محافظ أسيوط: تدريبات الطفولة المبكرة خطوة لتعزيز كفاءة الحضانات ورفع وعي الأسر    وصول بابا الفاتيكان إلى موناكو في زيارة تاريخية    سعر الفرنك السويسري أمام الجنيه في البنوك المصرية اليوم السبت    أسعار الأسمنت في سوق مواد البناء اليوم السبت 28-3-2026    ينطلق الإثنين بحضور السيسي، 5 معلومات عن مؤتمر ومعرض إيجبس 2026    إيران تعلن استهداف سفينة دعم أمريكية قرب ميناء صلالة العماني    سعر الليرة أمام الدولار في مصرف سوريا المركزي (تحديث لحظي)    تعليق الإنتاج في مصنع كبير للصلب في إيران غداة استهدافه    هجوم أمريكي إسرائيلي على جامعة طهران للعلوم والتكنولوجيا    الأهلي يؤكد دعمه لتوروب للحفاظ على حظوظه بالدوري    مصدر بوزارة التضامن: ندرس حالة "أم العاقات"    ضبط 6 أطنان سكر تمويني محظور تداوله في حملة بسوهاج    15 أبريل.. تأجيل محاكمة وفاء مكي بتهمة التعدي علي سيدة بالسب والقذف    حبس ابن لاعب سابق في منتخب مصر بتهمة حيازة مخدر الحشيش بالتجمع    ضبط 5 متهمين جُدد في مشاجرة أودت بحياة شخصين بالشرقية    ب «لوك غريب».. فتحي عبد الوهاب يثير التساؤلات حول عمله الجديد    اليوم انطلاق فاعليات العرض المسرحي حازم حاسم جدًا بقصر ثقافة الإسماعيلية    بعد تخطي ال 30 مليون.. فيلم إيجي بست "قبلة حياة لسينما الشباب"    الأهلي يتراجع عن عودة كامويش لناديه    «سيدات سلة الأهلي» يواجه البنك الأهلي في ربع نهائي الدوري    سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم السبت 28 مارس 2026    وزارة العمل تعلن 160 فرصة عمل بمدينة بدر برواتب تصل ل10 آلاف جنيه    إحالة طالبين بتهمة التحرش والاعتداء على سيدتين بمصر الجديدة للمحاكمة    بعد اتصالات وزير المجالس النيابية، رئيس برلمانية المصري الديمقراطي يتراجع ويشارك باجتماع مدبولي    أسعار الخضراوات والفاكهة اليوم السبت 28 مارس 2026    حريق يضرب جراج سيارات في باغوص بالفيوم.. تفحم 7 دراجات وسيارتين وتروسيكل    جريمة حرب.. مقتل مسعف وإصابة 4 آخرين في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان    الحوثيون يعلنون شنّ أول هجوم على إسرائيل منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط    روسيا تحظر تصدير البنزين لمواجهة تقلبات سوق النفط    تفاصيل جهود فرق التدخل السريع للتعامل مع تداعيات الطقس السيء    90 زيارة ميدانية لوزارة الصحة خلال مارس لمتابعة تطوير 63 منشأة طبية    كيف تصنع الخلافات الأسرية طفلا عدوانيا؟.. أخصائي تعديل سلوك توضح (فيديو)    مواعيد مباريات اليوم السبت 28 مارس 2026 والقنوات الناقلة    أم ال 44.. «ماما أوغندا» هزمت الفقر بماكينة خياطة    طعن جديد أمام القضاء.. هدير عبدالرازق تطالب بالإفراج عنها بعد ثلثي العقوبة    زكريا أبو حرام يكتب: القدوة والتأثير    أيمن بدرة يكتب: مباريات المونديال 4 أشواط    ياسر عبدالحافظ يكتب: دليل المواطن العربي في حروب الانتماء!    سبيل وكتّاب عبدالرحمن كتخدا.. لؤلؤة معمارية تزين شارع المعز    العمى النفسي والذكاء الاصطناعي.. عندما تخدعنا الأجهزة الرقمية    إسلام الكتاتني يكتب: عيد الإخوان المشئوم «1»    ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي يحتفي برموز الفن في احتفالية اليوم العالمي للمسرح    جهود مكثفة لكشف لغز العثور على جثة مجهولة ملقاة على مزلقان البستان بالدقهلية    صلوات مسكونية من أجل الشرق الأوسط.. دعوات للوحدة والسلام وسط الأزمات    اسكواش - رباعي مصري في نصف نهائي بطولة أوبتاسيا    الدفاع الإماراتية: نتعامل حاليًّا مع اعتداءات صاروخية وطائرات مسيرة قادمة من إيران    الأسماك والمكسرات.. أطعمة ومشروبات تساعد طفلك على التفوق الدراسي    تكريم 80 من حفظة القرآن الكريم والنماذج المتميزة في قرية البديني ببني سويف    خبير صلب: رسوم البليت تخدم 3 شركات وتدمر 22 مصنعًا وطنيًا    ليلى عز العرب: "وصية جدو" يبرز دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع الممثلين المحترفين    خبيرة اجتماعية: النزوة قد تصدم الزوجة.. لكنها لا تعني نهاية العلاقة    ليلى عز العرب تكشف تفاصيل مسلسل "وصية جدو"    نقيب الفلاحين: انخفاض أسعار الطماطم 50% خلال 20 يوما    منتخب ألمانيا يهزم سويسرا 4-3 وديا    الأزهر يوضح علامات قبول الصيام وطريق الطاعة المستمرة    بث مباشر الآن | متابعة مباراة المغرب والإكوادور الودية LIVE بجودة عالية    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : حبنا لآل البيت من الإيمان 00!؟    صاحب الفضيلة الشيخ سعد الفقى يكتب عن : الدكتور / السيد عبد الباري الذي اعرفه؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حكاية شعب .. إن أراد فعل
يوميات ابطال على جبهة القتال
نشر في الأهرام اليومي يوم 02 - 08 - 2015

يجلسون فى خيامهم البسيطة على شاطىء القناة الجديدة، يتقاسمون براد شاى فى «الخمسينة» ساعة الراحة، أو يفر بعضهم من حرارة صيف تزيد رمال الصحراء من لهيبها، بالسباحة فى مياه فجرت أياديهم ينابيعها. تملؤهم مشاعر الزهو والفخر بما أنجزوا، يجترون ضاحكين أحاديث قلق ومخاوف البدايات والأيام الصعبة، حين كانت الأرض حولهم رمالا وصخورا، تنتظر سواعدهم لحفرها، فى فترة محسوبة، لتتحول الى مجرى مائى عالمى.
وقد حدث.. حدث بالفعل، تحقق الحلم وتحول إلى واقع، تجلى يوم أن عبرت لأول مرة، ثلاث سفن عملاقة، فى المجرى الملاحى للقناة الجديدة، تلك «القناة الحلم»، التى أنجزت فى الميعاد، بعد أن اعتبر البعض ذلك وقتها ضربا من خيال، ووعدا يستحيل تحقيقه.. لكنهم المصريون الذين إن أرادوا فعلوا.. وقد فعلوا.
عمال ومهندسون ومقاولون، كانوا هم الأكثر فرحا بعد أن تحولت الصحراء بفضل جهودهم إلى واحة أمل وشريان حياة لمصر.
قضوا أياما صعبة وليالى، تغلبوا على قسوتها بالضحكات والسمر، وتسلحوا بالأمل.. اجتمعوا فى الحلوة والمرة.. تعارفوا وتصادقوا وحلموا معا حتى تحقق الحلم.
حكايات وذكريات، سوف تبقى فى ذاكرة التاريخ يرويها رجال، حققوا معجزة مصرية جديدة .. «عاش الرجال اللى قالوا يا مصرنا مفيش محال».

قلنا هنبنى.. وادينا بنينا «القنال».
من أموالنا.. بايد عمالنا.. هكذا كان لسان حال كل من شارك فى اتمام مشروع مصر الكبير.. فيض عظيم من مشاعر الفخر والزهو والعزة تسيطر على المكان.. هنا «خلطة رجال» من محافظات مصر المختلفة.. عمال و فنيون.. مهندسون.. فلاحون وبدو وصعايدة.. يشاركون فى وضع اللمسات الأخيرة.. برصف وتمهيد الطرق حول المجرى الملاحى.. وعمل مراسى السفن والشمندورات.. واستكمال المعديات الجديدة أو الإعداد لسلسلة مشروعات أخرى.. يبدون كالجنود على الجبهة. يتحملون مسئولية الوطن.. ومستعدون دوما للتضحية من أجله.
خيامهم وعششهم البسيطة، كانت شاهدة على أيام الشقاء والتعب، وكثيرا ما أودت بها الرياح والأمطار فى ليالى شتاء ثلجية أو عواصف ترابية، فى مناخ ألهبت شمسه جلودهم.. والآن فإن بعضهم يتابع العمل، بينما يجلس آخرون يروون ذكرياتهم، بعد أن قضوا أياما وليالى طويلة يقاومون التربة الصخرية ويواجهون تقلبات الطبيعة تماما كالجنود على الجبهة.. هدفهم تحقيق الحلم، حلم العبور بمصر للمستقبل.
عاشوا على الحلوة والمرة.. واجهوا الموت أحيانا والكثير من الشائعات، ومحاولات تثبيط الهمم من أناس يكرهون الخير للوطن. كانوا كلما عادوا فى اجازات إلى محافظاتهم يحاول البعض التشكيك فى المشروع و السخرية منه أمامهم وهو ما كان يزيد البعض اصرارا كما يقولون.
صالح عيد يعتبر فرحة دخول أول سفينة المجرى الملاحى كفرحة تحرير سيناء من أيدى الأعداء..
وفى جلسة حكى للذكريات، اجتمع سليمان أبو عيد، ومحمد العيادى ، والشيخ سويلم ابو حماد، وسيد محمد، وعبد النبى عبد الرحيم، و ابراهيم متولى.
من الاسماعيلية و القنطرة والاسكندرية، حكى كل منهم عن الأيام الصعبة، حين كان العمل يبدأ من السادسة صباحا و يستمر لمدة 24 ساعة، فى ظل حرارة تتعدى الخمسين درجة مئوية، هنا فى الصحراء.. رطوبة عالية أو عواصف رملية.. أمطار غزيرة أو ثلوج قاسية.. لكنهم كانوا يقاومون برودة الشتاء بإشعال النار والمشروبات الساخنة.. وجلسات السمر والأغانى.
هدف مشترك
دفء العلاقات الإنسانية والتجمع حول هدف مشترك ووجود القدوة من ضباط وقيادات عسكرية تشارك الجميع بانضباط، كلها عوامل صنعت حالة خاصة وخلقت طاقة جبارة، كونت جميعا واحة حياة فى قلب الصحراء.. أيام حلوة و مرة جمعت آلاف العمال و المهندسين والمقاولين والضباط فى أجواء تبدو كأنها فى مصر أخرى.. رجال تلمع أعينهم بحب الوطن والانتماء له.. يعتبرون مشاركتهم فى حفر القناة وسام شرف يفتخرون به.
ويؤكد أكثر من صوت بينهم أنه على الرغم من أننا نأخذ أجورا ترضينا لكن ما يدعونى لترك أسرتى بالاسابيع والشهور والعمل فى ظل هذه الظروف القاسية هو اصرارى على المشاركة فى تحقيق الانجاز فى موعده و أن يعرف العالم أن ابناء الفراعنة قادرون على صنع المعجزات.
محمد عبده سائق لودر، وكريم ابو بكر سائق على الخلاط، يصفان كيف كانت «الأرض ناشفة والجو نارا فى أول الحفر.. ماكانش حد يتصور اننا نخلص قبل الميعاد».. أما سليمان أبو عيد فيتذكر كيف شاهدوا الموت عن قرب، فيقول ان هناك من ماتوا أمام أعيننا بسبب حوادث السير وصعوبة التربة والتقلبات المناخية فى الصحراء لكننا رغم كل الصعوبات استطعنا انجاز الحلم فى زمن قياسى.
كانت الطبيعة الرملية المختلفة لأرض قناة السويس الجديدة تحديا آخر واجهة عمال القناة حيث تعرضت بعض المعدات للتلف نتيجة انهيار التربة أسفلها وأحيانا لعدم خبرة السائق كانت تحدث انهيارات لتلال الرمال على السيارات النقل ولكن بدون اصابات بشرية، وفى احدى المرات انهار حوض ترسيب بسبب زيادة المياه فيه.
شهور طويلة عمل فيها أبناء الفراعنة ليل نهار، وكافحوا الظروف الصعبة وقاموا تقلبات الطبيعة حتى يتحقق الحلم.
«هى أمنا.. أم واحدة بس»، هكذا يصف محمد العيادى سبب تحمله مشاق العمل هنا قائلا إنها مصر.. ماذا نفعل لو فقدناها؟.. ونحن أبناؤها الذين يجب علينا الحفاظ عليها.. و يضيف: «زمان أجدادنا اشتغلوا بالسخرة فى حفر القناة الأولى أما احنا اشتغلنا بمزاجنا وأخدنا حقنا»، فى حين يرى سليمان أبو عيد من قبائل العيايدة السيناوية أن مشروع مصر خلق حالة حياة جديدة بين بدو المنطقة و فرصا للعمل، ويقول اننا وضعنا كل امكاناتنا لمساندة الجيش فى حماية المنطقة وشاركنا فى كل مراحل العمل والبناء، مشيرا إلى أن كلا يأخذ حقه فى موعده لكن بقدر انتاجه.. أما من يتقاعس فليس له مكان.
صغار يصنعون المستقبل
مراحل عمل كثيرة و طويلة ما بين حفر على الناشف و لوادر و بلدوزرات تحمل وتنقل الرمال إلى مراحل التكريك وأحواض الترسيب و تنظيف القناة، و تسويرها وتدبيشها، ثم عمل المراسى والشمندورات و المعديات.
مراحل عديدة، شارك فيها آلاف العمال ومازال الكثيرون يستكملون بعض اللمسات الأخيرة، حتى الصغار أبوا إلا أن يشاركوا آباءهم فى مشروع المستقبل مثل مصطفى (13 سنة)، الذى صمم على القدوم مع والده المقاول للمشاركة فى أعمال النجارة و الحدادة، فى أثناء صناعة الشمندورة، مشيرا إلى فخره بمشاركته فى العمل التاريخى.
وكما يشتاق العمال للعودة إلى منازلهم ليحكوا لأبنائهم عن قناة السويس، هكذا حال أحمد محمد مسعد (13 سنة)، من مدينة القنطرة، الذى ينتظر متلهفا العودة إلى أصدقائه ومدرسته مع بداية العام الدراسى الجديد ليحكى لهم عن مشاركته فى الأعمال النهائية.. وكذلك مصطفى أحمد سليمان (14 سنة)، والذى جاء مع «عم سيد» جاره بالاسماعيلية، ليعمل فى قناة السويس الجديدة ويقول:" جئت هنا علشان أجيب رزق فى الاجازة لمساعدة اسرتى وبأنفذ أعمال بسيطة زى خلع مسامير ونقل أخشاب صغيرة ومناولة العدة».
ولم يكن أبطال حفر القناة الجديدة بمنأى عن العديد من الشائعات التى تم الترويج لها خلال العام الماضى، لكنهم كانوا شهود عيان على الحقيقة وأصروا على نقلها ..يقول عبده سليمان حمدان: «بعض الجيران كانوا بيقولوا ان القناة دى أصلا محفورة وان الحكومة بتضحك علينا، بس احنا جينا ومكانش فيه نقطة مياه، وحضرنا الحفر على الناشف وبعدين ظهرت المياه».. ويرى أن طريقة ادارة المشروع كانت جيدة جدا وجادة جدا، وأن ذلك أحد الاسباب الرئيسية التى ساهمت فى نجاحه، فأى تقاعس من مقاول كان الرد يأتى فوريا بتكليف آخر بدلا منه.. ويؤكد بحسم أننا نريد أن ترى جميع دول العالم انجاز المصريين.
دينامو المشروع
عمل يواصل الليل بالنهار.. دون اجازات.. مكان يمتلىء دائما بالعمالة.. ومقاولون ومهندسون فى حالة تأهب دائم لتنفيذ «الأوامر العسكرية»، بالانتهاء من العمل فى وقته المحدد، وإلا فالبديل مقاول آخر وشركة أخرى.. الجميع يعمل على قدم وساق.. ويخطفون ساعات النوم والزيارات العائلية .. كيف لا وهم يجدونه دائما بينهم فى أى لحظة يراقب العمل و يبيت معهم فى مواقع العمل.. إنه اللواء كامل الوزير، رئيس أركان الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة والمشرف العام على مشروع حفر القناة الجديدة، و «دينامو المشروع»، كما يصفه الجميع هنا من مقاولين ومهندسين وعمال.. يعرفه الجميع .. ويلجأون إليه فى حالة ظهور أى مشكلة ليتدخل سريعا لحلها.
ورغم قربه من أصغر عامل وحتى أكبر مقاول فى الموقع، إلا أنه لا تهاون لديه فى العمل ولا تسامح مع مقصر.. سنة صعبة من العمل الشاق كما يصف إبراهيم عونى شقيق محمد عونى اللذين قاما بتشغيل 137 سيارة نقل و 62 لودرا.. ويشرح ابراهيم انه لا وقت للراحة أو التهاون فالجميع يحاسب بالانتاج والمواعيد «ميرى».
لقمة هنية وقعدة بدوية
بعد ساعات من العمل الشاق على اللودرات والنقل والميكروباصات والحفارات يجتمع عشرات العمال فى عششهم المبنية من القش فوق أحد التباب المرتفعة التى تطل على القناة الجديدة.
يفترشون الحصير وينتظرون متلهفين أطباق الطعام من صنع يد «عم سعيد»، طباخ الموقع.. ويختلف "منيو" عم سعيد حسب الظروف، ليكون أساسها البطاطس والفول والجبن لكنها تزدان باللحوم مرتين أسبوعيا.. يضحكون ويتسامرون ويتقاسمون لقمة العيش، حلة أرز أو أكواب شاى.. ويقول عم سعيد: «البركة فى المكان ده.. الروح الحلوه تخلى الأكل يكفى ..مش عارف ازاى.. بأجهز حلة أرز واحدة تكفى يادوب أسرة من خمسة أفراد.. لكن هنا بتكفى 40 فردا».
يجمعهم المكان والعمل والهدف الواحد.. يصنعون الصداقات وتذوب الخلافات حتى بين أبناء القبائل المختلفة.. يذوبون فى جلسات سمر ليلية تتشابه مع «القعدة البدوية».
جلسات الصحبة و السمر تفوق أهميتها لدى عرب سيناء أهمية أن يتملك أرضا، كما يقول موسى الزمالوط من بئر العبد بسيناء، مستحضرا أحد أمثالهم: «كوع فى الرمل ولا فدان فى الطين».
هنا يجتمع يوميا عدد كبير من الشباب الذين يعملون فى الموقع ..محمد سليم ..محمد ماهر من المنصورة ..باسم محمد ..سليم محمد سليم احمد سلام من الاسماعيلية.. خيرى جمعه من العريش .
هنا تجمع أهل الشمال مع أهل الجنوب وتكونت صداقات جديدة ومعارف اجتمعت على بذل الجهد والكفاح من اجل لقمة العيش منهم السيد عرفات من كفر الشيخ الحاصل على ليسانس لغة عربية قسم تاريخ والذى لم ينتظر الوظيفة المناسبة لتخصصه، لكنه سعى وراء رزقه حيث ساعده أبناء عمومته للعمل على حفار فى قناة السويس وكان يرفع التربة المشبعه بالمياه من قلب القناة .. ويشرح: «كان أول شهر لى هنا هو الأصعب فى حياتى كلها.. ماكانش لى أى معارف هنا.. وكان الجو حر جدا.. وكان الشغل صعبا لأن الأرض صلبة.. ولكن مع الوقت كونت صداقات ومعارف واتعودت على ظروف الشغل».
ويضيف قائلا انه يحرص يوميا على تصوير شىء جديد فى القناة ليحمله على "الفيسبوك" ولكن هناك البعض لا يريد تصديق الحقيقة مهما كانت واضحة.
أما موسى الزمالوط ، من أوائل المشاركين فى حفر القناة فقد اصيب مؤخرا بكسر فى القدم و لكن ليس بسبب اعمال الحفر لكن بسبب كرة القدم، فمنذ شهر قرر مع زملائه الترفيه عن انفسهم بتكوين فريقين للعب كرة القدم ولكنه أصيب اثناء المبارة.
ويقول اننا لم نجد صعوبة فى الاقامة هنا بالنسبة لنا كعرب وبدو فهذه طبيعة حياتنا ولكن بعض القادمين من الوادى ( بحرى والقاهرة) وجدوا صعوبة فى التأقلم ولكن كنا يدا واحدة و نساعد الجميع حتى ان واحدا من زملائنا كان يخشى النوم على الأرض لظنه أن الصحراء مليئة بالفئران فكنا ننصب له سريرا ونرفعه عن الارض بالأحجار.
ويروى الزمالوط أيضا عن الشائعات التى تعرضوا لها ومن بينها «الهوام» أى الثعبان الضخم بلغة أهل سيناء قائلا اننى تلقيت ذات مرة اتصال من والدتى تحذرنى فيه من الهامات الضخمة التى تنتشر فى القناة والتى يصل طولها لمترين وانهم يرددون انها أكبر من الدبابة فطمأنتها وأكدت لها أننا ليس لدينا «هامات»، ويضيف أننا كنا نتلقى هذه الشائعات بالسخرية والتندر فنحن لم نصادف هذه الخيالات.
ويتذكر ضاحكا سخرية بعض الموالين للجماعات المتشددة من الاخوان وغيرهم وهم يتحدثون عن مشروع القناة قائلين: «خلصتوا حمام السباحة ولا لسه؟!».. ويعلق قائلا انها كانت محاولات لتثبيط الهمم الا أنها كانت لا تزيدنا إلا اصرارا وعزيمة فى كل مرة اعود فيها لمقر عملى بالقناة حتى يكون الرد عليهم عمليا.
وأخيرا.. الحكاية مش حكاية قناة حفرت فى موعدها لكنها حكاية شعب.. رجال مصريون تظهر الشدة معادنهم.. أثبتوا للعالم أنهم قادرون .. كافحوا وواجهوا وأنجزوا.. ووثقوا من خلال صورهم البسيطة حلم مصر وهو يتحقق.. قدموا أدلتهم فى وجه دول يعلمون أن نجاح مصر حسرة لهم.. لكنها ارادة المصريين الذين ان أرادوا فعلوا .. فيحيا الشعب.
«شهادة تقدير».. حلم عم سعيد!
«الأمل البعيد والفجر القريب».. هو الشعار الذى اختاره سعيد الحفناوى على الصفحة التى دشنها على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» لتوثيق مراحل مشروع القناة.
«عم سعيد»، أتى من الاسماعيلية منذ بدايات الحفر وشارك فى العديد من المهام فى مشروع مصر رغم سنوات عمره التى تتعدى الخمسين ورغم صعوبة المناخ .. عمل ككاتب يحصى ما أنجزته السيارات واللوادر و مسئولا عن براميل الغاز ثم طباخا ماهرا لعمال الموقع بعد يوم طويل من العمل الشاق.. ينظم المكان ويجهز الطعام ويلتف حوله الجميع، يداعبونه وينتظرون أكلاته التى يتفنن يوميا فى اعدادها.
يرى أن المصريين كافحوا وأنجزوا وأنهم أعطوا أفضل ما لديهم هنا على أرض المشروع.. فهم لا يُعرفون الا وقت الشدة.
«بذلنا كل الجهد حتى نتمم فرحة مصر.. كنا نعمل بشكل متواصل ولا نعود الى بيوتنا إلا فى زيارات خاطفة.. منا من عاد للموقع يوم خطبته وآخرون تركوا أسرهم وأعمالهم كى يشاركوا فى المشروع القومى.. واليوم اكتمل الفرح وعبرت السفن»
هذه كلمة العاملين فى مشروع مصر الكبير، وهناك من ينتظر منهم المكافأة فى صورة فرصة عمل ثابتة أو شقة يتزوج فيها، وتلك أقل حقوقهم. ويطالب آخرون بحقهم فى التكريم بعد ما أنجزوه لتحقيق المعجزة فى هذا الوقت القياسى، بينما يحلم البعض الآخر بحضور حفل الافتتاح.
أما «عم سعيد»، فكان له حلم أكثر بساطة، حيث يتساءل قائلا.. كيف أثبت لأحفادى أننى شاركت فى معجزة مصر ومشروعها القومى..ألا نستحق بعد كل هذا الشقاء والبذل والتضحية شهادة تقدير وكلمة شكر؟
حلم «عم سعيد» والكثير من أبطال المشروع الذين بذلوا العرق والجهد وتحملوا مشقة العمل والظروف وواجهوا التحديات حتى يساهموا فى عبور مصر للمستقبل، هو فقط.. أن يستطيعوا توثيق عملهم فى هذا الإنجاز للتاريخ.. ولو بشهادة تقدير.. حتى يرووا يوما الحكاية كاملة لأحفادهم.. فهل هذا كثير؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.