يعد الفساد بجميع أنواعه من أهم المشكلات التى تواجه مصر حاليا ويحد إلى درجة كبيرة من فرص النجاح والتنمية والتقدم.. وكلنا يعلم أن معاناة مصر من هذه الآفة الخطيرة ترجع إلى فساد الأنظمة السابقة التى سمحت بانتشاره وتغلغله فى مفاصل الدولة.. ولم تكتف بذلك بل سمحت بتقنين الفساد من خلال صدور العديد من القوانين واللوائح المليئة بالثغرات التى منحت الفرصة للفاسدين أن يفعلوا ما يحلو لهم دون خوف من المسئولية والعقاب، واسباغ المشروعية على تصرفات هى بالتأكيد غير سليمة وغير مشروعة وتؤدى إلى الاستيلاء دون حق على أموال الدولة واهدارها وضياع حقوق المواطنين. ومن أهم الجهات الرقابية فى الدولة هيئة الرقابة الإدارية وهيئة النيابة الإدارية والجهاز المركزى للمحاسبات الذى يتولى الرقابة المالية على كل جهات الدولة.. كما أن هناك جهات رقابية أخرى فى الدولة تمارس أنواعا أخرى من الرقابة مثل الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة بوزارة الداخلية، ورقابة البرلمان على الحكومة لمنع الفساد السياسى والمالى والإداري، ورقابة القضاء العادى والإدارى على التصرفات والأفعال والقرارات المخالفة للقانون.. إضافة إلى الرقابة التى يمارسها الرأى العام ووسائل الإعلام المختلفة. ونؤكد أن العبرة ليست فى كثرة عدد الجهات الرقابية بالدولة.. وانما تكون العبرة باستقلالها التام عن أى جهة تنفيذية فى الدولة، وأن يكون لها شخصية معنوية مستقلة، وأن تمارس اختصاصاتها من خلال قوانين صارمة على أعلى مستوى من الدقة، وأن يتم تطبيقها على كل من يخالفها دون استثناء. والخبر السار الذى يفتح لنا باب الأمل، ويؤكد أن مصر قادرة على مكافحة الفساد.. أنها تقدمت عشرين مركزا فى قفزة واحدة فى تصنيف الدول التى تكافح الفساد وأصبحت فى المركز (94) فى عام 2014 بعد أن كانت تحتل المركز (114) فى عام 2013 من بين (145) دولة من دول العالم التى يشملها التصنيف. ويتم هذا التصنيف لدول العالم بمعرفة منظمة دولية «منظمة الشفافية الدولية» وهى منظمة ألمانية مقرها فى برلين تأسست عام 1993.. وهى منظمة أهلية غير حكومية مستقلة.. تضم فى عضويتها شخصيات وموظفين على أعلى مستوى من الشفافية والكفاءة، وهى تعمل وفق ضوابط موضوعية محددة يتم على أساسها ترتيب وتصنيف الدول من حيث درجة الشفافية ومكافحة الفساد. ومن بين هذه الضوابط .. عدد قضايا الفساد فى الدولة، ومدى فاعلية القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، وتوافر الآليات التنفيذية والهيئات المعنية بالرقابة على الأداء السياسى والإدارى والمالى بالدولة ومدى فاعليتها واستقلاليتها.. وأيضا تتواصل مع رجال الأعمال والمستثمرين الأجانب والوطنيين بالدولة للوقوف على رأيهم بشأن مدى توافر الشفافية وتبسيط الإجراءات والوفاء بالالتزامات فى كل ما يتعلق باستثماراتهم.. وغير ذلك من الضوابط. وتجدر الاشارة إلى أن التصنيف الذى تعلنه المنظمة يكون محل اعتبار كبير، ويؤخذ فى الحسبان من قبل المنظمات الدولية والاقليمية، والدول المانحة للقروض والمنح والمساعدات.. وكذا من البنك الدولى وصندوق النقد الدولي. ولاشك أن هذا التقدم الذى أحرزته مصر يرجع إلى أننا بدأنا نخطو فى الطريق الصحيح ويعكس اصرار الدولة قيادة وحكومة على مواجهة الفساد وشن حرب حقيقية عليه.. ولكننى أؤكد أيضا أن شعب مصر العظيم كان سببا رئيسيا فى هذا الإنجاز لأنه بقيامه بثورتى 25 يناير 2011، 30 يونيو 2013 اتخذ عدة قرارات مصيرية من بينها عدم قبول الفساد مرة أخري، وعدم الخضوع له، بل ومواجهته والإبلاغ عنه، معربا عن إرادته الأكيدة فى التخلص من هذه الآفة الخطيرة التى تهدر أموال الدولة وتؤثر إلى حد خطير ليس على مستوى اداء الخدمات للمواطنين، وانما على حقوقهم وحرياتهم الأساسية وعلى مستوى المعيشة بالكامل.. الأمر الذى يشكل تهديدا جسيما للأمن القومى للبلاد. وفى نظرة عابرة على تصنيف منظمة الشفافية الدولية لدول العالم وترتيبها لدول المجتمع الدولى من حيث الشفافية ومكافحة الفساد نجد الدنمارك تتربع على عرش الصدارة، تليها نيوزيلاند فى المركز الثانى ثم فنلندا فى المركز الثالث.. بينما احتلت ألمانيا المركز الثانى عشر وهو ما يعكس مصداقية هذه المنظمة الألمانية فى ادائها لعملها. وتأتى الولاياتالمتحدةالأمريكية فى المركز السابع عشر، بينما احتلت الصين مركزا متأخرا لانها تعانى من الفساد بدرجة كبيرة، وان كانت قد اتخذت مؤخرا حزمة من الإجراءات الصارمة لمواجهته. كما تراجعت تركيا تراجعا كبيرا بسب عدد من قضايا الفساد التى تم الكشف عنها مؤخرا، ومن بينها بيع عدد من أراضى المحميات الطبيعية لاقامة منتجعات سياحية وفندقية عليها وثبوت تورط عدد من كبار المسئولين بالبلاد واستفادتهم من ذلك.. إضافة إلى ما قام به أردوغان من انهاء خدمة عدد كبير من قيادات رجال الأمن فى تركيا دون مبررات مقبولة، ودون اتباع الإجراءات القانونية.. مما أدى إلى توجيه اللوم الشديد له من الاتحاد الأوروبي.. واثار جدلا واسعا بشأن تغلغل الفساد السياسى واستخدامه فى إدارة شئون الدولة لتحقيق أهداف شخصية. وتجد كلا من كوريا الشمالية والصومال تأخذ مكانها فى ذيل قائمة التصنيف لأن كلا منهما تعانى من تفشى الفساد بدرجة كبيرة فى مفاصل الدولة المختلفة. لمزيد من مقالات احمد جاد منصور