نحن لا نبكى على أطلال زمن مضى ، أو نتشدق بذكريات ماتزال راسخة فى عمق الذاكرة الحية لجموع المصريين والعرب، على جناح المتعة والشجن الذى يظل يلمع بريقه الفاتن الآخاذ يوما بعد يوم، بل نتلمس فقط نوعا من الدفء المفقود فى فن جيل مضى لكنه مازال حيا فينا ، وعلى زحمة الحياة وقسوتها وجبروت اللحظات المرة وتلك الشاشات المخضبة بالدماء، يستطيع هذا الفن القادم من فرط إبداع الجيل الذهبى فى عصر "مصر أم كلثوم" بعذوبته أن ينتشلك بخفى حنين من قتامة المشهد، والذهاب بك إلى آفاق رومانسية ووطنية رحبة، ورغم ما تشهده الساحة من طنطنة غنائية حتما لا تشفى الصدور، بل فى أغلبها تغرد خارج السرب، وكنعيق الغربان تجوب خراب الفضاء العربى المخيف، يمكن لفن هذا الجيل أن يفتح لنا نافذة مشرعة للهروب إلى الماضى الجميل، ذلك الذى يكمن فيه الخلود مقترنا بالعبقرية والابتكار على مستوى الزمان والمكان والإنسان. تعالوا بنا نعود قليلا إلى الوراء لنقف على أعتاب "سر خلود جيل أم كلثوم" التى لاتزال تتصدر سوق الكاسيت حتى يومنا الحالى على جناح رومانسية ووطنية زمن مضى، أو راح وانتهى.. إلى تفاصيل مابقى فى ذاكرة بعض ممن أدركتهم متعة هذا الجيل: المعلم والصبى فى البداية أكد المفكر السياسى الدكتور مصطفى الفقي، أن سرخلود جيل أم كلثوم يعود إلى أكثر من سبب، أولا : كان الازدحام على الفرص أقل بكثير مما يحدث الآن، بحكم عدد السكان، ولم تكن تظهر موهبة إلا إذا كانت حقيقية ومدربة ومصقولة ولديها وعى وثقافة، الآن وبسبب كثرة عدد وسائل الإعلام يمكن لموهبة بسيطة أو نصف موهوبة أن تحتل القمة وتتربع على الساحة الفنية. ثانيا: جيل هؤلاء العمالقة فى الغناء تعلموا الطرب والألحان على أصولها على أيدى أساتذة ومعلمين كبار من الأجيال الماضية، وفى هذا الزمن من القرن الماضى كان هناك دستور يقوم عليه الإبداع قائم على فكرة "المعلم والصبي"، فكنت تجد لأم كلثوم أساتذة مثل الشيخ أبوالعلا محمد، وأحمد رامى، ومحمد القصبجي، وغيرهم، وتجد لمحمد عبدالوهاب أستاذا كبيرا ومهما مثل أمير الشعراء أحمد شوقي، هذه الفكرة نفتقدها حاليا. ثالثا كانت البيئة الحاضنة فى الماضى سواء الثقافية أو الفنية بيئة صحية راقية تسمح بظهور المواهب ومساندتها والوقوف بجوارها، طالما كانت موهبة حقيقية، على العكس تماما من البيئة الحالية التى أصبحت تجارية بحتة، وكل الفنانين هدفهم الوحيد المال والشهرة فقط، لكن فى الماضى كان الموسيقار رياض السنباطى يتمتع بصوت جميل، وكان من الممكن أن يغنى ويصبح مطربا، لكنه كان يرى أن خلوده فى التلحين، لهذا أعطى الألحان عمره وأحترمها، وأخلص لها فكتب لنفسه الخلود فى عالم الموسيقى، وهكذا كانت باقى المواهب، لهذا كتبوا أسماءهم بحروف من نور فى سجل التاريخ، لكن الفن الحالى لا يوجد فيه هذا الخلود، لأن فننا إستهلاكيا، يتماشى مع «رتم» الحياة الآن فى كل مناطق. زمن عبقرى ومن جانبه يقول الشاعر الكبير العذب الرقيق فاروق جويدة، أن العبقريات فى كل تاريخ يصنعها زمانها، وليس مطلوبا من الزمن طول الوقت أن يقدم العبقريات بصفة دائمة، ويمكن أن يستريح جدا بعض الوقت، وهذه الاستراحة تمتد لسنين وسنين طويلة، فمثلا توجد حقب زمنية تقترب من الألف عام بين المتنبى و أمير الشعراء أحمد شوقي، وظهورالعبقريات مرتبط بتيارات ومواقف التقدم فى المجتمع نفسه، وقدرته على إفراز مواهب جديدة، فالتطور شامل، وظهور كل العبقريات فى القرن الماضى كان فى إطار مد سياسي، بدأ مع ثورة 1919 وصحوة الشعب المصري، ومع إنطلاقة اقتصادية مهمة، كان أبرز رجالها طلعت باشا حرب، وأيضا انطلاقة إجتماعية تتمثل فى ظهور دعوات لتحرير المرأة المصرية مثل الدعوات التى نادى بها قاسم أمين، وسلامه موسى، كل هذه عناصر تكمل بعضها بعضا. كما كان يوجد شيئا مهما جدا فى سر خلود جيل أم كلثوم فى كل المجالات وهو التناغم بين المواهب، بمعنى أن تظهر أكثر من موهبة تكمل بعضها، فمثلا لو ظهرت أم كلثوم بمفردها بدون أحمد رامى ورياض السنباطي، ومحمد القصبجي، وزكريا أحمد، ومحمد عبدالوهاب وغيرهم، كانت خسرت كثيرا جدا، وربما لم تصبح كوكب الشرق بالمرة، ونفس الحال تحقق فى السينما، فظهرت مواهب كثيرة متنوعة فى التمثيل والتأليف والإخراج ذات زخم كبير وطابع مميز، وأيضا نفس الشئ حدث فى الفكر والأدب، فوجدنا لطفى السيد، والعقاد، وطه حسين، والمازنى، ومحمد حسنين هيكل، وقاسم أمين، وسلامه موسى، وفى الشعر البارودى، وشوقي، ثم على محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، وإبراهيم ناجي، وفى الصحافة كان هناك محمد حسنين هيكل، ومصطفى وعلى أمين، ومحمد التابعي، كل هؤلاء العباقرة كانوا يكملون بعضهم البعض، حتى غدو مثل حديقة غناء مليئة بالزهور والرياحين، لهذا كان عصرا ثريا فى كل المجالات. الترابط الأسري يذهب الدكتور رشاد عبداللطيف، أستاذ علم الإجتماع وتنظيم المجتمع بجامعة حلوان إلى أن سر خلود عصر أم كلثوم يرجع إلى أربعة أشياء مهمة جدا، أولها: الترابط الأسرى فى العائلات المصرية فى هذا الوقت، حيث كان لرب الأسرة احترامه ووقاره، وكان هذا العائل "من يعول" ينقل الذوق الفنى إلى أولاده بالتبعية لتأصيل عشق أم كلثوم وغيرها من رواد الفن والثقافة والسياسة، وكان جيل المستمعين على نفس القدر من الثقافة والمسئولية، وهو ماينعكس على سلوكهم، فتجدهم لا يذهبون إلى حفلات سيدة الغناء إلا وهم فى كامل زينتهم، سواء رجال أو سيدات، وكانت الشريحة البسيطة التى لا تملك ثمن تذكرة الدخول وتتجه إلى المقاهى لسماعها فى الراديو ، تجدهم فى حالة إنصات كامل لما تغنيه أم كلثوم، احتراما لمقامها وفنها الرفيع لايمارسون أى من ألعاب التسلية الموجودة فى أى مقهي. ثانيا: حالة الاستقرار الاقتصادي، فلم يكن هناك عنف فى الحياة الأسرية والاقتصادية فى المجتمع، كما أن الأعباء الاقتصادية لم تكن حملا ثقيلا على رب الأسرة، وبالتالى كان هناك استمتاع طبيعى بالفن والثقافة. ثالثا: كانت سيدة الغناء العربى وأقرانها يحترمون الفن، ومن يحترم شيئ ينقل هذا الاحترام إلى الطرف الآخر، فمثلا كنت لا تجد فيما يقدمونه أى نوع من الخلاعة أو الابتذال أو أى شيئ يخدش الحياء فى الأسرة أو فى المجتمع نفسه كما تغلى به الشاشات الفضائية والمحلية حاليا. رابعا: احترام القيم الدينية والأخلاقية فى المجتمع، و من ثم عندما يكون هناك عتاب من خلال أغنية يكون عتابا رقيقا، مثل أغنية "حب أيه"، فالحبيبة فى الأغنية لم تستخدم ألفاظا خادشة أو جارحة، ولكنها انتقدت حبيبها نقدا جميلا ويحمل قدرا من الابتسام النقي، وفيها استخدم الشاعر مترادفات لغوية رائعة رددناها جميعا بدون استحياء، وكذلك الأمر فى أغنية "فات الميعاد"، عندما قالت : و" إن كان على الماضى القديم وقساه/ ستاير النسيان نزلت بقالها زمان"، هل هناك عذوبة ورقة ورقى مثل هذا؟، غير أن كثيرا من أغنيات هذا الجيل، خاصة الوطنية كانت تغذى فينا الانتماء وحب الوطن ومنها على سبيل المثال وليس الحصر: "مصر تتحدث عن نفسها" و "صورة صورة" و "محلاك يا مصري" و غيرها من روائع غنائية تعلى من شأن الإنسان. فساد التعليم ويتجه الدكتور هاشم بحري، أستاذ الطب النفسى جامعة الأزهر وجهة أخرى نحو النقد الإبداعى قائلا : كان التعليم قبل ثورة 1952، تعليما نقديا ابتكاريا يعتمد على الإبداع عند الشباب، ويضيف إلى هامش الحرية، وكان القائمون على مهنة التعليم فى القرن الماضى مؤهلين تأهيلا تربويا صحيحا، وبالتالى خرجوا لنا أجيالا صحيحة راقية، تعشق الثقافة والفن والأدب، حتى على المستوى الشعبى كنت تجد قدرا بسيطا من التذوق للفن والجمال، فكان الشعب كله بمختلف طبقاته يتواصل مع الفن ويحبه، وبالتالى كان الفن يسمع فى كل الأماكن والأزمنة. وكان النشاط المدرسى فى المدارس والجامعات فى أوج إزدهاره، ومستوى التعليم الرائع هذا الذى كان يدعو إلى التفكير والخلق والإبداع لابد أن يفرز مواهب حقيقية، لكن بعد ثورة 1952 حدث تراجع كبير جدا فى التعليم، وأصبح تعليما تلقينيا قائما على الحفظ، ومن يحفظ جيدا كان ينجح ويحصل على أعلى الدرجات، أما من يفكر فكان يكتب له الرسوب، وامتهن مهنة التدريس بالمدارس بمراحلها المختلف خريجى كلية التجارة والزراعة وغيرهم، وهم غير مؤهلين أصلا للتعليم و ليس لديهم فكرة عن التربية، لهذا تراجع دور الفن لأنك عندما تريد إيقاف الإبداع عند الشباب إجعله يتوقف عن التفكير النقدي.