غاز مصر تحقق إيرادات 9 مليارات جنيه بدعم قوي من وزارة البترول    مصادر تكشف نقطة الخلاف الرئيسية في المفاوضات الأمريكية الإيرانية    طوارئ على الطرق الرئيسية تحسبًا لتقلبات الطقس وفق توقعات الأرصاد    التحفظ على 3 أطنان رنجة فاسدة قبل ترويجها في شم النسيم بالغربية    تعليم الشرقية: رمضان زار 7 مدارس بإدارة كفر صقر اليوم    وزير الخارجية يستقبل رئيس البرلمان الاستوني    كهرباء الإسماعيلية وبتروجت يتعادلان سلبيًا في مباراة مجموعة الهبوط بالدوري    ماركا: تشيفيرين سيتواجد في سانتياجو برنابيو لأول مرة منذ نهاية أزمة سوبر ليج    الأهلي يعلن إصابة بلال عطية.. وإشاعة لتحديد مدى قوتها    مصدر من الأهلي ل في الجول: ما يتردد عى مكافآت استثنائية لمباراة سيراميكا غير صحيح    نابولي يتلقى ضربة قوية قبل ساعات من مواجهة ميلان بالدوري الإيطالي    بعد إصدار تعديلات قانون الضريبة العقارية رسميا.. ما أهم المستجدات والالتزامات على ملاك الوحدات السكنية؟    أحمد زكي: الاتفاقيات المصرية المغربية خطوة نوعية لتعميق التكامل الاقتصادي والانطلاق المشترك نحو أفريقيا    خناقة ال شوم والحجارة بالبحيرة.. الأمن يضبط أطراف مشاجرة حوش عيسى    أين تقف المرأة خلف الرجل في الصلاة؟.. تجيب    هل يجوز قضاء الصلوات الفائتة مع كل فرض حاضر؟.. أمين الفتوى يجيب (فيديو)    الصحة: مستشفى الهلال يستقبل 200 ألف مريض سنويا ويجري 12 ألف عملية عظام    محمد عفيفي يتوج بفضية «المتوازي» ببطولة كأس العالم للجمباز الفني    أحمد حسام يشارك في التدريبات الجماعية للزمالك الأسبوع المقبل    الداخلية الكويتية: 21 بلاغًا بسقوط شظايا خلال 12 ساعة وتحذير من الشائعات    جامعة قناة السويس تحصر أوائل الخريجين وحملة الماجستير والدكتوراه تنفيذًا لتوجيهات الأعلى للجامعات    القومي للطفولة: التوسع في الأسر البديلة أولوية لضمان بيئة آمنة للأطفال    مصرع شاب وإصابة آخر صدمتهما سيارة في كرداسة    مصرع 3 شباب صعقا بالكهرباء داخل مزرعة في بلاط بالوادي الجديد    تأجيل محاكمة 7 متهمين بقضية خلية مدينة نصر لجلسة 14 يونيه    بعد إعلان تأسيسها .. وسم (فرقة ماسبيرو المسرحية) يحتل المركز الأول علي إكس    الفيوم تستعد لإطلاق اللوحة المعلوماتية ل قطاعاتها الخدمية    الضويني يستقبل وفدًا أوزبكيًّا لبحث تعزيز التعاون العلمي والدعوي    خبير الإدارة المحلية: القانون الحالي لا يلبي احتياجات المواطن ويعيد إنتاج المركزية    الداخلية تضبط قائد سيارة نقل يسير عكس الاتجاه بسوهاج    رئيس جامعة بنها يشهد ربط محطة الطاقة الشمسية الكهروضوئية بالكهرباء العمومية    درة: وحيد حامد أول من قدمني في دور بنت البلد.. و«ميادة الديناري» من العلامات في مشواري الفني    حزب الله يستهدف تجمّعات لآليات وجنود الجيش الإسرائيليّ في عدد من البلدات جنوبي لبنان    غزة: 7 شهداء بمجزرة إسرائيلية شرق مخيم المغازي    بالصور.. رفع 120 طن مخلفات وقمامه وتراكمات فى حملة نظافة مكثفة بأحياء الأقصر    وزير الاستثمار يبحث مع نظيره المغربي ترفيع العلاقات إلى شراكات استثمارية    محافظة الجيزة تنظم رحلة ترفيهية لأبناء مؤسسات خيرية إلى المتحف المصري الكبير احتفالا بيوم اليتيم    من ستوكهولم إلى أوسلو مهرجان مالمو للسينما يطلق جولة سينمائية سعودية    القوات المسلحة تدفع عددا من اللجان لإنهاء المواقف التجنيدية للمواطنين بالمناطق الحدودية (فيديو)    ضبط سائق ميكروباص يسير عكس الاتجاه بالجيزة    الإفتاء: الشرع نهى عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بأحسن الوجوه    حذر منها النبي.. 6 عادات تدمر حياتك وعلاقتك بربك    بدا كأنه كلام شخص مسلم.. كيف علق ترامب على رسالة إنقاذ طيار أمريكا فى إيران؟    صحة كفر الشيخ: تقديم 2575 خدمة طبية مجانية بقافلة طبية بقرية الفتوح بفوه    زيلينسكي: روسيا أطلقت أكثر من 40 صاروخا ونحو 2800 طائرة مسيرة على أوكرانيا خلال أسبوع    مهرجان المسرح لشباب الجنوب يقدم عروضا تفاعلية للأطفال بقنا    منزل وسيارة.. مكافأة التأهل لكأس العالم للاعبي الكونغو    محافظة الجيزة تنظم رحلة ل100 من أبناء إحدى المؤسسات الخيرية للمتحف الكبير    جيش الاحتلال يعلن اغتيال قائد العمليات الخاصة بالحرس الثورى الإيرانى أصغر باقرى    كيف ساهمت الأحداث الجيوسياسية فى تحول التركيز بشكل حاد نحو منظور أمن الطاقة؟    لإعادة بناء عظام الوجه.. جراحة استغرقت 7 ساعات بمستشفى كفر سعد في دمياط    التأمين الصحي تستقبل وفدًا رفيع المستوى من البنك الدولي لتعزيز الشراكة الاستراتيجية    «دراسة حديثة»: انخفاض وزن الولادة يزيد خطر السكتة الدماغية لاحقًا    أمريكا وإيران تتسلمان خطة سلام وترامب يتوعد "بالجحيم"    رئيس جامعة القاهرة يصدر قرارات بتعيين 24 قيادة جامعية جديدة    جيش الاحتلال الإسرائيلي: إنذار عاجل بالإخلاء لسكان 7 أحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت    وظائف حكومية جديدة 2026.. 275 فرصة بوزارة العدل وتخصصات متعددة عبر بوابة التوظيف الرسمية    دعاء صلاة الفجر| اللهم اغفر لنا الذنوب التي تحبس الدعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحلة فى أوتوبيس مصر‏!‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 20 - 03 - 2010

تأكدت وأنا واقف محشور برضاى وبملء إرادتى‏..‏ داخل تلك العربة الحديدية من الصاج الملون بالأخضر والأصفر والتى يقودها سائق يلبس طاقية على رأسه ويخفى عينيه المكدودتين بنظارة شمسية صينية رخيصة سوداء‏. والتي يركب فيها خلق الله من الذين دعت عليهم أمهم ألا يكسبوا في حياتهم دنيا وآخرة‏..‏ والتي يطلقون عليها تجاوزا اسم‏:‏ أوتوبيس نقل عام‏..‏ في قلب زحام القاهرة ساعة خروج الموظفين‏..‏ أن هؤلاء الركاب المطحونين المعذبين المأزومين من كلمة أزمة هم أفراد عينة منتقاة بعشوائية من أفراد هذا الشعب الذي تجرب فيه الحكومات المتعاقبة مخططاتها الفاشلة وبرامجها المستوردة وكأنهم عينة من فئران التجارب البيضاء‏..‏ التي لا يعني واضعو هذه المخططات والبرامج أن يمرض‏..‏ يعيش‏..‏ أو يموت بفيروس انفلونزا الخنازير أو حتي يروح في ستين داهية وقوفا وضربا أو إهانة أو حتي موتا برضه‏..‏ في طابور العيش او طابور انابيب البوتاجاز أو السولار‏..‏ أو سحقا تحت أقدام غول الأسعار الذي يزداد سمنة وغلظة وبجاحة وتوحشا يوما بعد يوم‏..‏ لا أحد يوقفه‏..‏ لا أحد يقدر عليه‏..‏ أو موتا بطيئا علي سرير المرض في مستشفي بلا رعاية بلا دواء اسمه المستشفي الميري‏..‏ مع الاعتذار للصديق حاتم الجبلي وزير الصحة‏..‏ أو تنطعا وتسكعا في الشوارع وعلي المقاهي لجيل مصري بحاله ومحتاله يحمل الشهادة نعم‏..‏ ولكن بلا عمل وبلا أمل‏.‏ والحمد لله‏!‏
هذه العينة من البشر المطحونين ذهابا وعودة داخل أوتوييس نقل عام سائقه بلا علاوات‏..‏ والكمساري يشكو لطوب الأرض بيته الذي تهدم وأسرته التي تنام في الحارة‏..‏ ووزير الجبايه يلاحقه بالضريبة العقارية اليوسفيه‏.‏ هي الشريحة المصغرة لأهل مصر المطحونين المغلوبين علي أمرهم وليس المبسوطين المنعمين دنيا وآخرة والتي تحمل علي كتفيها كل ما يعانيه أهل مصر كلهم من أخطاء وخطايا حكومات ومخططات بنكية ونقدية مستوردة وغير مستوردة وبرامج حكومية الكترونية ما أنزل الله بها من سلطان‏..‏ والتي تبشر الناس بحل أزماتهم كلها‏..‏ ولكن بعد سنوات طالت أو قصرت‏..‏ وموت ياحمار‏!‏
وخطايا وزراء كل واحد يعمل وحده ومن دماغه في جزيرة مستقلة‏..‏ وربان سفينة الوزراء مشغول بالبرامج والمخططات وبالكرسي انتظارا لتعليمات الرئيس وتدخل الرئيس عندما تتفاقم الأمور وتتأزم ويصبح الخروج منها كمن يريد الخروج من خرم ابرة‏..‏ كما حدث في أزمة رغيف العيش‏..‏ والبوتاجاز والضربية اليوسفيه لولا تدخله لحدث ما لا تحمد عقباه‏!‏
‏.................‏
‏.................‏
راكبا محشورا مخنوقا متشعلقا بماسورة سقف الأوتوبيس ومستندا بظهري إلي ظهر كرسي يجلس عليه ثلاثة من الركاب‏,‏ بينهم امرأة حامل وطفل علي كتفها وتلميذة بضفائر وخنشور بشنبات ونظارة طبية عرفت أنه أبو الصبية عندما شخط فيها متوعدا‏.‏ بقوله‏:‏ بس أما ننزل يا مقصوفة الرقبة‏!,‏
هذه هي المرة الأولي بعد خصام دام أربعة عقود أركب فيها أوتوبيسا‏..‏ والذي كنت أقدر عليه في شبابي لم يعد الآن في احتمالي ولكن‏..‏
قد تسألون‏:‏ ولكن ما الذي وضعك في هذا المأزق وهذا المطب بعد سنوات طويلة من الشعبطة واللعبطة في الأوتوبيسات أيام الثانوي والجامعة؟
وجوابي لكم‏:‏ الذي وضعني في قلب أوتوبيس مثل علبة السردين في ذروة ساعة الصفر في قلب زحام العاصمة‏..‏ هو زميل صحفي أمريكي هذه المرة اسمه جيفري فليشمان مراسل صحيفة لوس أنجليس تايمز في القاهرة‏..‏ ركب أوتوبيس نقل عام في قلب العاصمة‏..‏ وشاهد وسمع وسجل كلمات وتعليقات ركابه‏..‏ وكتب مقالالم يعجبني في صحيفته تحت عنوان أوتوبيس القاهرة تعبير عن الفوضي في مصر‏..‏ وقال فيه الركاب فيما قالوه لجيفري فليشمان إنهم يعانون ارتفاع الأسعار والفساد والفوضي والرشوة التي انتشرت‏.‏
ولقد ركبت نفس الأوتوبيس لا لكي أرد علي المراسل الصحفي الأمريكي الذي يري الدنيا بعيون أمريكية‏..‏ ولكن لكي أعرف حقيقة ما يجري في بلدنا‏..‏ من خلال هذه الشريحة من ركاب الأوتوبيس‏..‏ وهم عينة مصغرة لكل شعب مصر في حياته اليومية‏..‏ فرحه وترحه‏..‏ بسمته ودمعته‏..‏ شقائه وشقاوته‏..‏ داخل جدران أوتوبيس وخلال مسافة زمنية لا تتجاوز الساعتين‏..‏ يتحدث الناس ويفضفضون دون خوف‏..‏ فالهم ثقيل الظل والحمل يهد الحيل‏!‏
‏................‏
‏...............‏
محشورا في قلب أوتوبيس يتحرك كالتعبان في قلب القاهرة ساعة الذروة‏..‏ الوجوه‏..‏ كل الوجوه داخل هذا القفص الحديدي مكفهرة‏..‏ مقطبة‏..‏ منكسرة‏..‏ تحمل تذكرة حزن بمجرد صعودها درجات الأوتوبيس‏..‏ أين ابتسامة المصريين‏..‏ أين فرحهم‏..‏ أين مرحهم‏..‏ أين سخريتهم اللاذعة من الحياة‏..‏ حتي علي أنفسهم‏..‏ كلها ضاعت‏..‏ ولكن كيف ضاعت كما قال عبدالوهاب لست أدري‏!‏
الأوتوبيس نفسه قادم من حي الأحزان المتجددة‏..‏ من آخر شارع الهرم‏..‏ من الطالبية وسائرا في قلب عشوائيات وأحياء لم يسمع عنها أحد‏..‏ من حي الكونيسة برفع الكاف هكذا اسمه‏..‏ والذي أصابه بنكسة نصاب توظيف أموال في مقتل عندما جمع من دم سكانه الغلابة ثلاثين مليون جنيه علي حد كلام الأهالي وفر بها‏!‏
واحد واقف يميل علي واحد جالس‏..‏
فيما يبدو من هيئتهما وملبسهما أن الجالس موظف في أحد المصالح الحكومية‏..‏ والواقف ملاحظ أو رئيس وردية عمال في أحد المصانع‏..‏
الواقف يهمس في أذن الجالس وأنا أسمع غصبا عني‏:‏ يا أخي البلد دي مافيهاش فايدة خالص‏!‏
الجالس‏:‏ ليه كفا الله الشر‏!‏
الواقف‏:‏ يا أخي رحت أرخص موتوسيكل صيني‏..‏ ماهو كل حاجة في بلدنا بقت دلوقتي صيني‏..‏ المهم لازم أدفع في كل شباك أقف عليه في المرور‏..‏ حاجة كده عشان الشغل يمشي‏!‏
الجالس‏:‏ حاجة زي إيه كده؟
الواقف‏:‏ بيسموها حق الشاي‏..‏ أو إكرامية‏..‏ أي حاجة كده من ذوقك‏..‏ أو فتح مخك خليك معانا‏..‏
الجالس‏:‏ رشوة يعني؟
الواقف‏:‏ موش بالضبط‏..‏ لكن لابد من دفعها في أي مصلحة حكومية وغير حكومية في البلد دلوقتي‏..‏ وإلا مافيش حاجة من مصالحك تمشي أبدا‏..‏
قلت في نفسي‏:‏ أهو ده فساد المحليات اللي قال عليه المناضل الصديق الكبير زكريا عزمي بعلو صوته في البرلمان‏..‏ وكل يوم والثاني يكرره‏..‏ ولا حياة لمن تنادي‏!‏
والذي تكلم عنها أخونا الصحفي الأمريكاني جيفري فليشمان في صحيفة لوس أنجليس تايمز وسماها باسمها الصريح‏:‏ الفساد‏!‏
يأتيني صوتها عبر الموبايل‏:‏ ياريس‏..‏ انت موش شايفني‏..‏ أنا قاعدة في آخر صف عا الشمال‏..‏ بص كده‏!‏
بصيت ولقيت الصحفية المتدربة فريدة عبدالستار بشحمها ولحمها وشقاوتها جالسة مبتسمة علي الكرسي‏!‏
سألتها‏:‏ إيه اللي جابك‏!‏
قالت‏:‏ معقولة ياريس أسيبك لوحدك في وسط الغابة دي‏..‏
تركت لها مهمة التسجيل صوت وصورة لكل ما يجري داخل أوتوبيس الناس الغلابة المنطلق كالثعبان العجوز وسط العاصمة الساحرة في ساعة الذروة‏..‏
‏................‏
‏................‏
وسط الدوشة والهيصة وخنقة الزحام يوجه رجل ضئيل الجسم‏..‏ أسمر البشرة‏..‏ سؤالا إلي كل الركاب‏:‏ سمعتوا يا جماعة حكاية محافظ بني سويف في اذاعة صوت العرب النهاردة؟
سكت البعض وأجاب البعض‏:‏ لا‏..‏ في إيه؟
قال وقد انفرجت أساريره كمن ظفر بانتصار عظيم‏:‏ الراجل ده‏..‏ قال لنفسه روح اتنكر في طابور عيش‏..‏ راح وطبعا معاه الحرس متنكر زيه تمام‏..‏
ردت المرأة ذات العينين المبتسمتين‏:‏ أمال يعني هايروح من غير حرس‏!‏
قال الرجل الأسمر ضئيل الحجم‏:‏ راح ياستي وقف في الطابور زي خلق الله‏..‏ قالك الأول كان الطابور ماشي وبعدين وقف‏..‏ فضل الطابور واقف بتاع ساعة إلا ربع‏..‏
يتعجب الرجل الأصلع ذو الحسنات الكثيرة في وجهه‏:‏ ياه ساعة إلا ربع‏!‏
لم يلتفت أحد لكلامه‏..‏ أكمل الرجل ضئيل الحجم قائلا‏:‏
قاللك دخل جوه الفرن‏..‏ واللي يتكلم معاه طبعا نهار أبوه أسود‏..‏ عارفين المحافظ لقي إيه؟
قال وهو في منتهي الدهشة‏:‏ لقي عين‏!‏
قلنا كلنا في صوت واحد‏:‏ عين إيه بالصلاة علي النبي‏!‏
قال‏:‏ عين سحرية في الفرن من ورا بيطلعوا منها العيش من الناحية التانية‏!‏
يسأله فتي نحيل كان يقف إلي جوار الباب‏:‏ وبعدين سيادة المحافظ عمل إيه ياتري؟
قال‏:‏ سحب منهم رخصة الفرن واداها لواحد تاني فورا‏..‏ ونقل بتوع التموين لحتة تانية‏..‏ شتتهم يعني‏..‏
ارتسمت علامات الرضا علي الوجوه لما جري‏..‏ وقال الرجل صاحب النظارة النظر‏:‏
ياسلام بقي لو رئيس مجلس الوزراء يعمل زي ما عمل محافظ بني سويف كانت كل مشكلات البلد تتحل‏!‏
‏................‏
‏...............‏
الكلمات والتعليقات علي لسان الركاب‏..‏ كل واحد في حاله وكل واحد في مواله‏:‏
هي الحكومة بتعاقبنا واللا إيه‏..‏ نكونش عملنا حاجة مخلياها غضبانة علينا؟
أكيد‏..‏ أمال تفسر بإيه انهم بيزعلوا لو لاقونا مبسوطين‏..‏ بيدوروا إيه اللي بيعكنن علينا ويعملوه‏!‏
تكونش الحكومة هي اللي استوردت فيروس انفلونزا الخنازير عشان تتخلص من الشعب النكدي ده؟
عشان الناس تخف شويه والبلد تروق والحاجات ترخص‏!‏
‏..............‏
‏..............‏
خيب ظني وشطب علي كل توقعاتي وألغي كل حساباتي‏..‏ فتي مصريا يحمل علي ظهره حقيبة يطل من رأسها آلات وعدد معدنية تقول إن حاملها إما كهربائي أو سباك‏..‏ ألقي أول دعاية أسمعها من زمن‏..‏ قال لصاحبه الذي يتكئ علي ظهر كرسي محشور فيه ثلاثة ركاب‏:‏ أنا بأستغرب والله علي الراجل اللي ضرب واحد في طابور انابيب البوتاجاز بسكينة عشان وقف قدامه في الطابور وخد بداله الانبوبة‏..‏ وراح في ستين داهية‏..‏ واللي ضربه شالوه هيلا بيلا عا القرافة‏!‏
يرد صاحبه‏:‏ ويضرب أبوه كمان‏.‏
قال ساخرا‏:‏ ده بيفكرني بالصعيدي اللي قتل أبوه عشان يروح رحلة مجانية للأيتام‏!‏
يضحك كل من يسمع الدعابة‏..‏ ولكن صاحبنا لم يسكت‏.‏
قال‏:‏ موش بس كده‏..‏ ده قتل عمه كمان‏..‏ عشان ياخد معاه ابن عمه رحلة الأيتام‏!‏
لم يضحك أحد للدعابة‏..‏
يتكلم موظف وقور عليه القيمة معلق بيديه في ماسورة مربوطة بالسقف‏:‏ والنبي انتم فايقين ورايقين عا الصبح‏..‏ بتتكلموا علي رغيف العيش بس‏..‏ طيب وقزازة الزيت اللي قفزت من ثلاثة جنيه الي حداشر جنيه مرة واحدة‏..‏ انتم عارفين الزيت بالنسبة للناس الغلابة يبقي إيه‏..‏ يبقي حياتهم وأكلهم اليومي‏..‏ مع شوية فول‏..‏ مع شوية بادنجان مقلي أو بطاطس مقلية أو طبق كشري‏..‏ ده أكل أهل مصر كلهم‏..‏
من آخر الأوتوبيس جاء صوت الكمساري نفسه‏:‏ موش بس كده يا أستاذ‏..‏ الرز بقي بأربعة جنيه والمكرونة بسبعة والسكر بأربعة برضه‏..‏ نعيش ازاي بس يا عالم‏..‏ واحد كل مرتبه مع الحوافز وكمان نسبة من التذاكر طول النهار واقف علي رجليه مزنوق ومخنوق ومتخانق رايح جاي مع الركاب عشان الفكة والتزويغ لا يزيد علي تلتميت جنيه أول عن آخر‏!‏
تضرب سيدة مسنة جالسة في منتصف الأوتوبيس بيدها المعروقة علي صدرها وتمد رأسها إلينا وهي تقول‏:‏ يا ضنايا يابني‏..‏ وتلاقيك كده عندك زوربة عيال‏..‏ بتوكلهم ازاي يا حبة عيني‏!‏
يجيبها الكمساري من آخر الأوتوبيس‏:‏ دول ما يكفوهمش عيش حاف يا والدتي‏..‏ ربنا يخليه لينا اللي ساترنا لحد دلوقتي‏!‏
سأله الشاب صاحب الدعابة‏:‏ مين هو ياتري؟
يرد الكمساري‏:‏ الحاج نصحي صاحب محل العصير اللي علي ناصية حارتنا في درب قتاتة‏..‏ أهو بأقعد بعد الوردية أمسكله حساب المحل والبيع والشراء‏..‏ وآخر الليل وباخد اللي فيه النصيب‏!‏
الشاب صاحب الدعابة‏:‏ أهي ماشية معاك ياعم‏..‏ وبتقربع لك كمان كام كباية عصير قصب عا الماشي‏!‏
الكمساري وقد وصل إليه بعد مزاحمة الواقفين والمحشورين‏:‏ طيب يا ظريف الظرف‏..‏ إيدك بقي علي ثمن التذكرة‏!‏
‏...................‏
‏...................‏
كأنه داعية من الذين يرتدون زي المشايخ المبجلين والذين يطلعون في الفضائيات لكي يقدموا فتاويهم المضروبة والتي تثير فرقعات أكثر مما تصنع تعبدا ونسكا وفضيلة‏..‏ قام من مكانه مخاطبا كل من في الأوتوبيس الذي يئن ويتوجع من كتل اللحم والشحم والهم المحشورة داخل جنباته‏:‏
يا جماعة‏..‏ انتم ما عندكوش رحمة‏..‏ الرحمة بالحكومة‏..‏ عمالين طيخ طاخ من ساعة ما ركبنا‏..‏ ما سبتوش وزير ولا مسئول إلا وشرحتوه قدامنا‏..‏ ناقص بس يخر دم ويقع من طوله‏..‏ هي الحكومة حتعمل لكم إيه واللا إيه‏..‏ وانتم ماليين الدنيا عيال وخلفة‏..‏ وانتم قربتم علي ثمانين مليون‏..‏ بالذمة الدولة تكفيكم عيش حاف بس إزاي‏..‏ عاوزة تزرع وتعجن وتقرص وتخبز لكم‏240‏ مليون رغيف يوماتي‏..‏ ياسنة سودة يارجالة‏..‏ ده لو كل واحد بس أكل تلات أرغفة عيش في اليوم‏..‏ ده غير الغموس‏..‏ وغير الهدوم وغير المدارس وغير الوظايف وغير الشقة عشان خاطر المحروس يتجوز والمحروسة تخش بيت العدل بفتح العين والدال !‏
اشتغلوا كده واعرقوا وحللوا لقمة العيش اللي بتطفحوها‏!‏
أصوات الركاب‏..‏ وربما كل أهل مصر‏..‏ تلاحقه وتكاد تصعقه‏:‏
انت يا عم ركبت الأوتوبيس بتاع أيام الاتحاد الاشتراكي‏..‏ وبقيت دلوقتي حزب وطني واللا إيه‏!‏
انت إيه ياعم‏..‏ انت عايش في المريخ‏..‏ انزل كده وشوفنا عايشين ازاي؟
القرش مات واندفن‏..‏ وفي الطريق الربع جنيه اللي الشحات ما بقاش يرضي ياخده والجنيه أصبح زي العشرة صاغ بتاع زمان‏!‏
هو الجنيه يافضيلة الشيخ يجيب إيه دلوقتي‏..‏ عشرين رغيف مضروب علي قلبه وكاشش علي روحه وياريت تعرف تجيبه‏..‏ أو حزمتين جرجير أو ثمن مسح الجزمة دلوقتي عا القهوة‏..‏ ده حتي الجورنال اللي اسمه الجورنال اللي كنا بنجيبه بثلاثة تعريفة زمان أصبح ثمنه دلوقتي جنيه وربع‏!‏
انت ما سألتش نفسك يا حافظ كلام ربنا كنت بتركب الأوتوبيس بكام ودلوقتي بتركبه بكام‏..‏ واللا تذكرة الميكروباس كل يوم السواقين يزودوها وماحدش بيقولهم تلت التلاتة كام‏!‏
طيب بذمتك يا حاج‏..‏ كيلو اللحمة دلوقتي بكام‏..‏ شوف الموظفين دلوقتي بيحسبوا مرتباتهم باللحمة‏..‏ يعني اللي بياخد‏450‏ جنيه‏..‏ يعني مرتبه في الشهر عشرة كيلو لحمة‏!‏
واللا يحسبوها بالجزم‏.‏ بلدي أحذيه فيه دلوقتي جزمة ب‏400‏ جنيه‏..‏ ياعمنا في المظاهرات الاحتجاجية للموظفين رفعوا لافتات مكتوب عليها‏:‏ مرتب الموظف ما يساويش ثمن جزمة‏!‏
‏................‏
‏................‏
يطوي رجل طويل القامة جالس علي كرسيه من أول الخط الصحيفة التي يقرأها ويخلع نظارته الطبية ويضعها بحرص شديد في علبتها الجلدية ويرفع صوته بعبارة وكأنه يكلم نفسه‏:‏ هو العرب ياجماعة جرالهم إيه‏..‏ مكتوب عليهم الاختلاف والخصام والفرقة‏..‏ عمرهم ما يتفقوا علي حاجة‏..‏ عشان كده العالم لا يحترم كلمتهم‏..‏
يتدخل شاب يحمل حقيبة كتب في يده‏..‏ فيما يبدو أنه يدرس في الجامعة‏:‏ وآدي النتيجة الدول العربية موش طايقه بعضها‏..‏ كلها خلافات ومشادات وخناقات جانبية‏..‏ وإسرائيل ضمت الحرم الابراهيمي وبكره هتهد المسجد الاقصي واحنا في سابع نومه‏!‏
‏.................‏
‏.................‏
عند محطة النهاية‏..‏ ينفض السامر ويلفظ الأوتوبيس ركابه‏..‏ وكما دخل الركاب قفزا ونطا وجريا وحشرا‏..‏ خرجوا إلي الطريق يتحسسون هدومهم وجيوبهم ويعدون أنفاسهم ويحمدون الله علي سلامتهم ويمضي كل واحد إلي همه وينسون تماما ما جري وما دار خلال ساعتين من عمر الزمن داخل أوتوبيس مصر‏!‏
نمرة واحد‏:‏ ليه كل مشكلة أو أزمة تحصل الحكومة تستني وتستني لحد لما يتدخل الرئيس‏..‏ هو الريس هيعمل إيه واللا إيه‏..‏ وليه الحكومة ما تعملشي هي من نفسها ولا تنتظر تدخل الرئيس وتوجيهات الرئيس؟
نمرة اثنين‏:‏ أنا متهيألي والله أعلم ورسوله أن الحكومة بتعقد اجتماع يوماتي يضم أعضاء مجلس الوزراء الموقرين ويبحثوا حاجة واحدة بس‏..‏ وجدول أعمال واحد بس‏..‏ وهو ازاي يعكننوا علي الناس‏..‏ إزاي يدايقوا الناس‏..‏
أيام رغيف العيش‏..‏ وايام مافيش انابيب وأيام مفيش سولار وأيام غلو الأسعار الفاحش‏..‏ وأيام الدم الفاسد في المستشفيات‏..‏ وأيام إنفلونزا الطيور‏..‏ وأيام انفلونزا الخنازير‏..‏ وايام الضريبة اليوسفية العقارية‏..‏ المهم أن الناس تتعكنن وخلاص‏..‏ وتبات مولعة وشايطة علي الآخر‏!‏
يصيح رب اسرة‏:‏ بس ربنا يرجعلنا الريس ويشفيه لنا‏..‏ لانه ه بس اللي يقدر يحل لنا كل مشاكلنا‏!‏
‏................‏
‏................‏
وينفض السامر‏..‏ ويذهب كل واحد من ركاب اتوبيس مصر إلي حال سبيله‏..‏ يحمل نصيبه من هموم مصر‏!{‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.