الهيئة الوطنية للانتخابات تعلن نتائج جولة الإعادة للمرحلة الأولى غدًا السبت    إنفوجراف جديد من السكك الحديد يبرز تطوير وتأهيل الجرارات القديمة وتحسين الخدمات    المشاط تعلن أبرز الجهود المبذولة لتطوير منظومتي التخطيط والمتابعة وفق منهجية «البرامج والأداء»    بترول فنزويلا.. و«الاحتلال عن بُعد»    باحث: الأوروبيين يراقبون عن كثب خطوات ترامب القادمة    حسن عصفور: واشنطن سعت لتنظيم موازٍ لمنظمة التحرير في التسعينات.. وحماس طالبت ب40% من مقاعدها    رئيس كولومبيا: ترامب كان يفكر في شن عملية عسكرية ضد بلادنا    عمرو الخياط يكتب: طاقة دعم    الشوط الأول| المغرب يضرب الكاميرون في ربع نهائي أمم أفريقيا 2025    ضبط مصنع بالإسكندرية يقوم بتقليد علامة تجارية ل بسكويت شهير    إصابة شخص في حادث انقلاب سيارة ملاكي بقنا    الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي| دولة التلاوة يحتفي بعمدة التلاوة في مصر    قنوات المتحدة تروج لدراما رمضان مستخدمة ال Ai    فقد البصر وأنعم الله عليه بالبصيرة.. شقيق متسابق يشعل الحلقة 17 من برنامج "دولة التلاوة"    "الزراعة" تستعرض أنشطة معامل ومعاهد مركز البحوث خلال الأسبوع الأول من يناير    لماذا غادر النور وجه سيدنا عبد الله بن عبد المطلب بعد زواجه؟.. عالم بالأوقاف يكشف كواليس انتقال سر النبوة    تداول صور مسربة من جلسة محاكمة فضل شاكر    يايا توريه يعلق على ارتداء سيمينيو قميصه مع مانشستر سيتي    عبدالسلام العوامي: استقرار الصومال صمام أمان للأمن القومي المصري والعربي    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    حسن عصفور يروي كيف غيّر عدوان 1967 وسفرية خاطئة غيرت حياته    البرلمان.. ومسئولية التشريع    دعاء لتسهيل الامتحانات.. كلمات تطمئن القلب وتفتح أبواب التوفيق    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    بعد تجاوز الأوقية 4500 دولار .. أسعار الذهب تواصل الصعود محلياً    مسلسلات رمضان 2026، عرض كلهم بيحبوا مودي ل ياسر جلال على شاشات المتحدة (فيديو)    كواليس مران الزمالك لمواجهة زد تحت قيادة معتمد جمال    يضم أهم مقتنياته وأعماله الفنية.. اليوم افتتاح متحف فاروق حسنى دعما للحركة الفنية المصرية    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    بجهود أبوريدة.. تسريع تأشيرة محمد حمدي للعلاج في ألمانيا بعد إصابته بالرباط الصليبي    تراجع العملات المشفرة مع ترقب بيانات سوق العمل الأمريكية    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    حالة وفاة و13 مصابا.. نائب محافظ المنيا يطمئن على مصابي حادث انقلاب ميكروباص بمستشفى الصدر    شريف عبد الفضيل: مستوى إبراهيم عادل مع المنتخب «متذبذب»    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    الحوافز المقدمة في إطار البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    هل تستطيع الولايات المتحدة شراء جرينلاند؟    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    حافظوا على وحدتكم    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشاعر المصر ابن عروس ليس مصريا وليس شاعرا 4
على النابى ومربعاته

سألت صديقى: حسن دنقل وهو ابن عم لشاعرنا أمل دنقل: هل سمعت برجل شاعر مربعات اسمه أحمد بن عروس؟ أجاب بالنفى ثم استطرد قائلا: «سمعت اسمه فى أثناء شجارك مع «بعضهم»، ولكن لن تجد فى صعيد مصر رجلا سمع بهذا الاسم أو ورد ذكره فى أمور «المربع» على الإطلاق.
أما إذا كان ثمة من أحد بزَّ فى التربيع فهو (على النابى) وهو من «قفط» ومازال أهله على قيد الحياة، ومنهم السيد «أبوالحسن بن على الجزار النائب البرلمانى المعروف»:
وكان على النابى ناظر زراعة ومسئولا عن أمور الزراعة والفلاحين ومال الدولة من «أبوطشت» فى شمال محافظة قنا حتى «إسنا» فى جنوبها، وكان معظم كلامه بالرمز ومن خلال المربعات، وما أقوله معروف فى سائر محافظة قنا التى تعد من أطول محافظات الجمهورية وكان تبعا لوظيفته يقطع مسافاتها وهو على صهوة جواده.
ومن حكاياته انه عندما ذهب إلى (جزيرة مطيرة) وجد فتاة كان لها باع طويل فى المربع، وأغلب الظن أنه ذهب إلى هناك ليحاورها ويختبر قدراتها. مرّ عليها فوجدها تزرع «لبّ بطيخ» أى بذر بطيخ فقال لها:
يابت.. ياحمرة الخد
يام العيون الرياشى
عاوزين «فرخ بطيخ» ع الكد(1)
نروى بيه العطاشى
والمعنى دفين تحت هذه الكلمات ويحمل أكبر من المعانى السطحية، ويحمل إيحاءات جنسية مقصودة للاختبار، إلا أن ابنة «جزيرة مطيرة» فهمت مارمى إليه الشاعر الفارس، فأجابته بنفس أسلوب المربعات قائلة:
يابو ركاب بيلمع كما البرق
ياللى كلامك ع الكل ماشى
جاها «طياب»(2) إزيب (3) من الشرق
قلب عروشها مارماشى (4)
قالت لنفسها: هذا فارس مهيب، فإذا آذيته بالقول فلربما يؤذينى، لذا بحثت فى عقلها وكونت المربع بحنكة وتلقائية قائلة له: «إن البطيخ الأحمر!! الذى تبحث عنه أيها الرجل المهيب، والحاكم الذى يلتزم الجميع بأوامره، زرعناه وإذا بريح سوداء عاتية أتت من الشرق الذى قدم هو إلى الجزيرة منه فقلب عروش المقاتة فلم تثمر بطيخا أو غيره. لم ترد أن تقول له: «خل عندك نظر فأنا مازلت أزرع «اللب» فمن أين آتى لك بالبطيخ؟.. وإنما حين عرفت مقصده وأن (البطيخ الأحمر المشقوق الذى يريد أن يطفئ به رغبته» وصفته بأنه الريح الأزيب المترب الحار الذى يقتل بكارة البنات ويقتلعه أو يقلب عروشه فلا يبقى بطيخا أو حياة لنبات.
وربما هذه هى القصة التى نسجت على أساسها أسطورة ابن عروس، أوقع الجميع فى الخلط والخطأ التشابه البعيد نوعا ما بين قصة عناصرها فارس وفتاة حية يقظة تجيد فن القول. خاصة أن بعض الرواة يقول الشطر الأخير بصورة مختلفة فيصبح مربع «النابى» هكذا:
يابت ياحمرة الخد..
يا ام العيون الرماشى
عاوزين فرخ بطيخ ع الكَدّ
بفلوس والاّ بلاشى
واستعمال كلمة «فرخ» هنا لها دلالتها، فالفرخ هو ابن الزنا، ومن الممكن أن نقول هناك «فحل بصل» أو «فرخ بطيخ» وإن كانت البطيخة دائما مؤنثة ما أراب الفتاة فى مقاصده.
ومن أقوال النابى تلك المربعات التى إن لم نفك قوافيها ونفصص الدلالات الخبيئة تحت اللفظ والدلالتين فسيظل المربع مغلقا كصندوق لا فائدة منه ولايمكن استعماله أو الاستفادة به:
شفنا الحبايب فِرحَْنا
وبعدكم سقانى الخليلى
لو كان بيتكم فرحَْنا
كاتم الصفا.. يا خليلى
وهذا المربع يتحلى تماما بكل صفات المربع الصعيدى فى أمر توحد القوافى، كل منها مع مقابلتها فى البيت الثانى وتؤدى إلى معانى مختلفة تماما. والمعنى: اننا فرحنا حين رأينا الحبايب بعد أن شربنا «الخل» والمر من قسوة بعدكم، وأن بيتكم لو كان إلى جوار بيتنا «فى ريحنا»، لكنا سعدنا تماما يا حبيبى وخليلى.
وكان «على النابى» يمر يوما معتليا ظهر حصانه، فوجد جماعة يلعبون اللعبة الشعبية الصعيدية (السيجة) «شطرنج الفقراء» وجدهم متوقفين عن اللعب أمام معضلة عجزوا عن حلها، وكان بينهم صبى صغير فإذا به يمد يده وينقل «كلبا»(5) فيحل المشكلة بكل بساطة، فقال النابى من فوق حصانه:
فيه ناس كتيرة بهمَّة
والتّبن لُابْيَضْ.. كَفاها (6)
عيّل صغيّر.. بهمّة
عشرين عِمَّة.. كَفاها
والمعنى: أن كثيرا من الناس كالبهائم لاتستحق الخبز الذى تأكله، ويكفيها أن تأكل التبن الأبيض (6)، فها هو صبى صغير كفى عشرين عمة على وجهها فى التراب. إذا: بهمة الأولى أى بهائم، وبهمة الثانية أى ذو همة. وكفاها الأولى بمعنى يكفيها، وكفاها الثانية أى قلبها على التراب.
ومن مربعات «النابى» أيضا:
ومن على الدنيا عاتَبْها
ومين جاب عليها سبايت
ياما ناس كان مرمر عتبها
دِلْوك ساكنة فى السبايت
والمعنى مع تأكيد تجانس القوافى من استطاع أن يعاتب الدنيا ويقدمها للمحاكمة ويقدم اثباتاته على ما يفعل بنا نحن البشر، فقد كان هناك أناس عتب بيتها من المرمر والقت بهم الدنيا إلى الحضيض، ويعيشون الآن فى اخصاص البوص، وهكذا تمتع المربع بقوافيه أو قافيتيه دون حرج أو ثلم فعاتبها غير عتبها، وسبايت بمعنى إثباتات تغاير تماما فى المعنى «سبايت البوص» إنه نموذج للمربع المتكامل صحيح البدن والذى لاعيب فيه.
وكذلك ألغاز المربع التالى:
وليه يادنيا علينا كَنَكْتىِ
وفلوس فى جيبى مافيشى؟
فى الدُّموس فارط كنكْتى
وجيران تستر.. مافيشى
وهو يعاتب الدنيا على مضايقتها له على كَيكها ورمكها ونسيانه بعيدا لا قرش فى جيبه ولا شايا أو سكر يعطى ل (الكنكة) معناها، فهى مفروطة فارغة فى دمس بارد أو دموس ليس بها نار، والدمس هو تبن الكانون الذى تسرى فيه النار بطيئة إلى حين يحتاجه أحد فينفخ فيه لتشتعل ناره فيدفن فيها كنكة الشاى خمر الفقراء لكن كنكته مفروطة غير مدفونة لأن ليس بها شاى.
ولكن فى ذلك التسابق على توحد القوافى يصير المربع كمجرد مجهود ذهنى عضلى لا يؤدى الى الحكمة المطلوبة منه بقدر ما يصبح استعراضا للقدرات مثل:
طبيبى طب لايا
على الفرشة طبلولى
يافرحتى طب لايا
يا حبايبى طبلولى
ولا أتخيل أحدا ممن سوف يقرأون هذا المربع الآن بقادر على حل مغاليقه وفك لعبة قوافيه، وسوف أعطيكم وقتا لتأمله ومحاولة إرجاعه لعناصر تكوينه قبل أن أفسره، ولقد كان أهلونا فى أوقات سحرهم بين الزرعة والزرعة أيام رى الحياض قبل السد العالى وقبل أن يبطش الاعلام المسموع ثم المرئى بالذات بكل طاقات السمع والقول وخلق الابداع. كانت هذه المربعات لعبة الرجال المفضلة يتبادلون التوليف والرد.
يقول المربع: إن الطبيب «طب ليا» أى نزل إلى، إى زارنى ليعرف علتى، ووجدنى على فراشى «طبلول» أى أن حبات العرق التى تنزل فى وجهى - تطب - تشبه حبات اللؤلؤ، والمعنى أنه وجد عرقى يتساقط على فراشى كحبات اللؤلؤ - يطب بمعنى ينزل -، ولقد استطاع الطبيب أن يداوينى فطاب بلايا وشفيت فطبلوا وغنوا يا أحبابى.
دايما سارح ببقرتك
واتاريها الدنيا تلاهى
ولا يوم تسجد بقرتك
وتقضى فرض الالهى؟.
ولا يوم تسجد بقورتك - أى بجبهتك - على الأرض لتقضى فرض الله؟.
ويقولون أن «على النابى» كان مارا على أطراف القرى فرأى فتاة بدوية نادرة الجمال فاقترب بحصانه منها قائلا:
جينالك يا حلوة جينالك وتعبت معانا الهجينة
عايزين غدا من غير نار ولا تتعبيلهوش فى عجينة
فهمت الفتاة المقصد الخفى لعلى النابى وذلك الغداء الذى بلا نار ولا عجينة وتلك الهجينة التى تعبت معه، وأنه يطلب منها مالا يمكن أن تعطيه فأجابته:
إن كان ع الغدا نغدوك
البيض والسمن سايح
أما الغدا اللى من غير نار
يجيب لأهله الفضايح
وطبعا من الواضح أن هذه تآليف نسبت للنابى مثل ما نسب للمجذوب تماما، لذلك تجد الركاكة بادية فى صياغة شطر أعرج مثل «أما الغدا اللى من غير نار»....
ولا أظن فارسا مثله ثريا وناظر زراعة بطول المديرية وعرضها من الممكن أن يحس بالفقراء وما تفعله الدنيا بهم من أفاعيل أو يحس بما أحس به صائغ المربع الأصيل التالى:
يا دنيا علينا وعرتى
وطالقة عليا وحوشك
سفيتى لجامك وعرتى
وما حد قادر يحوشك
إن الفرس إذا «سفت» لجامها، لا يستطيع أى خيال أن يوجهها إلى ما يريد، وإنما تأخذه هى الى حيث تريد حتى لو كان فارسها ومربيها، وحتى لو أوردته موارد التهلكة.
والمعنى: لقد صرت قاسية وصعبة أيتها الحياة.. لقد صرتى وعرة وأطلقت علينا وحوشك تفترس ما تبقى فينا، لقد انفلت لجامك وانطلقت غير مبالية بأحد - عرتى - ولم يعد بإمكاننا إيقاف انفلاتك وتوحشك.
فهل لأمير أن يحس مثل تلك الشكوى الموجعة؟ إنها شكوى إنسان يئن تحت وطأة الاحمال والأحوال، وهو مثل غيره ينسب «للنابى» لكنه لم يصدر عنه.
حبيبى عليا تغطرش
وعيونه تكب المدامع..
أعمى ينادى على اطراش
لا ده شايف ولاده سامع
لقد مرضت مرضة موت. ووقفت حبيبتى فوق رأسى عميت عيناها و«غطرشت» من كثرة البكاء تنادى على ولا أسمعها من هول آلامى، فكأنها - ببكائها - وكأنى - بغيبوبتى - أعمى ينادى على أطرش فلا هذا يرى ولا الآخر يسمع.
الدنيا فحصة وعفصة
كيه السمك جوه المداور
بتدى كل انسان رقصة
وساعة السفر لم تشاور
وهو نفس المربع الذى أوردناه فى الجزء الأول من كتابنا (السيرة الهلالية) ولكنه يختلف فى الصياغة تبعا للقائل:
دنيا غرورة.. وعقصة
وكيف السمك فى المداور
بتدى كل زول رقصة
وساعة السفر لم تشاور
وهما يحملان المعنى نفسه: أنها دنيا شائهة لا تؤتمن ونحن فيها كسمك فى «الجوابى» أو الشباك، ترقص معك قليلا ولكن حين تتخلص منك لا تسأل ولاتستشير ولا تأخذ رأى أحد.
الدنيا دى همها عجيب والخلق تاهت بيها البصارة
العنزة تجرى ورا الديب ويتدس منها فى الحجارة
تداخلت أحوال الدنيا وتناقضت وصار الخلق لا يفهمون من أمورها شيئا، هذا زمن تطارد العنزة فيه الذئب ويجرى أمامها مذعورا يبحث عن مخبأ فى الحجارة.
العنزة ماتربيش صوف وما تنامش على الضهارى
قليل الأصل ما يعمل معروف ولو حلفته على البخارى
ولكن هناك قوانين ثابتة فى الدنيا أيضا، منها أن العنزة لا تكتسى صوفا بدلا من الشعر، ولا تنام على ظهرها، أما قليل الأصل فإنه لا يصنع المعروف حتى ولو وضع يده على كتاب البخارى وأقسم أن يفعل فإنه لا يفعل. وكما قلنا أن الكثيرين يمكنهم التربيع فإن الأخ فتحى دنقل بمجرد أن رآنى قال:
فرحان بيك وانت موجود
وان غبت تبقى فى علابى
فرحت بيك قفط وأبنود
حطب مسك جوه العلابى
والمعنى أنه سعيد بى وأنا إلى جواره واذا غبت فإنى دائما أصعد للعلا - استغفر الله - وأن «قفط» «وأبنود» وهو يعنى بلاد الصعيد سعيدة بى وكانى أعواد المسك داخل علب مغلقة لا يذهب أريحها.
هذا يؤكد تماما قضية قالب المربع وسهولته ويسر أن يصبح لعبة بين الرجال ذاك يقول (و) هذا يرد عليه بمربع آخر، ويقال أن هذا أحد أسباب تسمية المربع «بفن الواو».
ومادمنا قد انزلقنا إلى «على النابى» ومربعات - منسوبة إليه إن حقا أو تلفيقا، فإننا نؤكد أن هذه الشخصية شخصية حقيقية وليست من اختراع البعض - كشخصية المصرى ابن عروس - وأهله ونسله مازالوا موجودين ولهم أماكنهم المحددة التى يمكن لقاؤهم فيها ومعرفة المزيد عن هذا الفارس الشاعر، وسوف يعثر الباحث على العديد من الأقوال التى لا أظن أنها قيلت فى زمنها، والعديد من الوقائع التى أشك فى حدوثها على تلك الصورة مثل واقعة البدوية الجميلة التى مر بها وهى تزرع بذور البطيخ كما أسلفنا.. ومن مثل قصة امرأة تزوج بها فاشترطت عليه أن يأتى خدامه إليه بكيلة قمح يوميا، وأصيبت الأيام بقحط انخفاض النيل ورأى أنه سوف يعجز عن الوفاء بشرطها فقال:
سودا والليالي كيلتها
وأنا ع الفرش مسك بكلامي
الست كل ما تطلب كيلتها
مش قادر معاها أقصر كلامي
والمعني: وهناك تفسيران: صارت الليالي سوداء والدنيا كلت من الجوع والعوز وأنا مازلت أضع المسك وأفترش الأكلمة والسجاجيد، وعلي الرغم من ذلك فإن الست التي تزوجت بها واشترطت عليه كيلة القمح تطلب إيفاء شرطها مني وأنا خجل من العجز عن الوفاء به.
والتفسير الاخر هو للشطر الثاني حيث يقولها متباهيا وفي مجال الفخر، أي كيف لمن يعيش هذه الحياة المرفهة لا يستطيع؟
أما المرأة فقد ردت عليه بمربع كالعادة وكان كل نساء الصعيد مهيئات وجاهزات لقول المربع:
معلوم سودا والليالي كيلتها
يا لافف العميمة تلاتة
إن ما كنتش قادر على كيلتها
قوم طلقها بالتلاته
أى أن الزمن فعلا عسير وأموره تجعل الانسان يكل، أيها الفارس الذي يلف عمامته طبقات ثلاث دليل العز والمباهاة إن لم تكن قادرا على كيلة الغلال اليومية فلتطلقها طلقة بائنة.
والسؤال هو: من الذي قال المربع وألصقه بالمرأة؟ إنه رجل بالتأكيد، ذلك أن المرأة تقول: طلقني بالثلاثة ولا تقول: «كيلتها» و «طلقها بالثلاثة» وفعل الأمر الحاد: «قوم»...
هكذا سوف تتداخل الأقاصيص مشفوعة بالمربعات ولن تعرف صدقها من كذبها وقائليها من منتحليها علي الاطلاق، فأهلنا يؤكدون وكأنهم رأوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم ولا يمكن التشكيك فيما يؤمنون به ويتخذونه زادا ويستشهدون به فى كل حين.
أما المربعات الحقيقية المستقرة بين الناس والتي هي عصارة التجربة الانسانية ومكابدات الإنسان الضعيف أمام سطوة الحياة وكفها العريضة الباطشة فلا مؤلف لها، تنتقل مع السنين يلتقفها جيل بالوراثة ليورثها للقادمين وإن كانت أجهزة البث الحديثة قد أبطلت الي حد كبير وظيفتها الحيوية ودورها الهام فى حياة فقراء البشر إلا أنها مادة خصبة وثرية من المهم التقليب فيها والبحث عن مكوناتها التي هي خلاصة تجارب البشر الطيبين الذين صنعوا الحياة وقبضوا الحرمان أجرا ومثوبة.
وعلى الرغم من اني أوردت العديد من المربعات فى المجلد الأول من اصداراتي الثلاثة عن بني هلال والنصوص الشعبية فإنني أجد أن هذا المكان هو الأنسب لإيرادها مع نظيراتها الليبية والمغربية والجزائرية بعد أن أوردنا العديد منها، ونريد أن نلفت النظر الي صعيدية هذه المربعات لغة ومزاجا وفكرا.

معانى المفردات
(1) ليس كبيرا وليس صغيرا، وأصلها: «ع القدْ» ولكن هكذا تنطق فى معظم أنحاء الصعيد. (2) و(3) ريح سوداء تقتل الزروع.
(4) العيون ذات الرموش الطويلة.
(5) هكذا يسمون القطعة من السيجة، مثل الفيل والطابية وغيرهما. (6) تين القمح والشعير وهو أرخص من التبن الأخضر الذى هو تبن الحلبة والعدس وتقبل عليها المواشى بصورة أكبر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.