنغازى ومناطق أخرى بالصحراء الليبية الشاسعة يخزِّنون فيها الأسلحة ويتدربون عليها استعداداً للتمدد شرقاً وغرباً لإقامة الإمارة الإسلامية المنشودة دون اعتبار حتى لحكومة طرابلس ذات التوجه الإسلامي. ويستدعى هذا من أطراف الأزمة،خاصةً من برلمان طرابلس وحكومته غير المعترف بهما دولياً،المسارعة بحل الخلافات التى حالت دون الاتفاق على حكومة توافق وطنى خلال فترة انتقالية للوقوف صفاً واحداً فى مواجهة داعش والجماعات المتطرفة الأخري.فقد تعهد الطرفان فى مؤتمر جنيف الأخير بالاتفاق بحلول نهاية أغسطس الحالى لكن خلافات مازالت تمنع الموافقة على مشروع الاتفاق الذى أعدّه وسيط الأممالمتحدة برناردينو ليون بعد أن طالب برلمان طرابلس باستبعاد اللواء خليفة حفتر القائد العام للجيش وبأن تكون للمجلس الأعلى للدولة المقترح سلطة مُلزمة وليست استشارية لأن أتباعه يشكلون ثلثى أعضاء المجلس، فضلاً عن الخلافات حول الشخصيات التى ستتولى المناصب العليا فى الدولة مثل رئيس الحكومة الانتقالية. والسؤال الآن: هل تتنتظر الدول الكبرى أن يُكمل داعش سيطرته على ليبيا ويهدد دول الجوار، بل مصالحها هى نفسها فيها؟. لمزيد من مقالات عطيه عيسوى