يزدحم المشهد السياسي المصري بنحو90 حزبا سياسيا لا يتذكر منها المرء سوي عشرة أحزاب علي الأكثر إن لم يكن أقل ورغم الضجيج الذي تثيره هذه الأحزاب لتعطي زخما إعلاميا لا يترجم لأفعال وخطط سياسية علي الأرض فإن الواقع السياسي يعاني من هشاشة التنظيمات الحزبية القوية والمتماسكة ذات القواعد الجماهيرية والأصول اللوجستية ناهيك عن القيادات القادرة علي إدارة عملية سياسية قوية وفاعلة.. باستثناء ستة أحزاب علي أقصي تقدير. يبدو أن هناك تحديات كثيرة تزيد المشهد تعقيدا.. إضافة إلي أن هذه الأحزاب تواجه مستقبلا غامضا.. ليس لاختلاف العملية السياسية والمناخ الذي تأسست في ظل معظم هذه الأحزاب ولكن لأوضاع أخري قد تكون هي نفسها طرفا فيها. ولعل التحدي الأول هو الانتخابات الفردية الذي تتجه إليه لجنة الخمسين.. وهو ما يصفه الدكتور مصطفي السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة بالكارثة علي الأحزاب.. لأنه يصب في مصلحة أصحاب النفوذ والمال والعصبات مما يعني تهميش دور الأحزاب والتي لا يمتلك معظمها الامكانيات المالية اللازمة لتمويل حملات انتخابية فاعلة لمرشحيها أو حتي الوجود في الشارع. وثاني تلك التحديات نابعة من الدستور أيضا, والاتجاه العام نحو إلغاء المادة6 من الدستور المعطل التي سمحت بقيام أحزاب علي مرجعية دينية واشترطت عدم التمييز السياسي أو العرقي أو الديني فيها. وحال إقرارها, فإن الأحزاب التي تعتمد في مرجعيتها علي الدين وهي18 حزبا سياسيا(14 ذات مرجعية سلفية,3 صوفية,1 شيعي) مهددة بالشطب والإلغاء وتحديدا الكتلة الكبيرة فيها بما فيها حزبيا الحرية والعدالة والنور والبناء والتنمية, ووراء تلك الأحزاب الثلاثة قواعد جماهيرية وجمعيات كبيرة وهي تمثل رقما يصعب تغافله داخل تفاعلات المجتمع, ما يسمح لها بحريات للحركة والتأثير الاجتماعي والسياسي, وحال إقرار الحظر, فإن تلك الأحزاب بما لديها من فضاء اجتماعي للحركة والحرية سوف تمارس السياسة من دون رقابة كما يقول د.مصطفي السيد بما يوجد أنماطا للمشاركة السياسية البديلة التي تفرض تحدياتها علي المنظومة الحزبية وقدرتها علي الانتشار والحضور داخل المجتمع كما أن عدم دمج الإسلاميين بالمسار الديمقراطي يمكن أن يدفع للعنف السياسي. والحل من وجهة نظره ليس الحظر وإنما الالتزام بالمعايير الدولية التي تؤكد الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان والايمان بالتعددية السياسية ضمن الخصوصيات الثقافية لكل تيار أو حزب سياسي, دون تعد أو كراهية للآخر, فهذا الالتزام وحده الكفيل بنبذ دعاوي الكراهية والتفرقة بأشكالها الدينية أو المذهبية أو العرقية. أي التحدي الثالث فهو في الاتجاهات الفكرية والعقائدية لهذه الأحزاب(90 حزبا) فمن أجل بناء منظومة سياسية وحزبية تتسم بالفاعلية والقدرة علي إثراء المجتمع بتعدديتها فلابد أن تسعي الأحزاب المتشابهة في أفكارها للاندماج التنظيمي إذ لا يعقل أن يوجد داخل التيارات الفكرية الأربعة داخل مصر هذا الكم الهائل من الأحزاب التي لم يسمع عنها أحد, ولا يحتملها المشهد السياسي بسبب العبء الذي تمثله علي المجتمع. وكانت أحدي نتائج تلك الكثرة تكرار وتشابه الأسماء الحزبية, فعلي سبيل المثال يحمل12 حزبا, أسم مصر أبرزهم مصر القوية, مصر المستقبل, ومصر الكرامة, ويحمل صفاتها كالمصري10 أحزاب أبرزهم: المصري الديمقراطي, المواطن مصري, التحرير المصري, والمصري الليبرالي, ويحمل صفة المصريين حزبان أبرزهما: المصريين الأحرار, والمصرية اثنان أبرزهما: الحركة الوطنية المصرية, أي أننا أمام26 حزبا يتوزعون علي التيارات الأربعة يحملون نفس الصفقة, والحال مشابه في نوعية القيم الإنسانية كالتنمية, التي يحملها8 أحزاب مثل البناء والتنمية ذي التوجه الإسلامي, والإصلاح والتنمية الليبرالي, والتضامن والتنمية ذي التوجه الاشتراكي فنحن أمام فوضي في الأسماء لا تعكس أي تمايز حقيقي بين تلك الأحزاب التي تأخذ شكل التحديات السياسية لا التنظيمات الحزبية المتعارف عليها. وما لم يدرك هؤلاء التكلفة السياسية والمالية تحديدا لهذا الوجود غير المؤثر فلا سبيل لإنهاء تلك الظاهرة غير الصحية علي المشهد السياسي, بالإضافة لضرورة تدخل المشرع القانوني في تحديد معايير أساسية لقيام الأحزاب والاعتراف بها من مقار وهياكل تنظيمية وقدرات علي التمويل والحركة داخل المجتمع, وقاعدة جماهيرية وانتخابية.