رأس الأفعى: "الأواصر الممزقة".. تشريح لسقوط "الحصن" الإخواني وبداية النهاية الوجودية    الذهب يواصل ارتفاعاته الصاروخية.. وعيار 21 يلامس 7 آلاف جنيه    بين الردع والتصعيد، ترامب يطرح أسباب شن هجوم محتمل على إيران في خطاب حالة الاتحاد    تحطم طائرة تركية من طراز إف-16 ومصرع قائدها في باليكسير    تشكيل ريال مدريد المتوقع أمام بنفيكا في دوري أبطال أوروبا    حالة المرور اليوم في القاهرة الكبرى، سيولة بالمحاور الرئيسية وتباطؤ الحركة ببعض المناطق    شديد البرودة.. الأرصاد تكشف تفاصيل طقس اليوم    انفجار قوي يهز مدينة بندر عباس الإيرانية وانقطاع واسع للكهرباء    إخماد حريق داخل منزل فى كرداسة دون إصابات    نظر محاكمة 25 متهما بخلية الظاهر.. اليوم    بشرى: المرأة قوية ولا تنتظر رجلًا ليقرر استقرارها    ترامب: يجب أن أحظى بولاية رئاسية ثالثة    تصريح صادم من «ترامب» حول العاصمة الأمريكية: «خالية من الجريمة»    نقل ملك النرويج هارالد الخامس إلى المستشفى خلال عطلته في إسبانيا    موعد عرض الحلقة 8 من مسلسل علي كلاي والقنوات الناقلة    ليبيا تطلق مشروع "NC-7" العملاق لتعزيز أمن الطاقة ودعم صادرات الغاز    يارا السكري: مبحسش إني قلقانة على نفسي وأنا بشتغل مع أحمد العوضي    يارا السكري: مشهد "موت أيمن" في "علي كلاي" الأصعب بالنسبة لي    "فن الحرب" الحلقة 7.. ريم مصطفى تجبر زوجها على إشراك كمال أبو رية في مشروعها    حقيقة وجود صفقة مقايضة "البحر الأحمر والسد الاثيوبي"| مصدر يكشف    إدارة الأهلي تتحرك مبكرًا لصفقات الموسم الجديد قبل انطلاق الميركاتو الصيفي    «ترامب» يتباهى بنجاح الاقتصاد الأمريكي: التضخم تحت السيطرة    ترامب: إدارتي نجحت في خفض أسعار البنزين والعقارات    في خطاب حالة الاتحاد.. ترامب: أمريكا باتت أقوى وأكثر هيبة    30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة - الإسكندرية».. الأربعاء 25 فبراير 2026    إنعام كجه جي تحاور المطربة العراقية سليمة مراد    حكم إلزام الطفل بصيام رمضان.. وما السن الواجبة لأداء الفرض؟    رغيف واحد أفضل من عبادة سبعين عامًا.. قصة من أسرار الصدقة    علاج حساسية الجيوب الأنفية.. خطوات فعالة للتخلص من الاحتقان والصداع بشكل آمن    بشرى: بيتي مستقر من غير رجل.. ووالد أولادي شخص محترم    مع سابع أيام رمضان.. موعد أذان الفجر اليوم الأربعاء 25فبراير 2026 في المنيا    21 طنًا حصيلة الحصاد بمزرعة المنزلة.. جهاز حماية وتنمية البحيرات يوسع تطبيق نظام الاستزراع عالي الكثافة    16.2 مليون مواطن استفادوا من مبادرة الكشف المبكر عن الأورام السرطانية ضمن «100 مليون صحة»    رجيم إنقاص الوزن في رمضان.. خطة متوازنة لخسارة الدهون دون حرمان    طريقة عمل البيض بالخضراوات لسحور صحي ولذيذ    محافظ المنوفية يشدد على سرعة إنجاز المشروعات وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين    أسرة عبد الرحيم علي في ضيافة نشأت الديهي.. عبد الرحيم علي: نجاحاتي جعلتني هدفًا للمتربصين وحملات التشويه.. وداليا عبد الرحيم: والدي يمتلك حجرات في قلبه لكل واحدة منا    أمين البحوث الإسلامية يهنئ أحمد الطيب بالموافقة على إنشاء كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بالقاهرة    الأندية المتأهلة رسميا إلى ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا    من الميكروباص إلى موقع العمل.. بشرى تروي 3 وقائع تحرش لا تنساها    بمشاركة كريم أحمد.. منتخب الشباب يتعادل أمام العراق استعدادا لتصفيات أمم إفريقيا    فرقة ناشد.. حكاية أول فريق مصري لكرة القدم تأسس عام 1895 وأبرز لاعبيه    كبار القراء ونجوم دولة التلاوة يحيون سابع ليالي رمضان بتلاوات ندية وابتهالات روحانية عطرة    الداخلية تكشف ملابسات واقعة تحرش لفظي بسيدة في الجيزة    10 كلاب يفترسون صغير في دمنهور.. وأسرته: نجا بأعجوبة    محافظ الوادي الجديد تعقد لقاءً جماهيريًا مع أهالي قرى الشركة بمركز الخارجة    بعد تألقه في مسلسل فن الحرب.. إشادات واسعة بأداء إسلام إبراهيم    منتخب مصر للكرة النسائية يواجه الجزائر وديًا    أخبار مصر اليوم: أخر فرصة للحصول على دعم ال400 جنيه للفئات المستحقة للمنحة، ضبط 770 كيلو دواجن منتهية الصلاحية الصلاحية بالقليوبية، الصحة تستهدف إنشاء 440 وحدة للسكتة الدماغية، حالة الطقس غدا    النائب العام يجتمع بأعضاء النيابة العامة فى حفل إفطار رمضان    قرار جديد من النيابة في واقعة تعدى عامل على والدته بالإسكندرية    اليوم.. لجنة الدراما بالأعلى للإعلام تناقش دراما الأسبوع الأول من رمضان.. وتصدر تقريرها الأول    معتمد جمال: حاربنا لإعتلاء صدارة الدورى.. والزمالك يضم أفضل لاعبى أفريقيا    حرس الحدود يفوز علي إنبي بالدوري    وكيل وزارة الصحة بشمال سيناء يستكمل جولاته التفقدية ببئر العبد    سوزان القليني نائبًا لرئيس مجلس أمناء جامعة عين شمس الأهلية (بروفايل)    تفاصيل إطلاق مبادرة أبواب الخير لدعم الفئات الأولى بالرعاية خلال رمضان    اللواء دكتور خالد فودة رئيسًا لمجلس أمناء جامعة مدينة السادات الأهلية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ملفات غائبة .. فى قضايا شائكة
نشر في الأهرام اليومي يوم 14 - 09 - 2014

حين خرج المصريون يحملون تحويشة العمر وأودعوا ستة بلايين جنيه فى البنوك لصالح مشروع قناة السويس الجديد فهذه شهادة تاريخية لشعب عظيم..لقد اودع المصريون هذا المبلغ خلال عشر ساعات فقط..ورغم انقطاع الكهرباء وتوقف المواصلات وخطوط المترو تركوا كل شيء واندفعوا نحو البنوك ليؤكدوا ولاءهم لهذا الوطن..وحين خرج هؤلاء بالملايين يوم 30 يونيه واسقطوا بدعم من جيشهم العظيم حكم الإخوان فقد أكدوا للعالم أنهم شعب لا يقبل الفشل ولا يرضى الاستكانة
..وحين اختاروا عبد الفتاح السيسى رئيسا لهم فقد كان ذلك لرغبتهم في الأمن والاستقرار والحياة الكريمة..وحين خرجوا أفواجا من اجل دستور جديد فقد كان ذلك تأكيدا لحقهم في الحرية والعدالة..ومع هذا كله كان قبول المواطن المصري بقرارات إلغاء الدعم على عدد من السلع الأساسية من اجل دعم الحكومة في مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة..هذه كلها مواقف تحسب للمواطن المصري البسيط الفقير الذي ذهب إلى البنك يودع تحويشة عمره .كما ذهب إلى صندوق الانتخابات ليؤكد حقوقه وخرج في المظاهرات لأنه يرفض الفشل وتحمل الإرهاب ومات في سبيل وطنه إيمانا بأنه ينتمي لوطن عظيم .إذا كان الشعب قد قدم هذا كله وهو على استعداد لأن يقبل المزيد ويقدم الأكثر إلا أن هناك مجموعة تساؤلات ينبغي أن نجد لها إجابة ..
أولا: أين الحكومة من السادة الهاربين بأموال هذا الشعب وهم يتسكعون في مقاهي أوروبا وينفقون الملايين من الدولارات كل يوم على الليالي الحمراء والخضراء ويسكنون القصور والمنتجعات؟!..لقد قامت ثورة يناير وطالبت باسترجاع أموال الشعب وهرب من هرب وأقام من أقام ولم يستطع المجلس العسكري أن يعيد شيئا من الأموال الهاربة وفشلت جميع الحكومات في استرداد مال الشعب فأين هؤلاء من برامج الحكومة الحالية وما هو السبب في إغلاق هذه الملفات وإذا كنا نتحدث عن المليارات المطلوبة للكهرباء والصرف الصحي والتعليم والصحة فأين هؤلاء من هذه الأموال..إن عشرة أشخاص من الهاربين بالبلايين لديهم ثروات منهوبة يمكن أن تعيد التوازن لميزانية الدولة..ولماذا أغلقت جميع الحكومات هذا الملف..إما أن هؤلاء الهاربين نهبوا أموال الشعب او أنهم أبرياء..والمطلوب ليس نشر الفضائح أو إذاعة التسجيلات ولكن المطلوب هو كشف الحقائق وأين ذهبت أموال هذا الشعب وكيف يمكن استردادها ..
ثانيا : إن ديون مصر تقترب من تريليون و700 مليار جنيه والمطلوب الآن من الحكومة أن تقول لنا ما هي المجالات التي ذهبت إليها هذه الأموال الضخمة؟! ..هل هي البنية الأساسية كما قيل لنا يوما..هل هي الكهرباء المتهالكة . الآن نحتاج إلى تحقيقات قضائية وفنية لأننا امام صفقات مشبوهة.. من الذي استورد هذه الشبكات ما هو عمرها الافتراضي وكيف تهالكت بهذه السرعة أم انها كانت معدات مستهلكة؟!.. وماذا عن المواصلات وعربات السكة الحديد الفاسدة والمخربة وما هي العمولات التي تحصلت عليها؟!..وماذا عن المستشفيات وأجهزتها الفاسدة..وماذا عن الكباري التي تهاوت وسقطت قبل استخدامها..إننا نحلم بالمستقبل الذي نبنيه ولكن ينبغي أن يكون هناك حساب عسير لكل من افسد هذا البلد..إذا كانت وزارة الكهرباء والحكومة تراجع الآن مستوى الأداء فى الشبكات وتقول ان هناك أخطاء وجرائم في الإنشاء فيجب أن نحاسب المجرمين حتى لوا أخرجناهم من قبورهم.
أعود بعد ذلك إلى قضية الديون وهذه الأرقام المخيفة التي تراكمت على الأجيال القادمة..وهنا أتساءل اليست هناك طريقة لمراجعة هذه الأرقام المخيفة.. أليست هناك وسيلة للتفاوض مع الأطراف الدولية في حجم هذه الديون بما تحملته من الفوائد والعمولات والسلع الفاسدة والمعدات المتهالكة والنظام الفاسد الذي فرض على الشعب كل هذه الأعباء . لماذا لا تلجأ مصر إلى المنظمات الاقتصادية الدولية لإعادة النظر في هذه الديون في أصولها وفوائدها والأعباء الضخمة التي يتحملها الشعب في عمليات السداد..إذا كنا أمام ديون لحكومات فاسدة وقروض معدات ومنشآت تهاوت فكيف نسكت على ذلك كله؟! اذا كانت هناك شبكات كهربائية تهاوت قبل عمرها الافتراضي..أو كباري سقطت.. وكلها عبارة عن ديون وعمولات فلماذا لا ترجع الحكومة على هذه العصابات وتطالب بإسقاط الديون بل طلب التعويضات عن هذه الخسائر. ان ملف الديون من الملفات الخطيرة التي ينبغي التفاوض حولها وهناك سوابق دولية في ذلك كما حدث مع البرازيل والأرجنتين واليونان بل أن مصر أسقطت 28مليار دولار في حرب الخليج.
ثالثا : مازلت أرى أن رجال الأعمال لم يكونوا على مستوى المسئولية في هذه اللحظة التاريخية الصعبة لقد تصور الكثيرون منهم ان صندوق “ تحيا مصر” الذى اعلنه الرئيس السيسى صندوق للتبرعات وهذا فهم خاطئ لأن هذا صندوق للواجبات التي تفرضها ثوابت الوطنية والإخلاص لهذا الوطن..إن حجم الأموال التي ذهبت إلى هذا الصندوق لا تتناسب إطلاقا مع ما قدمته مصر وشعبها لرجال الأعمال سواء كان مالا حلالا أم حراما..ليس هذا وقت الإدانة أو الحساب ولكنه وقت المواقف والإرادة وإذا كان الشعب المصري قد دفع ستة بلايين جنيه في يوم واحد فقد كنت أتصور ان يكون صندوق تحيا مصر قد تخطى الرقم الذي طلبه الرئيس السيسى وهو 100 مليار جنيه..ان 100 مليار جنيه تعادل 15 مليار دولار وهو رقم في حسابات عدد قليل من رجال الأعمال وكبار المسئولين المصريين في البنوك الخارجية.. أين صفقات الأراضي وبيع القطاع العام والسياحة في عصرها الذهبي وعمولات الديون واستيراد السلع الغذائية القمح والزيوت وأين تجارة العقارات في ثلاثين عاما أين هذا كله من هذا الرقم الهزيل الذي طلبه رئيس الدولة .. إن الخطأ الفادح أن نجعل من صندوق تحيا مصر صندوقا لجمع التبرعات ونتصور أن من يقدم شيئا فهو متفضل على هذا الشعب لأن المئات من أثرياء مصر لم يكن لديهم شئ على الإطلاق ويجب أن يردوا للشعب حقه فيما جمعوه من الأموال.
رابعا : أمام الحكومة أعباء رهيبة لا تستطيع تحت أي ظرف توفيرها .. ولقد اكتشفنا أننا أمام مؤسسات متهاوية في الوقت الذي صور البعض فيه أننا أمام دولة حديثة بكل ما فيها من المنشآت والمؤسسات والخدمات واكتشفنا ان الكهرباء تحتاج إلى 130 مليار جنيه لاستكمال منشآتها.. فماذا نحتاج أمام 4500 قرية تغطى المجارى فيها 20% فقط ومن أين تأتى 80% وأين مشروعات المجارى والصرف الصحي التي أنفقت عليها الحكومات السابقة آلاف الملايين .. وأين المعونات الخارجية التي قدمتها الدول الأوروبية والعربية .. كم نحتاج الآن لإنشاء المدارس وتجديد المستشفيات والطرق والكباري والمواصلات..إن السيسى يعيد إنشاء دولة جديدة بكل منشآتها بعد ان اكتشفنا إننا نعيش في دولة من العصور الوسطى .. فمن اين يأتى بكل هذه الاموال إذا لم يجد شعبا يسانده ويقف معه.
إذا كنا ننظر للمستقبل ونعيد بناء وطن على اطلال تركتها عصابة فلابد ان يكون هناك حساب عسير لهذه العصابة .. إن مصر لكي تنطلق نحو المستقبل لابد أن تفتح ملفات الماضي لأنها جراح لن تلتئم إلا إذا قامت على علاج سليم حتى لا يفسد الجرح ولا يبرأ المريض.
خامسا : نأتي إلى فريق لا اشك لحظة انه سيقدم لمصر كل ما لديه وقد قدم الكثير وهم المصريون في الخارج .. إن حجم التحويلات المالية التي قام بها المصريون في الخارج تجاوزت رقم 18 مليار دولار سنويا اى ما يزيد على 120 مليار جنيه والمصريون فى الخارج ليسوا فقط أموال يتم تحويلها ولكنها الكفاءات والقدرات المصرية التي كانت دائما تاجا يزين هذا الشعب..نحن أحوج ما نكون إلى هذه القدرات وربما كان إنشاء المجلس العلمي الرئاسي اكبر تأكيد على ذلك لأنه يضم عددا من أبناء مصر في الخارج..والمطلوب الآن أن نفتح لهم المجالات داخل مصر كي يشاركوا بخبراتهم وتميزهم في بناء مصر الحديثة ..
إنني اقدر كثيرا جهد الحكومة في مواجهة المشاكل والأزمات واقدر إصرار الرئيس عبد الفتاح السيسى أن يحمل مصر إلى المستقبل من خلال الفكر الواعي والجهد الخلاق والإيمان بهذا الوطن ولكن لا ينبغي أبدا أن نفرط فى حق هذا الشعب في استرداد حقوقه ابتداء بأمواله الهاربة وانتهاء بالديون الثقيلة التي ستكون عبئا على أجيال قادمة..إن بناء قناة السويس الجديدة وموقف الشعب العظيم مع قيادته لا يتعارض أبدا مع حقه فى استرداد أمواله الهاربة أو البحث عن طريق عادل لإسقاط جزء من ديونه التي تراكمت في عهود الفوضى والفساد وهنا يحب فتح هذه الملفات وهذا لا يتعارض مع النظر نحو المستقبل..إن إغلاق هذه الملفات أو تجاهلها يضع علامات استفهام كثيرة النظام الجديد في حل منها وينبغي إلا يتحمل مسئوليتها..حين يقال إن شبكات الكهرباء تهالكت قبل عمرها الافتراضي فيجب أن يكون السؤال وأين المسئولون عنها..وحين يقال إن صندوق تحيا مصر لم يحقق المطلوب منه فيجب ان يكون السؤال لسنا أمام تبرعات للوطن ولكنه واجبات ومطالب ومسئولية..وحين يقدم الفقراء ستة بلايين جنيه في أول يوم نفتح بيع شهادات قناة السويس فيجب أن نسأل الأغنياء..أين انتم .
إن الوطن ليس فندقا نعيش فيه ثم نأخذ اشياءنا ونرحل..
شهادة ولاء وصدق قدمها المصريون لمصر الغالية .. 37 مليار جنيه فى أسبوع واحد لقناة السويس الجديدة .. هل هناك حب أكثر من هذا؟!.

..ويبقى الشعر
وقلنَا كثيرًا
وكانَ المسَاء حزينًا حزينًا
وَطافتْ عَلى الصَّمْت كلُّ الحكايَا
سنونٌ تخفَّتْ وَرَاءَ السَّنينَ
وَمَازالَ قلبىَ طفَلا ً بريئًا
يُحدِّقُ فيك ِ.. وَيَحْبُو إليْك
كأنّى عَلى الأمْس ماتتْ خُطايَا
تغيَّرتِ الأرْضُ فى كلِّ شىْءٍ
وَمَا زلت أنْت
نقوشًا على العُمْر
وشْمًا على القلْبِ
ضوءًا على العيْن
مَا زلتِ أنتِ بَكارة َعُمْرى .. شَذا منْ صبَايَا
رأينَا الليَالى علَى رَاحَتينَا
رمادًا منَ الشَّوْق طيْفًا بَعيدا
يثورُ وَيَهْدَأ.. بَيْنَ الحنايَا
فعطرُكِ هذا الذى كانَ يَأتِى .. وَيَسْرقُ نوْمى
وشعرُك هَذا الذى كان يَهْفو .. ويسْفكُ دَمِّى
وَصَوتُكِ هذا الذى كانَ يَخْبُو..فأشْقى بهمِّى
وقلنا كثيرًا ..
وأحْسَسْتُ أن الزَّمَانَ الذى ضَاعَ منَّا
تَجَمّع فِى العَيْن حَبَّاتِ دَمْع ٍ..
وأصْبَحَ نهْرًا منَ الحزْن يجْرى
يسُدُّ الطريقْ ..
وأنَّ الدُّمُوعَ التى فى المآقِى
غدتْ فى عُيُونكِ أطيافَ ضوْءٍ
وصارتْ بقلبى .. بقايَا حَريقْ
أكادُ أعانقُ عَيْنيكِ شوْقًا .. وأنتِ أمَامى
وبيْنى وَبيَنك دَرْبٌ طويلٌ
وخلفَ المسَافاتِ .. جرْحٌ عميقْ
وأحْسَسْتُ أنى لأول يَوْم ٍ رجعْتُ ..
أردِّدُ بَعْض الحُروف
وَعَادَ لسَانىَ يَحْبُو قليلا ً.. وينطقُ شيئًا
فمنذ ُ سنينَ .. نسيتُ الكلامْ
وقلنَا كثيرًا ..
وأحْسَسْتُ أنك حينَ ذهَبْتِ
أخْذتِ من العُمْر كلَّ البريقْ
فلمْ يبقَ فى العُمْر غيْرُ الصَّدَأ
وأنَّ دَمِى تاهَ بَيْنَ العُروق ..
وخاصَمَ نَبْضِى..
ومَاذا سَيْفْعَلُ نبضُ غريقْ ؟
وأحسسْتُ أنكِ يوْم ارتحَلتِ
أخذت مَفاتيح قلْبى
فمَا عَادَ يهْفو لطيفٍ سواكِ
ومًا عادً يسمعٌ إلا ندَاك
وأنَّك حينَ ارتَحَلْت
سَرَقْت تعاويذ عُمْرى
فصَارَ مُبَاحًا .. وَصَارَ مشاعًا
وأنىَ بعدَك بعتُ الليَالى
وفى كلِّ يَوْم ٍ يدورُ المزادْ
أبيعُ الحنينَ .. أبيعُ السنينَ
وأرجعُ وحْدى .. وبعضى رمادْ
وأنى أصْبحتُ طفْلا صغيرًا
تشرَّد عُمْرًا
وَصارَ لقيطًا على كلِّ بَيْتٍ
وَصارَ مشاعًا على كلِّ صَدْر
وَصارَ خطيئة عُمْر جَبَانْ
وأحْسستُ أنِّى تعلمْتُ بَعْدكِ
زيفَ الحديثِ .. وزيْفَ المشَاعرْ
تساوَتْ على العيْن كلُّ الوُجُوه
وكلُّ العُيُون .. وكلُّ الضفائرْ
تسَاوَى على العين لونُ الوفاءِ ..
وزيفُ النقاءِ ..
ودمُّ الضحايَا .. ودمُّ السَّجائرْ
تساوتْ على القلبِ كل الحكايَا
وقلنا كثيرًا
وعدتُ أفتشُ فى مُقلتيْكِ
وألقِى رحَالى على شاطئيك
وأبحرتُ .. أبحرْتُ فى مقلتيك
لعلى أرَى خلف هَذى الشواطِىء
وَجْهى القديمَ الذى ضاعَ منِّى ..
وفتشتُ عنْهُ السنينَ الطوالْ
لقدْ ضاعَ منى منذ ارتحَلتِ
رأيتكِ وَجْهى الذى ضاعَ يومًا
بنفس الملامح .. نفس البراءِة
نفْس البكارة ِ.. نفس ِالسؤالْ
وقلنا كثيرًا .. وعنْدَ الصَّبَاح
رأيتُكِ فى الضوْءِ ذرَّات شوق ٍ
أبتْ أنْ تضيعْ
لمحتكِ فى الصبح أيام طهر ٍ
تراجَعَ فيها نداء الخطايَا ..
وزهرة ُعمر أبتْ أن تزفَّ لغيْر الرَّبيعْ
فمَا زلتِ أنتِ الزمانَ الجميلْ
وكانَ الودَاعُ هو المستحيلْ
فيا شهْرَزادُ التى فارقْتنى
وألقتْ على الصُّبح بَعْض الرَّمادْ
ترى هل قنعْتِ بطيفِ الحكايَا ؟
ترَى هلْ سَئمتِ الحديثَ المعَادْ ؟
وقلنا كثيرًا .. وعندَ الصَّبَاح
رجعتُ وَحيدا ألملمُ بعْضى
وأجمعُ وجْهًا تناثر منِّى
وفوقَ المقاعِدِ تجْرى دمَايَا
وعدْتُ أسائلُ عنكِ المقاهِى
وأسألُ رُواد هذا المكانْ
فيصفع وجهى حزن كئيب ..
ولم يبق فى الصمت إلا ندايا
فما زال عطرك فى كل شىء
وما زال وجهك خلف الجدار
وبين المقاعد .. فوق المرايا
ترى كان حلما ؟
على كل ركن تئن البقايا
فما كنت أنت سوى شهرزاد
وما كان عمرى .. غير الحكايا
قصيدة "ما بعد الليلة الأخيرة " سنة 1990

لمزيد من مقالات فاروق جويدة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.