مائة عام على اندلاع الحرب العالمية الاولى واكثر من عقدين على نهاية حروب البلقان، ومازالت البوسنة مهد اندلاع هذه الحرب، تعيش جدلا من نوع خاص حول الشخص الذى كان السبب فى نشوب أول صراع بين القوى العظمى فى تلك الفترة وهو الشاب الصربى ذو التوجهات القومية "جافيرلو برنسيب" الذى أطلق النار على الارشيدوق فرانز فيردناند ولى عهد امبراطورية النمسا والمجر آنذاك وزوجته وإرداهما قتيلين فى أحد شوارع سراييفو، لتدخل القارة الاوروبية بعد هذه الحادثة بخمسة أسابيع حربا شرسة استمرت أربعة أعوام و أسفرت عن مصرع واصابة الملايين. ذلك انه فى الوقت الذى خصص فيه الاتحاد الأوروبى دعما ماديا لتمويل نشاطات ثقافية ورياضية متنوعة بدات منذ الثامن والعشرين من الشهر الماضى وتستمر لمدة أسبوعين، ويكون السلام محورها ومضمونها، فإن الوضع لدى صرب البوسنة بدا مختلفا الى حد كبير، بعد أن اختار هؤلاء مقاطعة الاحتفالات الرسمية، وتفضيل احتفالاتهم الخاصة بهذه المناسبة، الأمر الذى أوضح بجلاء أن التوترات العرقية مازالت قائمة، وأن الجروح التى خلفتها حرب البلقان خلال تسعينيات القرن الماضى لم تندمل بعد لدى سكان هذا الجزء من القارة الاوروبية الذى كان دائما محلا للصراع العرقى والدينى بين المسلمين والصرب والكروات رغم مرور هذه المدة. هذه التناقضات ظهرت جلية واضحة فى رؤية كل طرف لما فعله برنسيب، فبينما يعتبره البوسنيون مجرد شخص إرهابى ارتكب جريمته بدافع قومى عرقى وورط العالم فى حرب ضروس دفع الجميع ثمنها غاليا، فإنه على العكس من ذلك تماما لدى الصرب، فهو من وجهة نظرهم بطل قومى صربى رفض الانصياع للاستعمار وقبوله واتخذ قرارا جرئيا بمواجهته. ومن هذا المنطلق كانت المقاطعة الصربية المعلنة للاحتفالات الرسمية فى الذكرى المئوية الاولى لاندلاع الحرب العالمية الاولى، كما كان الاصرار على الاشادة ب «البطل الصربى» من وجهة نظرهم، وعلى الاحتفال بهذه المناسبة فى مدينة فيزيجراد الواقعة شرق البوسنة، وهى الاحتفالية التى تجمع فيها المئات من الصرب وصرب البوسنة، واشاد فيها الحاضرون وفى مقدمتهم المخرج البوسنى المعروف أمير كوستوريكا أعلن انتمائه للصرب الارثوذوكس رغم أصوله البوسنية المسلمة خلال فترة النزاع بالبطل ورصاصاته التى أطلقها من أجل الحرية ولم تكن موجهه ضد أوروبا، مؤكدين أنهم لن يلتفتوا لمن يسعون جاهدين لتشويه التاريخ أو اجبارهم على نسيانه. وخلال الاحتفالية تم ازاحة الستار عن لوحة موزاييك لبرنسيب وخلفه مجموعة من رفاقه من أعضاء احدى الحركات الثورية من القوميين الصرب فضلا عن القاء الخطب لتكريمه. وهنا يشير المحللون إلى أن الاحتفالية وما صاحبها من جدل ليست هى القضية الاساسية، ولكن الأهم هو ما كشفت عنه من أن المشاعر القومية التى طالما جعلت من البوسنة مهدا للصراعات سواء أوائل القرن الماضى أو قرب نهايته مازالت قائمة وبشدة، ومن هنا كان الشعور أن شبح برنسيب مازال يهدد هذا التعايش بين القوميات الثلاث الصربية والكرواتية والمسلمة، رغم الحديث الإعلامى المتكرر من منظمى الاحتفال بأن الذكرى ربما تكون البداية لاقناع فرقاء الوطن بفوائد المشاركة فى الحياة السياسية بعيدا عن حالة الاستقطاب الحادة التى اصبحت السمة الواضحة للبوسنة منذ توقيع اتفاقية دايتون للسلام عام 1995، وهو الاستقطاب الذى لعب دورا فى تأخر البوسنة عن اللحاق بركب جارتها كرواتيا التى حصلت بالفعل على عضوية الاتحاد الاوروبى، بينما مازال الاقتصاد البوسنى يعانى من مشاكل واضحة، فمازال معدل البطالة لدى الشباب يقارب ال 50% ومازال الاقتصاد متراجعا بنحو 20% عما كان عليه الوضع قبل اندلاع الحرب مع صربيا عام 1992، وما زال مئات الآلاف من اللاجئين البوسنيين متفرقين فى أنحاء القارة بينما لم تتخلص بعض مناطق البلاد حتى الآن من أثار الدمار والقصف بعد ان تأخر اعادة اعمارها. هذا الجدل حول الماضى كان دافعا لهؤلاء القوميين المتشددين وفى مقدمتهم أمير كوستوريكا للدفاع عما قام به برنسيب رغم مرور قرن كامل، ومنطقهم فى ذلك أن الاغتيالات السياسية دائما ما كانت محركا للتاريخ، متهمين المجتمع الغربى بالنفاق، لانه مازال يدين اغتيال وريث الامبراطورية النمساوية المجرية، بينما على الجانب الآخر سكت وأيد بشكل مستتر اعدام صدام حسين ومقتل معمر القذافى. وأيا ما كان الامر فإنه رغم تشاؤم البعض من أن ما يحدث فى البوسنة حاليا من مشاحنات يشبه الى حد كبير ما حدث فى بدايات القرن العشرين وهو ما يعنى أن البوسنة لم تتحرك للأمام خطوة واحدة رغم كل ما عانته، الا أن هناك على الجانب الآخر من يرى أن البوسنيين على اختلاف انتماءاتهم العرقية فى سبيلهم لتجاوز هذا الماضى المؤسف وأن المشكلة لاتكمن فيهم ولكن فى السياسيين ممن يتصدرون المشهد ويعطلون بسبب ضيق أفقهم ومصالحهم السياسية أى تطور نحو المستقبل.