لا أحد ينكر دوره فى الحياة السياسية فى مصر، فكرا ورؤية وتحليلا ،ولا أحد ينكر دوره فى لجنة الخمسين لكتابة الدستور، ورئاسته للجنة نظام الحكم فيها. فى حوارنا مع الدكتور عمرو الشوبكى أستاذ العلوم السياسية، نتوقف معه لتقييم الفترة المهمة فى تاريخ مصر، منذ الولادة الجديدة لمصر فى 30 يونيو، لنعرف أهم ما تم إنجازه، وما لم يتم، ولماذا، وما التحديات السياسية التى تواجه مصر فى الداخل، وكيف نتغلب عليها. الأحلام الكبيرة بعد 30 يونيو، أين ذهبت؟ أهم ما فى 30 يونيو، أنها وضعت مصر على أرض الواقع، والبداية الصحيحة، فأحلام المصريين الكبيرة فى الحقيقة ارتبطت بثورتى 25يناير و30 يونيو، لكن حالة 30 يونيو أعادتنا إلى البداية الحقيقية وهى أن مصر بها دولة، ومؤسسات، وأن الشعب المصرى لم يستسلم لفكرة اختطاف دولته وسيطرة فصيل واحد عليها، وبالتالى عدنا إلى نقطة قد تكون بديهية فى مجتمعات كثيرة، ولكنها هنا هامة جدا، وهى عودة الدولة ومؤسساتها، وبرغم أنها بديهية فهى غير موجودة لدى دول كثيرة تجاورنا. هل ترى تقدما على صعيد الرؤية السياسية خلال الفترة الماضية ؟ هناك أسباب عدة، أهمها: حالة من حالات الضعف للأحزاب السياسية، والتجريف السياسى، بدليل أن رئيس الدولة جاء من خارج الأحزاب، ومن قلب الدولة ومؤسساتها، ثانيا، أن النجاحات الاقتصادية قابلها غياب للرؤية السياسية، وهذا انعكس على أشياء عدة، منها التصور لقانون أمثل للانتخابات، تقوية الأحزاب السياسية، وعدم تركها فى حالة الضعف التى تعيشها، والخلافات التى تمزقها. ما الملاحظات السلبية التى ظهرت بعد 30 يونيو، وكيف نعمل على إصلاحها؟ الخطاب، وهو كان موجودا قبل 30 يونيو بسبب وجود الإخوان، ولكن زاد عمقا وحدة بعد ذلك، نتيجة حالة الاستقطاب الموجودة فى المجتمع، ونتيجة الدور الانتقامى للإخوان ، لكن فى المقابل يوجد خطاب إعلامى منفلت، ولا ينبغى أن تحكمه قيود أمنية كما كان قبل ثورة يناير، ولا خطوط حمراء سياسية، ينبغى أن تحكمه قواعد مهنية تنظم عمله، خاصة الفضائيات، وتميز بين حرية النقد وبين السب والقذف والتخوين والتكفير وما إلى ذلك، نحن فى حاجة إلى ترشيد هذا الخطاب بقواعد مهنية، وليس قيودا سياسية، وهى موجودة فى الدستور الحالى من خلال إنشاء الهيئة الوطنية للصحافة والإعلام. ذهب البعض إلى أن شعبية 30 يونيو حدث لها تآكل، ما رأيك، ولماذا؟ نعم، ولكن هو تآكل جزئى، وهذا طبيعى، إذ بعد أى انتفاضة شعبية، أو ثورة تكون الأحلام كبيرة، وأكبر من قدرات المجتمع والنظام السياسى، ومن ثمّ تكون هناك درجة من درجات الإحباط، وبالتالى فإن أى رئيس جديد يأتى فى مجتمع بعد لحظة تغيير كبيرة بعد فترة تحدث حالة من الإحباط، بسبب تخيل الناس أن الرئيس يملك عصا سحرية لتغيير الواقع فى لحظات. ولكن دعنى أؤكد برغم أن التآكل هو وضع طبيعى، إلا إن ذلك لا يبرر أن أخطاء وقعت، منها التجاوزات الأمنية، انتهاكات لحقوق الإنسان، وهناك تجاوزات " مجانية" وأقصد بالمجانية، أنها تجاوزات غير مبررة، مثل ان يختفى شخص أياما عدة ثم نفاجأ بأنه لدى السلطات للتحقيق فى قضية ما، فلماذا إذن كان الاختفاء، كان المطلوب هنا الشفافية، دون إثارة لغط لا مبرر له، وهذا له دور فى التآكل الذى نتحدث عنه. أضف إلى ذلك، من باب التآكل أيضا، أن هناك اهتماما بالمشروعات الكبرى، دون الاهتمام بتفاصيل الحياة اليومية، كإصلاح المؤسسات، والجهاز الإدارى للدولة، والأجهزة الأمنية، وتطوير السلطة القضائية، نحن فى حاجة إلى رؤية إصلاحية لكل مؤسسات الدولة، وهذه المؤسسات هى ما يتعامل معها المواطن بشكل يومى وتسبب له إحباطا يكون له دور فى تآكل شعبية 30 يونيو. وما السبب فى عدم اهتمامنا بوضع رؤية سياسية للدولة طيلة السنتين الماضيتين، وهل الجانب الاقتصادى طغى على الجانب السياسى؟ أرى ذلك صحيحا، لأن تصور القيادة السياسية والرئيس أن الأولوية للمشروع الاقتصادى، وأن مصر مأزومة أزمة اقتصادية كبيرة، وهى فى حاجة إلى إجراء إصلاحات مهمة فى هذا الجانب. برأيك، ماهى أهم التحديات التى تواجه الدولة منذ 30 يونيو؟ استيعاب الشباب، خلق بيئة سياسية تساعد الأحزاب على الحركة والنمو السياسى، قانون انتخابات يعبر عن التنوع الموجود داخل المجتمع المصرى، إدارة سياسية مع مشكلات الجامعات، وضع أسس للحوار السياسى فى المجتمع . فى موضوع الشباب والأحزاب اهتم الرئيس بهاتين القضيتين اهتماما كبيرا، فلماذا لم نر صدى لهذا الاهتمام؟ لأن الموضوع ارتبط كثيرا بالنوايا، وغابت عنه المؤسساتية، والنوايا الطيبة وحدها لا تصلح، فما حدث فى الخمسينيات والستينيات، لاتناسب بالضرورة هذا العصر، مثل منظمة الشباب، فكل نظام سياسى اجتهد وفق ظروف عصره لاستيعاب الشباب، ونحن حتى الآن لم نضع رؤية صحيحة لاستيعابهم، فهل نحن فى حاجة إلى إنشاء مفوضية لهم، أو تأهيل برامج لهم، من أجل تمكينهم، إذ لا يصح تمكينهم ثم تأهيلهم بعد ذلك؟ هل نحن فى حاجة إلى التفكير فى المحليات بحيث تكون طاقة تفتح لهم؟ فهناك 54 ألف مقعد فى المحليات، والدستور نص على وجود 25% منها للشباب، وهذا أمر هام لو قمنا بالاهتمام به، فكل المجتمعات تتطور من خلال المحليات. هذا عن الشباب، فماذا عن الأحزاب، وهل ترى أن الأحزاب تتجاوب مع دعوات الرئيس بالفعل، أم أنها غارقة فى خلافاتها الداخلية؟ ما يحدث فى الأحزاب هو جزء من واقعنا، نحن لدينا ثنائية: القوى السياسية والأحزاب والدولة، فمؤسسات الدولة ليست مؤسسات سويدية، والأحزاب لدينا ليس أحزابا بريطانية، فالأمر فى حاجة إلى شراكة حتى تسير الدولة بشكل صحيح، فلا تكون كل اختيارات المسئولين من قيادات داخل الدولة المصرية، وليس معنى هذا أيضا أن نقول إن الأحزاب السياسية الآن قادرة على تشكيل وزارات، ولكن علينا أن نقوم بعملية دمج بين الاثنين، حتى تتم عملية الشراكة بين الدولة والأحزاب، ومن هنا نكون فى بداية الطريق الصحيح ، وعلينا مع هذه الشراكة بين الدولة والأحزاب أن نقوم بشراكة ثالثة مع الأجيال، فلا يكون هناك خطاب استعلائى يستبعد ما هو فوق الستين لكبر سنه، ويحارب من هو فى سن الثلاثين لصغر سنه، وهو خطاب انتشر بشدة خلال السنوات التى تلت ثورة 25 يناير، ومن ثمّ نحن فى حاجة إلى خطاب سياسى يؤسس لوجود فريق عمل يضم كل الكفاءات بغض النظر عن السن، يضم ما فوق الستين وما قبل الثلاثين وما بينهما بالطبع. من وجهة نظرك، ما اسباب شيوع حديث ونظريات المؤامرة فى مصر خلال الفترة الماضية؟ للأسف، هذا أحد العيوب الواضحة بعد 30 يونيو، فهذا الحديث عن التخوين والمؤامرة وما إلى ذلك كان من أسبابه عدم مناقشة الفكرة، والتفتيش فى النوايا، فكثير من الأفكار المطروحة وراءه نيات طيبة، ولكننا نترك الفكرة ونناقش النيات، وهذا على عكس المجتمعات الأخرى، فهى تناقش الفكرة أولا، ولكن فى مجتمعنا، تنعدم فكرة النقاش العام، وتسود الشتائم والسباب العلنى والتخوين. وهل حديث المؤامرة والتخوين والسباب أدى بالفعل إلى انسحاب العديد من النخبة المصرية المؤيدة ل 30 يونيو؟ بالتأكيد، بل أدى فى جزء كبير منه، إلى عزوف شخصيات من النخبة فى الانتخابات البرلمانية، والعمل السياسى. كنت عضوا فى لجنة الخمسين لكتابة الدستور الذى تتعرض كثير من مواده لانتقادات الآن؟ الدستور فى النهاية فعل بشرى، ولا استطيع الدفاع عن كل الأعضاء، فأنا كاأحد أعضاء اللجنة ( وهذا موجود فى المضبطة) كنت مع نظام رئاسى ديمقراطى، ولكن مع النقاشات مع الأعضاء وصلنا إلى نظام شبه رئاسى، وأرى أن هناك مواد من الممكن تغييرها، ومواد يُعاد النظر فيها، لأنى كما قلت الدستور عمل بشرى، معرض لأن تحدث فيه أخطاء. كنتَ مسئولا عن لجنة نظام الحكم، وهى بدورها تعرضت لانتقادات كثيرة، كالتغول على سلطات الرئيس، وتشكيل الحكومة من البرلمان وغيرها، ما رأيك؟ تشكيل الحكومة، هو حق للرئيس فى المرة الأولى، على أن تكون بموافقة البرلمان، وإذا رفض البرلمان يقوم هو بتشكيل الحكومة، والنص ليس سيئا كما يعتقد البعض، كما أننى اقترحت مادة تقول، إن رئيس الجمهورية هو من يعين أربع وزارات سيادية هى : الدفاع والداخلية والخارجية والعدل، والبرلمان من حقه سحب الثقة من الحكومة، ونحن فى حالة اختبار النظام شبه الرئاسى، فواقعيا الرئيس له سلطات، ولكن لا نريد أن تكون سلطات مطلقة، فالداخلية والدفاع والخارجية هى من سلطات وصلاحيات الرئيس، لكن الأمور الاقتصادية وتفاصيل الحياة اليومية للمواطن هى حق أصيل لرئيس الوزراء. ومن المهم التأكيد هنا، أن تعيين الحكومات حتى فى النظم الرئاسية لابد من موافقة البرلمان، نحن لا نخترع جديدا. فى بيان 3 يوليو، كان البرلمان هو الاستحقاق الثانى، بعد الدستور، ولكن جاءت الانتخابات الرئاسية قبله، ما أسباب عدم وجود برلمان حتى الآن ؟ ليس لدى أدلة يقينية على أسباب عدم وجوده حتى الآن، هل هناك تقارير تحذر من إجرائه؟، هل هناك أسباب أمنية؟، هى فى كل الأحوال، أشياء انطباعية لدىّ، وليس معلومات، وليس هناك شىء مؤكد، لكن المؤكد أن هناك تخوفا ما من البرلمان، أضف إلى ذلك أن هناك عدم اهتمام من القيادة السياسية بالبرلمان، وعدم الاهتمام هذا كان واضحا من طريقة التعامل مع قانون الانتخابات، فلم نجد نقاشا عاما حقيقيا لهذا القانون، برغم نية الرئيس فى إجراء الانتخابات، لكننا لم نجد ترجمة لذلك على أرض الواقع من خلال نقاش حقيقى حول القانون.