كثيرة هي الأسئلة التي وقفت أمامها حين تم السماح بسفر الأمريكيين المتهمين في قضية التمويل المشبوه، من جراء ردود أفعال كل هيئات المجتمع المصري، أفرادا وجماعات ومجلس شعب وحقوقيين، فقد اكتشفوا فجأة أننا أقوي، صدموا حينما علموا أننا الأضعف، أو قل قرارنا لم يكن من صلب عقولنا، ومن الطبيعي أن تحملني دهشتي للاستفسار عن وطن مازال يبحث عن رغيف خبز لا يستطيع توفيره لأبنائه، غافلين حزمة التوازنات السياسية التي تحكم الأقوى بالأضعف، غير مبالين في الوقت نفسه، بما آلت إليه ظروف وطننا داخليا وخارجيا، وحملتني دهشتي أيضا لأسأل: ما العلاقة بين الجنزوري الذي أعلن أن مصر لن تركع وبين قرار سفرهم؟ فهل للرجل سلطة اتخاذ قرار سيادي كهذا؟ الأعجب تنحي رئيس المحكمة للحرج! وانتفضت الناس كي تعلن غضبتها واستنكارها أن يمس أحد كرامة مصرنا ! دعك من هذا وأجبني عمن يضربون ويقطعون الطرق ويمنعون دخول الموظفين مكاتبهم ويحرقون مجمع محاكم هنا، أو خط أنابيب هناك، أهؤلا ء يرتفعون بقيمة الوطن؟ أو فلتخبرني من فضلك: ما معنى أن نستجدي ما نأكل، ونستورد ولا نصنع ، ثم نطالب بألا تتعرض مصرنا لضغوط من أحد، هل إذا لم نتعرض سنتحمل؟ دون عزة بإثم هل ترانا سنتحمل؟ وإذا علمنا أن القنابل المسيلة للدموع التي أعطوها لنا لوأد أولادنا منتهية الصلاحية، كما أشيع، فما ثمن أن نقوم كل يوم بإضراب هنا أو حريق هناك ؟ هل بدافع دعم الوطن، حتى يقوى، ومن ثم يتم إعلان الحرب على أمريكا وتحرير القدس، أم لاستمرار ترقيع ثوب الاقتصاد البالي، ليتها الكلمات الرنانة تحرر الشعوب، وليت الخطب المفوهة تقف باقتصادنا على باب النمور، لا هذا ولا ذاك، بل بالخوف علي الوطن والضرب علي يد المتسولين، الذين يأكلون على كل الموائد بلا وازع من ضمير، الذين يتلاعبون بعواطف الناس، كأننا سنحرر القدس ببعض منها تلك الكلمات الساخنة، ثم ألا تتفق معي ، أعزك الله، أن صلاح الدين الأيوبي لم يحرر قدسنا بكلمات، بل كانت العدة وكان الاستعداد، ولم يكن هناك اقتصاد هش ولا احتياطي نقدي يكفي 3 أشهر أو أقل بالكاد، ولا حرق وخطف وتشتت مذاهب ولا لإنكار الذات، ثم نتساءل عمن سمح لهم بالسفر، وكأنهم لا يعلمون ما آلت إليه اقتصاديات مصر، التي انتفضت كل فئاتها تطالب بضعف المرتبات وتوظيف الشباب وتوزيع الشقق بلا حتي مقدمات، يخيل إليّ أحيانا أن مصر امتلكت فجأة عصى سحرية، وهم يعلمون أن صلب هذا الوطن لن تقوم له قائمة إلا بعملهم، فهل من وطن يرتقي دون أبنائه؟ هنيئا لنا بدرس جديد من ماما أمريكا، فقد أعطتنا كثيرا من قبل دروسا، فلماذا لم نعد ندرك أن عملنا وقيام اقتصادنا، هو الذي سيعطي العالم كله دروسا نعلمه إياها، لا المعونة وحدها أقصد، بل وصل الأمر لإعطاء الأوامر للاتحاد الأوروبي بمنح أو منع القروض وماذا إذا منعت؟ لا أريد خطبا رنانة ولا اتهامات فضفاضة توزع الآن علي القاصي والداني، دعك مني تماما، أريد حلولا ترتفع بمصر كي تقول مرة واحدة لا.. أما المصريون المتهمون في قضية التمويل المشبوه، هل ارتضوا بيع وطنهم، أم كانوا يغدقون على أبناء وطنهم بالتمويل! وكيف نطالب بالإفراج عنهم وبعضهم أتهم بتلقي أموال، ألا يليق بنا وهم مصريون مثلنا، أن نعلم لماذا تلقوها وفيم يتم الانتفاع بها؟ وأوجه الخير والبر التي تصرف فيها على الأقل لنثاب كما يثابون، وحينذ نطالب نحن ببعض من هذه الملايين اللذيذة جدا وبلا مجهود يذكر، سوى بعض أشياء يسيرة يعلمونها جيدا، كفانا الله وإياكم شرورها، فالأمريكيون لم يبيعوا وطنهم والمصريون تلقوا دعما مشبوها فهل نساوي بينهما؟ سيختلف وضعنا إذا أردنا له الاختلاف، وسنملي شروطنا إذا نجحنا في الاختبار، وسيكون قرارنا من صلب عقولنا، إذا استثمرناها في التقدم باقتصاد وطننا، ونبذ كل ما يشتتنا ويمزق أهدافنا، ويحيلنا لأن نصبح عالة علي آخرين يملون علينا ما يريدون، ليس فقط إملاء بل يحققون ما يملون، وحينها لن يجرؤ مصري علي السماح لأمريكيين متهمين أن يغادروا دون حساب ودون قصاص ...فإما أن ننهض بمصر وإما أن تلعنا كل الأجيال المقبلة، لأننا سلمناهم وطنا مثقلا بالديون والإملاءات، دعنا نبدأ ولا تعود بي لعصر المخلوع، فلنبدأ بالعمل، فالكلام لن ينتهي، وهو الشيء الوحيد الذي كنا فيه بارعين وطالبنا بكل حقوقنا، ونسينا حق مصرنا، فهل لا يستحق منا الوطن أن يكون قادرا يوما علي أن يقول لا؟.. متى! [email protected] المزيد من مقالات أيمن عثمان