عاشت مصر خلال شهر مارس الماضى ثلاثة أحداث دولية إقليمية عربية.. من الصعب جدا أن تتكرر كثيرا خلال هذه الفترة الزمنية المحدودة والتى بدأت بالمؤتمر الدولى لدعم وتنمية اقتصاد مصر.. ثم الزيارة الناجحة للسيد الرئيس عبدالفتاح السيسى لكل من السودان وإثيوبيا للتفاهم بشأن سد النهضة.. وكان الختام بانعقاد مؤتمر القمة العربية. لقد كان لهذا الزخم تأثير غير محدود فى نفسية الشعب المصرى وارتفعت روحه المعنوية إلى عنان السماء.. وزادت ثقته بنفسه وهو يرى العالم كله يضبط بوصلته على أرض الكنانة.. كم كانت سعادة المواطنين وهم يشاهدون استعادة مصر لمكانتها العربية والإقليمية والدولية.. مما ينعكس بالتأكيد على الارادة والاصرار على العمل والعرق والانتاج ودوران عجلة التنمية. وفيما يتعلق بانعقاد القمة العربية.. فقد تابعت بتركيز شديد كلمة السيد الرئيس فى افتتاح المؤتمر.. وقبل القاء الضوء على بعض ما ورد بها فقد استرعى انتباهى تماما اسلوب القاء الخطاب الذى حمل فى ثناياه الجديَّة والموضوعية والاحساس بالمسئولية والمصداقية الشديدة والرغبة الأكيدة فى مواجهة التحديات التى يعانى منها الوطن العربى .. وكانت نبرات الصوت قوية حاسمة تعبر عن الاصرار على الوصول إلى الوحدة العربية وتحقيق التضامن العربي. ورغم أنه لم يحل الدور على مصر لرئاسة القمة.. وكان من المفترض أن تتولى دولة الإمارات العربية الشقيقة رئاسة المؤتمر.. إلا أنها بمبادرة رائعة منها تنازلت عن رئاسة هذه الدورة للشقيقة مصر ايمانا منها قيادة وشعبا بقيمة مصر وكيانها خاصة فى هذه الفترة الفارقة.. ولتأكيد أن مصر قد استردت عافيتها تماما واستعادت قدرتها على العمل على كل الأصعدة الدولية والإقليمية والعربية. شكرا لدولة الامارات التى تؤكد كل يوم مدى تقديرها وحبها لمصر.. وأنها دائما على مستوى الأحداث .. رحم اللَّه الشيخ زايد الذى ترك للأمة العربية رجالا أشداء أوفياء.. وفقهم اللَّه إلى رفعة وتقدم وطنهم الحبيب الذى له منزلة القلب فى نفوس المصريين جميعا. إن خروج المؤتمر بآليات تنفيذية يعد حدثا غير مسبوق كانت الشعوب العربية قد نسيته منذ سنوات بعيدة.. ومن أبرز هذه الآليات الموافقة على انشاء قوة عسكرية عربية مشتركة. ولم يقتصر الأمر على ذلك وانما تم الاتفاق على عقد اجتماعات سريعة مشتركة بين رؤساء أركان الجيوش العربية لوضع هذا القرار موضع التنفيذ فى أسرع وقت ممكن من خلال تحديد الأعداد والنوعيات واللوجيستيات والتجهيزات والمهام التى سوف تضطلع بها هذه القوة. وهنا لابد أن أشير إلى أن أهم ما استرعى انتباهى فى هذا القرار أنه رسالة واضحة للعالم كله.. أننا أصبحنا فى المنطقة العربية لدينا القدرة على الدفاع عن أنفسنا ولدينا الاستقلالية فى اتخاذ القرار المناسب لحماية شعوب المنطقة من أخطار الارهاب والتطرف وأطماع القوى الإقليمية والدولية.. وأشيد أيضا بالقرار لأنه نص صراحة على أنه اختيارى لمن يرغب من الدول العربية.. وهذا اتجاه جديد يحمد للقادة العرب.. لأننا كثيرا ما عانينا من عدم صدور قرارات فعَّالة من جامعة الدول العربية لاشتراط الاجماع الذى كان يحول دائما دون صدورها.. رغم أن الأمة العربية مرت بظروف عصيبة فى أوقات سابقة كانت تحتم صدور قرارات مصيرية بالنسبة لها.. ولو كنا تداركنا هذا الأمر من قبل لكنا تفادينا ما وصلنا إليه من حالة يسودها الارتباك والتوتر الشديد. ولاشك أن هذا الأمر يطرح بقوة أهمية التفكير فى إجراء دراسة شاملة لتعديل النظام الأساسى لجامعة الدول العربية أسوة بما ننادى به وينادى به الكثيرون بضرورة تعديل النظام الأساسى لمنظمة الأممالمتحدة.. لأن كلا من المنظمتين قد تم انشاؤه منذ سبعين عاما فى ظل ظروف سياسية وتاريخية معينة تغيرت تغيرا جذريا أثَّر بالسلب إلى حد كبير فى فاعلية كل منهما فى مواجهة المشكلات العربية أو الدولية. وها نحن نشاهد بكل وضوح ما يعانيه العالم من حروب أهلية وصراعات وتوترات والتى أفضت للأسف إلى أعداد غير محددة من القتلى والمصابين.. اضافة إلى أعمال التنديد فى دول كثيرة.. الأمر الذى يعكس بوضوح عدة قدرة أى من المنظمتين على أداء عملها بفاعلية. لذا وجدنا السيد الرئيس فى كلمته بالقمة العربية يوجه الدعوة للمجتمع الدولى للاضطلاع بمسئولياته وبلورة رؤية أكثر وضوحا لمحاربة الارهاب والتعامل مع جميع تنظيماته .. ولجامعة الدول العربية حينما أكد أن المسئولية الملقاة على عاتقنا تتطلب منهجا للمعالجة يتميز بالمصداقية والفعالية.. الأمر الذى يدعونا إلى التفكير فى اتخاذ إجراءات عملية جماعية. وعلينا أن ندرك ونستوعب جيدا تأكيد السيد الرئيس على أن حل القضية الفلسطينية هو أحد المفاتيح الرئيسية لاستقرار المنطقة .. وعلينا أن نعى حجم التحديات التى تعوق حل هذه المشكلة فى الوقت الراهن.. ومن أهمها سياسة حكومة نيتانياهو اليمينية المتطرفة والتى للأسف تم اعادة انتخابها مؤخرا.. ولا يمكن أن اختم هذه السطور دون تأكيد جميع شعوب المنطقة العربية أن نتذكر دائما ما أكده السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى بمنتهى المصداقية والشفافية بل وكرره مرة أخرى أن مستقبل الأمة العربية مرهون بما يتخذه القادة العرب من قرارات فى هذا المنعطف التاريخى المهم الذى تتزايد فيه تطلعات الشعوب بنفس درجة تعاظم التحديات .. وأن المسئولية جسيمة والأمانة ثقيلة .. داعيا اللَّه من أعماق قلبه الذى يفيض حبا لوطنه العربى أن يمنحنا العون جميعا فى أداء هذه الأمانة حتى لا ندان من التاريخ . لمزيد من مقالات احمد جاد منصور