صدق من قال إن من البيان لسحرا، لقد صال الديب وجال وحلق في السماء، ممتطيا جواد البلاغة هذه المرة، ضاربا بكل معاني المنطق والعقل والفلسفة عرض الحائط، معتمدا علي تأثير كلماته الرنانة، بغض النظر عن صدقها من عدمه، المهم أنها رنانة، للدرجة التي وصف فيها الريس السابق، بالنسر الجريح، ولم لا؟ فالرجل لم يصدر أمرا بقتل من نادوا بالحرية، بل هم من أصدروا القرار! كما أنه لم يأمر بفقأ عين من نادي بالعدالة الاجتماعية ، ولكنهم اصطدموا بأحد الأعمدة! ولا كان سببا في حرمان آباء وأمهات من فلذات أكبادهم، ويبدو أنهم انتحروا! وأنه أقصد النسر الجريح كان ينشد السلام مع المتظاهرين، ويمد لهم في كل لحظة يد العون كل العون لمن قرروا إيقاظه من سبات فاق 30 عاما، يجثم فوق الصدور والقلوب والحناجر، ولكنهم أقصد المتهمين معذرة أعني المتظاهرين فاقوا الحدود، ورفضوا كل الأيادي الممدودة لهم من النسر الجريح، فقد كانوا يتمتعون بالحرية وبالمساواة والعدالة، لدرجة أن كلا منهم متزوج، ولم يحدث عنوسة، بل كانوا يعيشون الرفاهية بعينها، ولما لم يدركوا النعم التي أعطاها لهم النسر، بدأوا في إطلاق الرصاص المطاطي والذخيرة الحية علي زبانية المخلوع، أقصد الجريح ولا أدري أي رصاصة غادرة سببت الجرح، لأنه من المعروف أن المتظاهرين أصابوا ضباطه وحاشيته بالقنابل المسيلة للدموع، وللأسف لم يكتفوا بذلك، بل جاءوا بالمصفحات لدهس الجنود والضباط، وطلبوا من شركائهم القناصة أن يصعدوا لأسطح المنازل ليصيبوا الضباط في التحرير! ما الذي يفعله الديب؟ ومن منا أنكر تاريخ من كا ن يوما الرئيس؟ من أنكر خدمته للوطن؟ من يفعل ذلك يكون قد أنكر خدماته التي امتدت ثلاثة عقود، مات فيها الأمل، وحل اليأس في الصدور، وأنهاها الرجل ببراعة يحسد عليها، ما بين قتل وفساد، وخراب للبلاد والعباد، ولا تنس من فضلك الاعتقال والدهس وفقأ العيون ، وبماذا نسمي إذن آباء الشهداء وأمهاتهم؟ أليس هؤلاء بمكلومين أم فقط مجروحون؟ أخشي أن يجئ يوم نحاكم فيه الثائرين، ونطالب باعتقالهم ولم لا؟ أليس هم من جرحوا وقتلوا وفجروا القنابل ودهسوا الجنود؟ وكانوا يمتلكون الأسلحة، والأجندات، ولم ينادوا بالسلمية ولا يحزنون، بل رأيناهم بأعيننا بمدرعاتهم يدخلون قصور الرئاسة، ويفجرون ما تبقي من جنود الأمن المركزي الأبرياء من دم كل مصاب وشهيد!! وليتهم اكتفوا بذلك سامحهم الله بل راحوا يعتقلون ضباطا في عمر الزهور، وزادوا في طغيانهم واختطفوا العادلي ومساعديه، دونما ذنب اقترفوه أرأيت يا صديقي ما الذي فعله االمتظاهرون ضد النسر الجريح والجنود والضباط المساكين؟ شئنا أم أبينا لم يكن هناك توريث، إنما ذلك كان من فعل خيالاتنا نحن، ومن عمل الشيطان الرجيم ، نسأل الله أن يطهرنا نحن المصريين من أعماله وتهيؤاته لعنة الله عليه، لقد وسوس إلي نفوسنا بأن هناك توريثا، فهل منا من يستطيع قراءة العبارات العبارات الآتية؟ صف شعورك بعد قراءتها : مبارك برئ، ومازال رئيسا للجمهورية، حل مجلس الشعب باطل، ولايملكه إلا رئيس الجمهورية، ثم قال الديب لا فض فوه: بعدم اختصاص محكمة الجنايات بمحاكمة مبارك، وكله بالقانون وبالمواد الدستورية. وماذا عمن قتلوا، ومن أبيدوا، ومن ملأت دماؤهم الطاهرة البلاد، ما الذي منعه من اتهامهم بالإرهاب مثلا، ولماذا لم يناد الديب بتطبيق قانون الطوارئ عليهم ومحاكمتهم علي ما قدموه لمصر من تضحيات؟ إن كان نسيهم، فالخيانة العظمي لنا نحن إن نسيناهم. يبدو أن الديب نسي أن هناك ثورة، اقتلعت الظلم والخنوع والمر، الذي سقانا إياه الجريح، ولك يا ديب حرية الدفاع كما يقول فقهاء الدستور، بل لك أن تنظم شعرا وتتغني بالنسر الجريح، ولكن تأكد أن ما تقوم به هو أقرب لإشعال فتنة، ولقد نسيت ضمن ما نسيته، أن الشعب والثورة هما من منحا المجلس العسكري صلاحية قيادة مصر في هذه الفترة، ورغم أن الدكتور مصطفي الفقي قال في أحد تصريحاته: إن نظرية الفراغ الأمني كانت أحد السيناريوهات المعدة للتطبيق في حال خلو مقعد الرئاسة لسبب أو لآخر، ليتولي جمال ويعيد الأمن، أقول رغم هذا التصريح المباشر من الفقي، وكان قريبا من الهيئة الرئاسية ومن الأحداث حينها، إلا أن الديب رأي أنه لم يكن هناك توريث ولا غيره، إنما هي أضغاث أحلام نعيشها نحن المصريين، وننسجها من وحي خيالنا، والدليل أن الرئيس السابق عين نائبا، وأجري انتخابات، ولم يقرر ترشيحه إلا ثلاثين عاما فقط!! إذن كانت لدينا فرص كثيرة، ولكننا لم نحسن استغلالها وأضعناها، بل كنا نضغط عليه دائما لتولي المنصب ويضطر آسفا لقبوله! لم يترك الرجل إذن أقصد الديب، شاردة ولا واردة، ولا أسلوبا مهاريا أو بلاغيا ، أقول لم يترك شيئا من هذا إلا وقام به خير قيام، إلي الدرجة التي قارن فيها بين موقف أهل مكة من النبي صلي الله عليه وسلم وموقفنا من المخلوع، ولا أدري في الحقيقة ما وجه المقارنة التي لا يستطيع أكثرنا خيالا أن يأتي بها ، لقد تناسي الرجل شيئا مهما جدا أنهم قضاة، وأن القاضي لا تخفي عليه أساليب البلاغة واللعب بالكلمات الثقال، وأن القاضي يحكم بما توافر لديه من أدلة، بغض النظر عن سلاسل البيان والبلاغة وروعة الخطاب غير الممنطق، الذي سار عليه بقصد الخداع والإيهام، وانتهت مرافعته، ويحسب أنه منتصر ونشوان! وله حرية القول فيما يذهب إليه، وكذلك نحن لنا حرية القول فيما نؤمن به،فهل اعتقد الديب أننا في مساجلة بلاغية في سوق عكاظ، وليسمح لي شاعرنا الكبير فاروق جويدة، أن اقتبس من قصيدته الجميلة، الصادقة التي مست القلب وحادثت العقل وتحاورت مع الوجدان ونقلت الواقع هانت علي الأهل الكرام دمانا بعض أبيات منها، لعلها تخرجنا من الوهم المصطنع الخادع، للحقيقة المشرقة، فهي تؤرخ إن جاز التعبير لكثير من الأحداث الحالية والسابقة دون زيف : هل تذكرون شبابنا وصبانا والأرض تحضن بالدموع دمانا؟ ونطوف في صخب الشوارع لا نري غير الرصاص علي المدي يلقانا وقذائف القناص تطفئ أعينا فيتيه بين جنوده نشوانا لم يرحم العين السجينة في الأسي رسم النهاية خسة وهوانا يلقي علينا النار وهي خجولة والنار ترحم بعضها أحيانا المزيد من مقالات أيمن عثمان