بعد أن شاهد العالم العربى عام 2001 المسلسل المصرى «الفرار من الحب»؛ قدمت العديد من القنوات الفضائية؛ خصوصا اللبنانية منها، حلقات ضمت علماء اجتماع، ومثقفين، ونقاد، وأدباء، لمناقشة الفكرة المركزية فى المسلسل، والتى كانت جديدة على كثير من المجتمعات العربية بما فيها مصر، بعد أن ضربت الحداثة، والتغريب، والأسلمة العدمية المغلقة جذور الثقافة العربية، ولم يبق منها إلا ما تحافظ عليه المجتمعات التى ظلت خارج العصرنة العبثية، كانت الفكرة المركزية للمسلسل هى «الخصومة الشريفة»؛ التى عبر عنها الفنان رياض الخولى فى دور «زكريا أبو العمدة»؛ الذى أتقنه إلى الحد الذى يفوق الشخص الحقيقى اذا كان هناك فعلا إنسان حقيقى بهذه المثل والقيم، غير الذى قدمه الأديب المبدع محمد صفاء عامر. الخصومة الشريفة التى كانت إطاراً لسلوكيات زكريا أبو العمدة فى علاقاته مع كل خصومه، وأعدائه خصوصا مع الدكتورة سهام “آثار الحكيم”، الخصم اللدود القادم من القاهرة بكل الذكاء المادي، والشراسة الأنانية؛ الباحثة عن الحقوق بكل قوة وقسوة، وكأنها فى معركة مع التتار الذين لا تربطهم بها نسب ولا قرابة…. المهم المال، والميراث، ولتذهب كل القيم إلى الجحيم، إن لم تكن قد ذهبت فعلا عند فطامها، شراسة وأنانية المتعلمة فى أرقى التخصصات والجامعات، بنت المدينة الراقية المودرن، تقابلها قيمة “الخصومة الشريفة” التى عُجنت بها طينة الصعيدى المتعلم على المصطبة، الذى شرب القيم من ثدى أمه، وليس من طباشير وزارة التربية، الخصومة الشريفة تلجم جماح نفس الصعيدى الفظ أحيانا، القاسى مع الجميع، العنيف مع كل من يقترب من ذاته، أو مصالحه، تلجمه قيمة إجتماعية ترتقى إلى أن تكون دينا، وهى فى الحقيقة ثقافة صنعها الدين، إذا خاصمت فخاصم بشرف، وهى المعنى الثقافى للحديث النبوى الشريف الذى جعل من صفات المنافق أنه إذا خاصم فجر، ومن ثم فإن المؤمن إذا خاصم، يكون خصامه بشرف، ونبل. الخصومة الشريفة هى الإطار العرفى الذى حكم عادة “الثأر” فى الصعيد لقرون، ولا أعرف هل مازال يحكمها إلى اليوم؛ بعد أن أبتلى الصعيد بالكهرباء والأسفلت، والخرسانة المسلحة، فتحول الصعيد ماديا إلى ما يشبه المدن، ومن المؤكد أن قيمه قد تحولت، ولم تعد كما كانت، فلكل شئ بثمن، ويستحيل أن نأخذ الظواهر المادية من الحداثة دون أن نأخذ محتواها، وقيمها خصوصا السيء منها لأننا نأخذ بصورة غرائزية، وبدون وعى أو فهم. كان الثأر فى الصعيد يأخذ عشرات السنين حتى ينال أهل المقتول من القاتل رغم التجاور فى السكن، والزراعة، وكل أبعاد الحياة.. لماذا؟.. لانها كانت خصومة شريفة، وإذا لم يؤخذ الثأر بشرف لا يحتسب ثأرا…ولكن كيف؟ كان من من نواقض الشرف أن تقتل خصمك وهو فى عزاء، أو فى تشييع جنازة، أو فى فرح، أو بصحبة إمراة أو طفل، أو بصحبة ضيف، أو فى صحبة اشخاص من غير أقاربه، ولا تقتله من ظهره، ولابد من المواجهة…إلخ، الشرف فى الخصومة حمى هذه المجتمعات من الفوضى والعنف الموجود حاليا بأسم الإسلام فى كل مكان فى العالم العربي، عنف بلا شرف، خصومة أنذال، عديمى الأصل. فقدت مجتمعاتنا الخصومة الشريفة، وفقدت معنى الشرف والمروءة، تم ذلك باسم الدين، والدفاع عنه، والوطنية، والديمقراطية، والحرية، والكرامة، وكل القيم النبيلة، تحولت القيم السامية إلى مبرر انتهازى للفجور فى الخصومة، أصبحت كل القيم النبيلة أساسا تُبنى عليه مجتمعات من المنافقين، من أرازل البشر خلقا، وأسوأهم طباعا، تبرير الأعمال الانتحارية حتى ضد الأعداء ليس من الشرف فى الخصومة، أو النبل فى العداء، التفجيرات العشوائية لاتمت لشرف الخصومة، أو نبل الغاية بصلة….الخ بعد كل ذلك هل بقى فى تلك المجتمعات شرف أو نبل أو قيم من الأساس. وقد انحدر الحال حتى صار انعدام الشرف فى الخصومة هو النظام العام، وهو البطولة، وهو الوطنية، وهو الدفاع عن الثورة، أو الدفاع عن الشرعية، أو حتى الدفاع عن الشريعة، جيوش من عديمى الشرف يقودون المجتمعات العربية نحو الهاوية، من على الفضائيات، وفى أروقة الأحزاب السياسية، والجماعات الدينية، والتنظيمات الإرهابية، جميعهم يتقاتلون بدون شرف، بصورة كانت توصف، حتى وقت قريب، بخناقة “العوالم”، أى خناقة بين راقصات، لا يُراعى فيها شرف، ولا قيم، ولا حدود، ولا مكان فيها لكلمة «عيب» أو «مايصحش». الفضائيات الخاصة المصرية، وأحيانا الحكومية، وشبكة الجزيرة، أصبحت جميعها نموذجا لانعدام الشرف فى الخصومة، أصبحت جميعها من فصيلة «عوالم شارع محمد على»، تفعل ما يحلو لها، وتقول ما تظن أنه يحقق مصالحها، أويضعف خصمها، بغض النظر عن أى إطار أخلاقى أو قيمي، وبغض النظر عن أبسط القيم كالصدق، وأمانة النقل، ومراعاة حرمة الأشخاص وخصوصيتهم. انعدام الشرف فى الخصومة أصبح كارثة تهدد المجتمعات العربية، ومعدومى الشرف الذين ينخرطون فى هذه الصراعات، والخصومات لا يدركون أنهم يدمرون ثقافتهم، ومجتمعاتهم، والأجيال قادمة، التى لن تعرف حدودا، ولن ترى للقيم معنى، لان التربية على القيم تتم بالمعايشة، والمشاهدة، والملاحظة، وليس بالوعظ، والتلقين، أو بالقراءة، أو بأى وسيلة أخرى. منذ سنين كنت فى مكان عام، ورأيت شابا يسير متبخترا برشاقته، وجمال قوامه، وخلفه امرأته تحمل حقيبة ثقيلة تكاد تقصف ظهرها، وذلك النطع يسير أمامها فارغ اليدين، فمن شدة غضبى قلت “ والله إنك عديم المروءة، وكانت بجوارى طفلة… فسألتني… إيه هى المروءة؟ … ولأول مرة وجدتنى عاجزا عن تعريف مفهوم بسيط جداً، وأخذت ألف وأدور، وأضرب أمثلة، وأنا غير مقتنع بما أقول… وفكرت فى الأمر ملياً، فوجدت أن المروءة من المفاهيم التى تغرس فى النفس بالمعايشة، والمشاهدة، والتجربة، وليس بالتعليم والتعريف، فأين مروءة العرب مع حرائر سوريا، هناك من يتطوع لمساعدتهم ماليا مقابل زواج أقرب إلى استرقاق الحرائر؟… وأين شرف المصريين فى الخصومة؟ لقد تحول بعضهم إلى «عوالم شارع محمد على» للأسف الشديد، إننا أمة فى طريقها لفقدان كل ما يربطها باسمها أو ماضيها، سنتحول إلى حثالة البشرية مالم يتدارك العقلاء الموقف، ويطردوا البوم والغربان من الفضائيات أو يغلقوا الكثير منها. لمزيد من مقالات د. نصر محمد عارف