منذ تاريخ 11 سبتمبر 2001 ، والعالم سطر عنوانا ضخما اسمه "الحرب على الإرهاب" .. توالت تحته صفحات ومجلدات كتبها قادة الدول الكبرى طوال 14 عاما متصلة لمواجهة أخطبوط العصر ذى الأذرع المتجددة، التى تتحالف مع الشيطان وتحترف صناعة الرعب وسط الشعوب، وتبدلت وجوه وتغيرت قيادات فى لعبة كراسى السياسة الموسيقية، بينما تتسع رقعة الإرهاب فى ربوع الكرة الأرضية، تتحدى أباطرة الاستبداد والنظام العالمى الجديد تارة، وتستغل مظاهر الضعف والجهل والفقر فى مراكز نشأتها فى تربة تفتقد إلى الديمقراطية والحرية والحياة الإنسانية تارة أخرى. من هنا خرج مارد الإرهاب ليهدد الجميع، ويتلون كالحرباء وفقا لمعطيات كل مرحلة سياسية وتاريخية يمر بها العالم، ودون أدنى شك، وفّر ظرف الربيع العربى فى الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة مناخا ملائما لتربية جيل جديد من الإرهابيين، رأى فى الخريطة العربية مع التغيرات السياسية الدراماتيكية بابا سحريا لاختراق الدول التى تعانى انقساما وفراغا كبيرا، فتجددت الدماء فى شرايين الأخطبوط ليشكل أذرعا أخرى ينتشر بها ليخنق العالم بمزيد من العمليات المسلحة والهجمات الانتحارية، وصولا إلى مجازر القتل الوحشية والإعدامات الجماعية فى مشاهد يومية متكررة دفعت القطب الأكبر (الولاياتالمتحدة) إلى إعلان الجزء الثانى من "الحرب على الإرهاب" فى مواجهة تنظيم داعش الذى صار البطل الجديد فى هذا الجزء المثير. واستحق الإرهاب عن جدارة لقب "بطل موسم 2014" لتصدره المشهد العالمى مع ظهور "داعش" على السطح، وكشف مؤشر الإرهاب الدولى لعام 2014 أن مستوى الإرهاب فى العالم يأخذ مسارا تصاعديا على ضوء مسئولية "داعش" من بين 4 تنظيمات ومجموعات إرهابية أخرى عن ثلثى الهجمات التى وقعت العام الماضي. واستعرض التقرير عددا من الحقائق والأرقام المستخلصة بين عامى 2000 و2013، ونشره موقع "سى إن إن" الإليكتروني، ليثبت أن عدد الوفيات نتيجة العمليات والهجمات الإرهابية ارتفع منذ عام 2000 بنحو 5 أضعاف أو ما يعادل نسبة 61%، وسجلت 5 دول (سوريا والعراق وأفغانستان وباكستان ونيجيريا) 82% من إجمالى العمليات المسلحة الدموية . وأضاف التقرير أن 5% من الهجمات الإرهابية وقعت فى الدول الصناعية، بينما 25% منها تم تنفيذها من قبل "الذئاب المستوحدين"، وهم عبارة عن أشخاص متطرفين ينفذون هجمات إرهابية دون صلة واضحة تربطهم بالتنظيمات الأم. وبقراءة التقرير وما يتبعه من جرس إنذار شديد القوة للانتباه والحذر، لاتتوقف العين عند مجرد الأرقام والإحصائيات عن الضحايا والإصابات فضلا عن الخسائر المادية الباهظة للدول والشعوب، بل يقتضى الموقف الالتفات إلى الدوافع والأسباب التى ساقها التقرير حول نشأة وتطور هذه التنظيمات المتطرفة وتدفق الشباب من مختلف الأعمار على الارتماء فى أحضانها إما اقتناعا أو يأسا وفرارا من الواقع المؤلم. وفند التقرير تلك الأسباب فى العنف المسلط على المواطنين من قبل الدولة وعمليات الإعدام التى تتم خارج إطار القضاء، علاوة على الفقر والمستوى التعليمى المتدنى والأوضاع الاقتصادية المتدهورة. ويبدو من التقرير أن نغمة الإرهاب بات يعزف عليها أكثر من فصيل تولد من الشيطان الأكبر الذى يخطط لإحكام قبضته وفرض فلسفته وإرادته على العالم، خصوصا مع ارتفاع أعداد التكفيريين المنضمين إلى "داعش" وروافده مثل جبهة النصرة فى سوريا وأنصار الشريعة فى ليبيا، حيث قدرت الشرطة البريطانية "سكوتلاند يارد" – على سبيل المثال – بأكثر من 500 عدد المنضمين إلى صفوف "داعش"، لتتصاعد المخاوف من امتداد أذرع الأخطبوط الجديد إلى قلعة المملكة المتحدة. وإذا كانت حلقات المواجهة الشرسة بين العالم والإرهاب بكل أجنحته مستمرة وتحتاج إلى مونتاج سريع – بلغة الدراما والسينما – لإنهائها، فمن الصعب التكهن بقدرة المخرج الأمريكى على ضبط إيقاع المعركة الكبرى ونحن على مشارف العام الجديد، فى ظل اعتراف وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى بأن الحرب على الإرهاب، و"داعش" بصفة خاصة، قد تستغرق سنوات. وبالتالى نقف أمام حقيقة مؤداها أن الانتصار على الإرهاب ينبع من القضاء على ظروف ومعطيات نشأته ونموه، ثم يأتى دور السلاح والحل الأمنى والخيار العسكرى فى مرحلة لاحقة .. وبخلاف ذلك، يبقى الاحتفال بالنصر على الإرهاب ضربا من المحال، لندخل العام الجديد والتاريخ قد أثبت أن نهاية أى فيروس مرهونة بعلاج البيئة وتطهيرها، حتى وإن توافرت ملايين الأمصال والمضادات الحيوية.