ما أكثر الحوارات والمناقشات التى تدور فى البلاد الآن. تتناول المناقشات مستقبل مصر القريب. من سيكون الرئيس القادم؟ كيف ستكون المنافسة على الرئاسة؟ كيف سَيُكَوْن القادم الجديد طاقمه المساعد فى ادارة هذه البلاد؟ ومن أين سيأتى هذا الطاقم؟ ما حقيقة موقفه من مدنية الدولة؟ هل سيكون صورة معدلة من عبد الناصر أم السادات أم مبارك؟ ما موقفه من قضايا الحريات وهل سيفعل كما فعلت الجماعة «تسحب السلم بعد أن تصعد عليه» أم أنه سيفهم العصر ويسايره فى قضية الحريات الخاصة والعامة بالتحديد؟ ما موقفه من قضية العدل الاجتماعى وهل سيكون صديقا للفقراء أم متآمرا ومراوغا عليهم؟ إلى أى مدى سيتعاون مع القوى السياسية الجديدة فى تفاعلها مع إدارة البلاد؟ هل سيعوق بناء حياة سياسية مدنية مصرية قادرة على افراز قياداتها المدنية الجديدة؟ ..اسئلة مشروعة. تدور المناقشات حول كل هذه الأسئلة كما تطول وتتنوع. يختلف عليها البعض ويتفق البعض الآخر. ومع ذلك تستمر ولاتنتهي.ولكن يستمر السؤال الذى يأخذ من المتناقشين الجهد الأكبر وهو السؤال الذى يطرح بعدة صيغ ولكنه يدور دائما حول معنى واحد. يقول ملخصه ، يحلم الشعب المصرى بطموحات كبيرة ينتظرها من الرئيس القادم كما يحمل تصورات أكبر حول الوضع الذى سيصل إليه ويحققه لوطنه خلال الفترة المقبلة. وعادة ما يتصور البعض أن هذه الفترة المقبلة ليست ممتدة وتحتاج لبعض السنوات التى قد تطول وإنما هى «بالقطع قصيرة»كما يتصورها الكثيرون من المصريين الذين عانوا ولا يزالون يعانون من ضيق الرزق وصعوبة الحياة. فهل ينجح القادم الجديد فى الدنو من هذه الطموحات؟. هذا البعض الكبير والذى يعانى من ضيق الحياةوالحامل للطموحات والتصورات، لديه الحق فى المطالبة والاسراع فى تحقيق حلمه والوصول الى طموحاته لأنه لم يعد يتحمل أكثر مما يفرض عليه الآن. ولسبب آخر وهو أنه لم يتفهم ولم يستعرض ولم يعلمه احد، كما يتوافر العلم للبعض منا للتعرف على كل تلك التجارب التى مرت بها كل تلك البلدان التى مرت ولا تزال تمر فى مراحل انتقالها الثورى من حالة استبداد إلى حالة ديمقراطية مؤسسة على تقاليد وثقافة ثابتتين. أو من مرحلة استقطاب طبقى إلى مرحلة تنفتح فيها الآمال أمام المهمشين والفقراء سعيا للحياة الافضل. إن هذا البعض، الذى نحن لسنا منه اجتماعيا، لم يعد يملك الوقت للمزيد من المعاناة ولا يستطيع أن يتصور أن بناء مجتمع أكثر عدلا وخيرا ووفرة يحتاج إلى كم من التضحيات الكبيرة التى لابد أن تقدم من الجميع. ولا شك أن هذه الطموحات وتلك التصورات ستمثل ضغطا على القادم الجديد. كما انها ستكون فى الوقت نفسه عبئا وضغطا على مرحلة الانتقال التى نحن فيها والتى ستحيط بنا لسنوات قادمة. لقد تعاظمت القضية الاجتماعية فى مصر وباتت تشكل فى حد ذاتها ازمة انسانية نشعر بها إن لم نكن نعيشها صباح مساء لأننا مهما تحدثنا عن الصعوبات اليومية التى تواجهنا نحن، خاصة الاقتصادية التى تعيش خارج دائرة الضائقة، فلا نزال نعتبر من الشرائح المميزة فى هذا المجتمع. إلا أننا نراها واضحة على وجوه النساء والرجال والشباب والأطفال، لا مجال لإنكارها أو تجاهلها خاصة فى اثناء إدارة الحوار مع البشر العادى ومع عموم الناس الذين يعيشون فى دائرة هذه الضائقة والذين يعتبرون أن توفير لقمة العيش لأسرهم هى الأولوية الأولي. والغريب أن البشر فى مصر، سواء عاش حقبة الستينيات أو ولد بعدها، يستدعى هذه الحقبة من حين إلى آخر عندما يتناول فى مناقشاته القضية الاجتماعية هذه. اتصور أن هذه التجربة تعيش فى ضمائر الفقراء المصريين كما يعيشون حياتهم هذه الخالية من أى انسانية. ولا استطيع أن أعرف أو أكتشف على وجه التحديد كيف عبرت هذه التجربة أربعة عقود زمنية كاملة وقفزت عليها بشدة، لتتجسد الآن أمام هؤلاء الفقراء المعدمين كطريق للخلاص من حالة الضيق التى يعيشونها.وأؤكد على عبورها هذه العقود الزمنية الأربعة وقفزها بالرغم من تحفظاتنا على جانبها الديمقراطى الذى يعتبره الفقراء من الخيارات الكمالية فى حين نراه نحن ضروريا للتعبير عن الاحلام الاجتماعية وتحقيقها. لابد أن نعترف بحقوق المهمشين والمطحونين. كما لابد من الاعتراف بكل طموحاتهم واحلامهم. الوقوف مع القادم الجديد لا يعنى مساندته فى ادارته للبلاد بأسلوب أقرب إلى توقيع «شيك على بياض». لقد سقطت البطريركية ومضى زمان «المستبد العادل». وانما نقف مع القادم الجديد كقوى سياسية قادرة على النقد والتوجيه وتوصيل طموحات واحلام هؤلاء الذين لم يأخذوا حقهم بعد من طيبات هذا البلد. وفى الوقت نفسه نكون مشاركين فى الصياغات الجديدة التى توصل لهؤلاء المهمشين المعلومات عن خطوات الادارة وتسارعها او تباطؤها وانجازاتها والتعثرات التى تواجهها. فالحركة السياسية فى المرحلة المقبلة تحتاج الى فتح الحوار الواسع مع الجمع الاجتماعى، اى مع كل الشرائح والطبقات وفى كل ارجاء البلاد حفاظا على مسارات مرحلة الانتقال وعبورا للازمات الاجتماعية فى الوقت ذاته. ولا يجب ان ننسى ان الشعب المصري، كما نتصور وكما اوضح هذا الشعب بذاته، انه لا يزال يحتفظ بتجربته الاجتماعية فى ذاكرته. قد لا يتذكر تفاصيلها ولكنه يعلم أنه خلال هذه التجربة احتفظ الوطن باستقلاله السياسى وفى الوقت ذاته اقترب من حقوق فقرائه. كانت تجربة مركبة ولكنها كانت تجربة مهمة لن تتكرر بكل تفاصيلها ولكنها تساعدنا على ايجاد الطرق والسبل لتطويرها بما يتلاءم مع مسارات العصر الذى سمحت ادواته بالقيام بثورتين فى ثلاثة اعوام متتالية. اتصور ان هذا الشعب يستطيع ان يمد جسور التعاون كلما تعرف من ساسته وقياداته فى الحياة السياسية ، ولا اقول ادارته الجديدة وحدها، المعلومات والحقائق، بكل ما يحيطها، ويحيط تفاصيلها، من سلبيات وإيجابيات، التى لابد ان يعرفها والتى تتخذها الدولة للتقدم بحياته. فالتجربة السابقة التى مر بها الشعب المصرى لم تقض على كل الفقر ولم تقض على كل الأمية ولم تعالج كل المرضى ولكنها عَرْفَتْ الشعب المصرى بحقيقة أن فقراءه لن يورثوا الفقر ولا الامية لأولادهم وأن الظروف قادرة على التغيير بحيث يتقدم الفقراء والأميون شيئا فشيئا ليصبحوا أناسا واسرا يملأ بيوتهم الستر وتمتلئ أدمغة أولادهم بالعلم وبالمعرفة. نريد أن نعيد هذا الأمل لدى الفقراء والمهمشين فى هذه البلاد بحيث نكسر دائرة الفقر والأمية ونعطى الأمان الاجتماعى للأسر بحيث تشعر أن بالعمل يمكن أن تحقق لأبنائها كل ما فاتها هى من حقوق. وأن هذه الحقوق الانسانية باتت ملكا لأبنائها يستطيعون الوصول إليها. لمزيد من مقالات أمينة شفيق