قومي حقوق الإنسان ينظم ورشة متخصصة عن التغطية الصحفية للبرلمان    محافظ أسيوط يطلق المرحلة الثانية من مبادرة "وحشتنا أخلاقنا"    رقابة أبوية وتصنيف عمري، تشريع حكومي جديد لحماية الأطفال من محتوى السوشيال ميديا    22 مليون عدد عملاء البنك الأهلي المصري 40% منهم سيدات    عاجل- رئيس الوزراء يشدد على تسريع مشروعات حماية السواحل لمواجهة مخاطر التغيرات المناخية    عراقجي: لن نفوت أي فرصة حتى يحصل الشعب الإيراني على حقوقه    التحالف الوطنى يتقدم بالعزاء فى وفاة شقيقة النائب محمد أبو العينين    ترامب يؤكد وجود اتصالات على أعلى المستويات مع كوبا لإبرام اتفاق    مفوضة الاتحاد الأوروبي: أوكرانيا مستعدة لتقديم تنازلات صعبة    العراق يباشر تحقيقات مع 1,387 عنصراً من «داعش» نقلوا من سوريا    موقف محمد شحاتة من لقاء الزمالك وكهرباء الإسماعيلية بالدوري    روما فى اختبار صعب أمام أودينيزي في الدوري الإيطالي    شريف مصطفى يفتتح معسكر التضامن الأوليمبي الدولي للكونغ فو استعداداً لأولمبياد الشباب    محمود عاشور يشارك في معسكر حكام الفيديو المرشحين لكأس العالم    ضبط سائق تاكسي اصطدام بسيارة ملاكي وهرب في بورسعيد| فيديو    رئيسة القومي للطفولة تشارك في جلسة حوارية بعنوان "حماية المرأة والفتاة من كافة أشكال العنف"    فحص كاميرات مراقبة فندق واقعة اتهام تحرش الفنان محمود حجازي بسيدة    قبل عرض مسلسل مناعة.. كندة علوش تدعم هند صبرى فى سباق رمضان 2026    تعرف على برنامج حفل ختام معرض القاهرة للكتاب 2026 غدا    مديرية التضامن الاجتماعي بالقليوبية تعقد اجتماعا لاختيار الأم المثالية    المنتجة ماريان خوري تستقيل من مهرجان الجونة.. لهذا السبب    الإفتاء توضح الأدلة على فضل ليلة النصف من شعبان.. تفاصيل    «الصحة»: تقديم 1.1 مليون خدمة طبية بمنشآت أسوان خلال 2025    وزارة الزراعة تطرح كرتونة البيض ب 110 جنيهات بمعرض المتحف الزراعى بالدقى    صحة غزة: حصيلة شهداء الحرب ترتفع إلى 71 ألفا و800    أهالي جهينة بالشرقية يودعون بالدموع جثمان أم رحلت بعد وفاة نجلها الأصغر ب24 ساعة    علاء عز: تفعيل التعاون بين الغرف التجارية المصرية والتركية لإنشاء مناطق صناعية تركية    نتيجة انتخابات نقابة المحامين الفرعية بالإسكندرية وأسماء الفائزين    رئيس جامعة المنوفية يشهد الحفل الختامي للنسخة الثانية من مبادرة "تمكين" بمعبد الأقصر    رئيس مجلس الشيوخ يهنئ رئيس الجمهورية بليلة النصف من شعبان    بعد تألقه في أمم أفريقيا، فيزبريم المجري يجدد تعاقد أحمد عادل لموسم إضافي    متفقهون في الدين.. المتسابقون ببورسعيد الدولية يتنافسون في فرع الحافظ المتفقه ولجان التحكيم تشيد بالمستوى    التخطيط تُطلق تقريرها السنوي لعام 2025 بعنوان "النمو والتشغيل والقدرة على الصمود.. تهيئة الاقتصاد المصري للمستقبل"    قبل مواجهة الزمالك.. كهرباء الإسماعيلية يضم الإيفواري سيرجي أكا    الرقابة المالية ترفع الحد الأقصى لتمويل المشروعات متناهية الصغر إلى 292 ألف جنيه    وزير المالية ومركز المعلومات يكرمان صاحب المبادرة المجتمعية الأعلى تقييمًا في «الإصلاح الضريبى»    حالة الطقس.. أتربة عالقة وأجواء مغبرة تغطى سماء القاهرة الكبرى والمحافظات    «إكسترا نيوز» ترصد حجم الإقبال اليوم على معرض القاهرة الدولي للكتاب بمركز مصر للمعارض الدولية    وزير الثقافة ينعى الفنان التشكيلي حسام صقر    4397 مستوطنا يقتحمون باحات الأقصى خلال يناير 2026    إصابة 23 عاملاً في انقلاب «ربع نقل» على طريق الإسماعيلية الصحراوي    المشدد 10 سنوات وغرامة 100 ألف جنيه لتاجرى مخدرات فى رأس سدر    اليوم.. النطق بالحكم على قاتلة صغار دلجا بالمنيا في جلسة الاستئناف على إعدامها    أسعار الدواجن البيضاء والبلدى بالأسواق والمحلات فى الأقصر اليوم الإثنين    قوائم طويلة من الفلسطينيين تنتظر العبور عبر معبر رفح إلى مصر لتلقي العلاج    بالورود ومساعدة كبار السن.. لقطات إنسانية من الهلال الأحمر مع الفلسطينيين.. صور    فضل شهر شعبان.. دار الافتاء توضح فضل الصيام فى شهر شعبان    مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 2فبراير 2026 فى المنيا.... اعرف مواعيد صلاتك بدقه    صوم يونان.. دعوة للقلب    تسليم نظارات طبية لأكثر من 5000 تلميذ بالمرحلة الابتدائية ضمن مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في بني سويف    عمر كمال: رفضت 30 مليون جنيه من بيراميدز وهذا سبب رحيلي عن الأهلي    محافظ الأقصر يحضر احتفال العائلة الحجاجية بالليلة الختامية لمولد أبو الحجاج    حياة كريمة.. صحة دمياط تستهل فبراير بقافلة شاملة تخدم 1217 مواطنا بفارسكور    وزير الصحة: تفعيل الخطة القومية للخدمات الصحية الطارئة ورفع درجة الاستعداد بالتزامن مع فتح معبر رفح    لتجنب اضطرابات الهضم، طرق تهيئة المعدة لصيام رمضان    إبراهيم صلاح: فوز الزمالك على المصري مهم ويعكس جاهزية اللاعبين الشباب    جرامي ال68.. «الخطاة» يستحوذ على جائزة أفضل ألبوم موسيقي تصويري لأعمال مرئية    ما حكم الاحتفال بليلة النصف من شهر شعبان؟.. الإفتاء توضح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثروت عكاشة‏..‏ الثقافة والثورة
نشر في الأهرام اليومي يوم 07 - 03 - 2012

في مثل هذا اليوم من شهر مارس عام 1960 وقف وزير ثقافة مصر العلامة الكبير الدكتور ثروت عكاشة في القاعة الكبري لليونسكو بباريس يطرح مشروعا ضخما لانقاذ معابد النوبة في مصر, ونجح في أن يحصل علي مساهمة دول العالم في هذا العمل الحضاري العملاق قبل أن تغمر مياه بحيرة السد العالي بعض أهم الآثار في العالم. كانت مصر في ذلك العصر تقود حركة التحرر والاستقلال في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية, وكانت الكثير من حركات التحرير تحصل علي شرعيتها من دعم مصر الثورة لها, لذلك فقد كانت المواجهة بين مصر وقوي الاستعمار القديم علي أشدها, ومع ذلك اختار الدكتور ثروت عكاشة أن يخوض هذه المعركة ويقبل التحدي وأن يضع الدول الغربية أمام مسئوليتها الحضارية.
ولم يكن الدكتور ثروت عكاشة في ذلك يمثل تناقضا بل كان يمثل وجهي ثورة مصر: الوجه التحرري والوجه الحضاري, فالدكتور ثروت عكاشة هو عضو تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بالثورة علي الملكية الفاسدة وأقام الجمهورية الحديثة, وهو أيضا الذي أطلق حركة النهضة الثقافية والفكرية والفنية التي عرفتها مصر بعد الثورة.
وقد لايعرف البعض أن ثورة 1952 كان مخططا لها أن تنطلق في شهر أغسطس من ذلك العام حين تكون الحكومة في إجازتها الصيفية ومعظم أعضائها قد سافروا يقضون الصيف في ربوع أوروبا كما جرت العادة.
وقد روي لي الدكتور ثروت عكاشة أنه كثيرا ما كان يجمع بعض المقربين من أصدقائه الضباط في بيته ليستمعوا إلي المؤلفات الموسيقية العالمية, وفي إحدي هذه الأمسيات اختار أن يسمعهم مقطوعة شهر زاد للمؤلف الروسي ريمسكي كورساكوف والتي كان جمال عبد الناصر يهواها, وأخذ ثروت عكاشة يتحدث لزملائه عن تلك المتتالية الشهيرة وبنائها الموسيقي ثم جلس الأصدقاء يستمعون إليها في صمت, وما إن انتهت المقطوعة حتي قال عبدالناصر لرفاقه الحاضرين الذين كانوا يمثلون الدائرة الضيقة من التنظيم: سنعجل بموعد الحركة من أغسطس إلي يوليو.
وشرح لي الدكتور ثروت عكاشة أن قرار جمال عبد الناصر كان يستند إلي عنصرين أولهما أن الحديث أخذ يزداد في ذلك الوقت عن وجود تنظيم سري داخل الجيش يعد لعمل انقلاب وشيك وكان رأي عبدالناصر أنه كلما تأخر الموعد سيزداد احتمال كشف التنظيم.
أما الاعتبار الثاني فكان أن حريق القاهرة في يناير من ذلك العام وما تلاه من اضطرابات سياسية جعل مصر تشهد ست وزارات في الأشهر التالية, وذلك يعني أن الظرف السياسي قد أصبح مواتيا لحركة الجيش ولم يعد الأمر يتطلب الانتظار حتي موعد الإجازة السنوية للحكومة في شهر أغسطس.
وإذا كانت ثورة يوليو 1952 قد استلهمت علي الأقل بالنسبة لموعدها من موسيقي شهر زاد, فإن جمال عبد الناصر نفسه قد كشف في أكثر من مناسبة أن رائعة توفيق الحكيم الروائية عودة الروح كانت العمل الأدبي الذي ألهمه القيام بالثورة, لذلك لم يكن غريبا أن يكون من بين الضباط الأحرار ذلك المثقف الموسوعي الأكبر ثروت عكاشة الذي أثري الحياة الثقافية المصرية, كما لم يفعل إلا القليلون من المسئولين قبله أو بعده.
ويتفرد الدكتور ثروت عكاشة بين عمالقة الثقافة في مصر في أنه أقام البنية التحتية للعمل الثقافي في العصر الحديث, فأينما وليت وجهك وجدت أحد الصروح الثقافية التي أقامها عميد وزراء ثقافة مصر الدكتور ثروت عكاشة, من معهد السينما الذي خرج أجيالا من السينمائيين الذين صنعوا واحدة من أكبر الصناعات المصرية في الستينيات الماضية وهي صناعة السينما التي وضعت مصر في مصاف أكبر مراكز الانتاج السينمائي في العالم, إلي أوركسترا القاهرة السيمفوني الذي كان يقدم للشعب روائع الموسيقي العالمية أسبوعيا لقاء تذكرة دخول أذكر أنني كنت أدفع فيها وأنا طالب خمسة قروش, إلي جهاز الثقافة الجماهيرية الذي نقل الثقافة الرفيعة إلي القري والنجوع في الريف المصري من خلال بيوت وقصور الثقافة التي أقامها في طول البلاد وعرضها إلي أكاديمية الفنون وقاعة سيد درويش الموسيقية وغيرها من الصروح الشامخة التي بدونها لم يكن للعمل الثقافي أن ينهض وللحركة الفنية والأدبية والفكرية أن تزدهر.
وحين دارت الأيام ورحل عبد الناصر وتولي أنور السادات وانحصرت حركة التحرر الوطني وتراجعت مكانة الثقافة في مصر لم يتوقف إنجاز الدكتور ثروت عكاشة بل استمر بمؤلفاته التي كانت تجمعها قيمتها الفكرية الكبيرة التي جعلتها مراجع في مجالها.
وتتنوع مؤلفات الدكتور ثروت عكاشة مابين سلسلة تاريخ الفنون العالمية والتي أصدر فيها مجلدات متعددة عن فن عصر النهضة الأوروبي وعن الفن الهندي والفن الفارسي, وترجمته لبعض أمهات الكتب والتي مازلت أذكر منها كتاب برنارد شو الشهير عن الموسيقار الألماني ريتشارد فاجنر والذي أصدره الدكتور ثروت بعنوان مولع بفاجنر وكتاب آخر بعنوان المسرح المصري القديم وهو كتاب شيق يثبت أن فن المسرح نشأ في مصر القديمة وليس في أثينا حسب الاعتقاد السائد.
لكن أحب كتب الدكتور ثروت عكاشة إلي قلبي ستظل مذكراته الشخصية في الثقافة والسياسة والتي أعتز بأن قدمها لي بإهداء يقول إلي ابني الحبيب..
لقد وضع الدكتور ثروت في كتابه هذا وهو في جزءين خلاصة عمله في الحياة العامة مابين الثقافة والسياسة حيث جمع في شخصه بين الاثنين لأنه لم يكن يري بينهما انفصالا, فالسياسة التي تنفصل عن الثقافة كما قال لي ذات مرة هي سياسة بلا قلب, والثقافة التي تنفصل عن السياسة, أي عن الجماهير العريضة, هي ثقافة بلا ضمير.. رحم الله ثروت عكاشة وعوضنا عن عصره العظيم.
المزيد من مقالات محمد سلماوي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.