يعد المفكر الإسلامي الدكتور محمد الشحات الجندي, عضو مجمع البحوث الإسلامية, والأمين العام الأسبق للمجلس الأعلي للشئون الإسلامية, احد أبرز علماء الدين الذين ينادون بتجديد الفكر الإسلامي وإنزال النصوص الفقهية علي واقعنا المعاصر. ويجمل جمود العقل واتباع النقل وغياب فلسفة التنوير الإسلامي مسئولية تردي أوضاع الأمة الإسلامية. وبحكم تخصصه في علوم الشريعة الإسلامية, يؤكد أن الإسلام لا يعرف التعصب لحزب أو جماعة, وأن شيوع الفكر التكفيري يمثل ردة حضارية تستوجب استنهاض العقل لمواجهة هذا الخطر. وهو في كل الأحوال يؤكد في حواره ل الأهرام أن ترسيخ مفهوم المواطنة يقدم حلولا للإشكاليات المعاصرة, وإلي نص الحوار: كيف تري المشهد السياسي حاليا ؟ المشهد السياسي يصيب أي إنسان مصري أصيل يشعر بالقلق علي مصر كحصن من حصون العروبة والإسلام, لان مصر قدوة لجميع البلدان العربية الشقيقة, والوضع الحالي في مصر لا يرضي أي مواطن يتفهم تعاليم دينه جيدا والتي جاءت لإسعاد البلاد والعباد لان الإسلام دين لا يعرف الجمود أو التشدد لمصلحة حزب او جماعة أو فئة, إنما جاء رحمهةللعالمين, ولتحقيق مصالح الوطن في كل زمان ومكان, وكل ما يحدث الآن غريب عن مجتمعنا وعلي الجميع التحلي بأخلاق الإسلام, وان يمدوا جسور الثقة مع بعضهم البعض, ولنا في الرسول, صلي الله عليه وسلم,القدوة في التسامح والتعاون, وليعلم من يستبيحوا دماء إخوانهم في الوطن, انهم يمثلون رده حضارية عن أخلاق الشعب المصري الأصيل, مما يجعل المشهد السياسي الآن عبثيا للغاية. وكيف نواجه موجات العنف والتكفير والتطرف الديني في مصر ؟ بإشاعة الثقافة الإسلامية الوسطية التي لا تعرف الجمود ولا تعرف التطرف, لان الإسلام جاء لتقرير حقوق الإنسان, وجاء بقبول الآخر ولم يجعل عداء بين المسلم وغير المسلم والإسلام لم يعرف بالعداوة بين الأفراد بسبب الدين, كما أن الإسلام لا يعترف مطلقا بسمو جنس علي جنس أو لغة علي لغة أو دين علي دين بل فرض علي الجميع فكرة التعايش والتعاون والتعارف. وللأسف هذه سلوكيات خاطئة ومغلوطة بسبب تراجع دور الدين والقيم الإسلامية, والعنف هو أمر وافد علي المسلمين من الخارج والانفلات الأخلاقي الحالي هو دخيل علي الأمة المصرية, ولم تكن تعرف قبل ذلك, وانتشار الألفاظ البذيئة والسباب ودعاوي التكفير بين الافراد بعضهم البعض, وجميع ما يسود من قيم مغلوطة مثل الأنانية والفردية دون الاكتراث بأهم قيم الإسلام السمحة وهي العمل بروح الفريق الواحد وليس المصلحة الفردية التي تجمع الأفراد فقط, كل ذلك دخيل علي المجتمع المصري, والحديث الشريف واضح في إدانة الأنانية والمصلحة الفردية دون مصلحة الجماعة في قول الرسول صلي الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وهذا الحديث الشريف يعكس مبدأ الأخوة لتماسك المجتمع وأنها مؤسسة علي الحب والود والتسامح والمصالح العامة دون المصلحة الفردية فقط. كيف تري دور الأزهر في المرحلة الراهنة ؟ الأزهر الشريف بعد ثورة25 يناير يشهد تقدما ملموسا ويواكب المستجدات التي تطرأ علي هذه الأمة وهو داعم للجميع في مصر ولدول ثورات الربيع العربي لأنه يمثل الفكر الوسطي الذي لابد ان يطبق في كل الدول الإسلامية, وللأزهر الأسبقية التاريخية في العالم العربي والإسلامي وهذا يختلف عن دورة قبل الثورة بحكم ان السياسة بمناوراتها ومصالحها المعروفة التي تسلكها قد حجمت من دور الأزهر وحصرته في دورة التعليمي فقط كمؤسسة تعليمية فقط ليس لها دور فعال في الحياة المجتمعية باعتباره كعبه العلم الإسلامي والأمل في استعادة الأزهر دوره مرة أخري من خلال التمويل اللازم واستقلاليته كمؤسسه دينية ووطنية لا تخصع لأهواء الحكام ولا لمصالحهم وأجنداتهم. كيف نوفر روح التعاون بين الدعاة لخدمة مجتمعنا اقتصاديا واجتماعيا ؟ دور الدعوة الإسلامية دور أساسي وجوهري في أشاعة الثقافة الصحيحة بين أبناء المجتمع مثل تنمية روح الجماعة بين أبناء الوطن والتعايش الاجتماعي بينهم واشاعة رابطة الأخوة بين الجميع, أما اقتصاديا فيجب علي كل من يعمل بالعلوم ان يقدم فكر الإسلام الذي استطاع أن يرتقي به في تحسين مستويات المعيشة وحفظ الاموال. ولكي ننهض اقتصاديا لابد من إحياء فكرة الزكاة والوقف من جانب الدعاة لان ذلك يمثل التكافل المعاشي والاجتماعي الصحيح بين ابناء الشعب لأننا في شهر رمضان والتكافل نحتاجه الآن, ومن ثم نحتاج لترسيخ هذا التكاتف, وأيضا من الضروري ان يرسخ الجميع فكرة العمل والإنتاج لأننا نشهد في مجتمعنا تراجعا في العمل والإنتاج فأصبحنا نعتمد علي المعونات وبالتالي التحكم في القرارات الخاصة بنا, لذلك نحن في أمس الحاجة لترسيخ( فكر التكافل) وهو فكر العمل والإنتاج والعمل بروح الفريق, كما نحتاج أيضا لترسيخ العمل بالبنوك الإسلامية لتعمل مع البنوك الأخري في خدمة المجتمع وفقا لمباديء الاقتصاد الإسلامي. يحتاج التعليم الأزهري في مصر إلي المزيد من التطور, كيف يحدث ذلك ؟ تطوير التعليم الأزهري خطوة مهمة لتطوير التعليم في مصر والدولة ركزت اهتمامها علي التعليم العام وغزا التعليم الاجنبي مصر بصورة كبيرة, وتزامن مع ذلك إهمال للتعليم الأزهري, وهذا غريب عن المجتمع المصري في حين انحسر دور الأزهر في تعليم العلوم الدينية, لكن الآن الوضع تغير, وانشأ الدكتور احمد الطيب, شيخ الأزهر, شعبة للعلوم الإسلامية في التعليم الثانوي الأزهري كما أعاد مرة أخري تدريس المواد الشرعية من كتب التراث وليس من الكتب المؤلفة حديثا التي تتسم بالتهميش والبساطة وتخلو من العمق المطلوب في أمهات الكتب الإسلامية مما يعد ذلك خطوة نحو تطوير التعليم الأزهري في مصر. وكيف يمكن تجديد الفكر الاسلامي لكي يتماشي مع روح العصر الحديث ؟ التجديد يعتمد علي3 مرتكزات أساسية وهي( المعلم) وهو القائم بالعملية التعليمية حيث لابد أن يكون كفؤا ومؤهلا لها وان ينهض بهذه الفريضة, قال الله تعالي( وقل رب زدني علما), وان يكون مواكبا لظروف العصر دون إفراط أو تفريط, و(المتعلم) وينبغي ان يكون مقبلا علي أمر العلم منتظما وحريصا عليه وان يكون لديه الاستعداد ليرتقي في أمر التعليم من مرحلة لأخري, و(المناهج) وينبغي أن تستلهم الفكر الإسلامي الصحيح الذي لا يعرف الجمود أو التطرف, ويجب أن تكون المناهج مبسطة وعميقة في ذات الوقت تعتمد علي الفهم وليس علي الحفظ, وإذا تحققت المرتكزات الثلاثة فأنه يمكننا تقديم فكر إسلامي صحيح يقدم حلولا لمشكلات العصر الحديث. كيف تري العلاقة بين الحياة الدستورية والتأصيل الديني ؟ وما هي تطلعاتكم للدستور الجديد الذي تجري صياغته الآن؟ الحياة الدستورية حياة متجددة وتأخذ في اعتبارها مستجدات طرأت علي حال الوطن وفقا لمقتضيات العصر للتعايش مع كل المراكز الاجتماعية والثقافية,ولابد ان يكرس الدستوردائما مفهوم المواطنة, وهو مفهوم جوهري,مهم, ومن شأنه أن يقدم حلولا للإشكاليات المعاصرة للمجتمعات ذات الثقافات المتعددة, ومصر دولة متعددة دينيا ومن المهم وجود رابط جوهري بين الدستور المصري والدين الإسلامي وهذا يتمثل في تعميق روح الانتماء لمصر وأن يكون للجميع ولاء وانتماء وتمسك بالدين والثقافة الإسلامية, وثقافة الأديان السماوية, لأنها ثقافة تلتقي علي قواسم مشتركة خاصة ان الإسلام يعترف بالتعددية, وهذا الأمر الذي يجعل الثقافة الدستورية مستقاة أو مستوحاة من ثقافة الأديان السماوية. ويجب أن يتضمن الدستور المصري الذي تجري صياغته الآن تأكيدالشريعة باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع علي اعتبار ان النص علي ذلك هو ضمانة أساسية للتعايش السلمي والودي بين المسلمين والمسيحيين أبناء هذا الوطن, لان المسلم الحق هو من يفهم دينه فهما دقيقا ويفهم المواطنة علي انها المساواة بين الجميع بغض النظر عن الدين أو الثقافة أو اللون, لان الجميع أمام القانون سواسية, والرسول عليه الصلاة والسلام عندما انشأ دولته الإسلامية في المدينة اقر( صحيفة المدينة) وهي بمثابة دستور أكد حقوقا دنيوية متساوية بين المسلمين وغير المسلمين. البعض يحمل وسائل الإعلام مسئولية ما يجري في مصر, هل نحن بحاجة إلي فلسفة إعلاميه جديدة ؟ الإعلام لايكون حرا إلا إذا تمتع بالحرية المسئولة, بمعني أن من حقه حرية تداول المعلومات, وان تتوافر له المصادر الصحيحة لاستقاء المعلومة, ولا يعتمد علي الإشائعات أو التعبير عن فكر ما, وإعلام يؤمن أصحابه بميثاق الشرف الإعلامي ولا يستخدم لغة هابطة لعدم إشاعة ثقافة ضحلة أو مغلوطة والإعلام له رسالة لأنه يصنع ويشكل العقول, لذلك ينبغي أن يكون القائم عليه قادرا علي القيام بهذه المسئولية بهدف المصلحة العامة وان يكون ذا فكر ايجابي يبني ولا يخرب, وان يعتمد علي ثقافة الرقي لا ثقافة الإسفاف. يسعي الإعلام الغربي إلي تشويه صورة الإسلام والمسلمين, فكيف يمكننا تحسين هذه الصورة وكيف يكون المسلم في أوروبا سفيرا حسنا للإسلام ؟ المسلم مندوب الإسلام بسلوكه المستمد من صحيح الإسلام, وان يعرف أن دينه يقر بالتعايش وان يتعاون مع من يخالفه في الدين ومن المهم أن يحترم قوانين هذه البلدان والنظام العام بها مادام انه قبل العمل فيها وان يكون نموذجا طيبا للإسلام, أي قدوة طيبة للتعامل مما يسمح بنشر الصورة الصحيحة للإسلام والمسلمين فلماذا لا تقدم الجاليات المسلمة في الدول الغربية, هذا النموذج الطيب بحيث لا يكون هذا الاندماج علي ثوابت الدين الإسلامي لكي لا يذوب في هذه المجتمعات ويتناسي تعاليم دينه.