الإسراف في إنفاق الأموال قد يشعر المرأة بالسعادة وعلو الشأن وبالإشباع والرضا, وهوعادة يمكن أن تلازمها طول الحياة بغض النظر عما إذا كانت ثرية أوفقيرة أوغير قادرة علي الشراء, وبالرغم أن الهدف منه قد يكون طيبا وهو إكرام الغير والنفس والأبناء وتقديم أسباب السعادة لهم في شكل سلع ومشتريات, إلا أن الإسراف علي صعيد آخر صفة مذمومة وذلك حين يكون الهدف منها المظهرية وإقتناء الأشياء غير الضرورية دون حسبان للعواقب والمخاطر, فكثير من الغارمات كان سبب دخولهن السجن وصدور الأحكام ضدهن هو لجوئهن للسلف والاستدانة من الغير وكتابة كمبيالات أو شيكات بدون رصيد, كما أنه قد يكون سببا في استهتار الأبناء وعدم تحملهم للمسئولية.. فهل الإسراف هو نوع من الكرم.. أو هو موضوع وراثي.. أم خلل عقلي.. أم هو سلوك ناتج عن الحرمان المادي أو تعويض عن الحرمان العاطفي؟.. والسؤال الأهم هل تختلف درجة الإسراف والبعزقةعند المرأة منها عن الرجل؟.. وماهو تأثيره علي الأبناء؟ د. أحمد خيري حافظ أستاذ علم النفس جامعة عين شمس يؤكد: أن دراسات حديثة أكدت في مفاجأة للجميع أن الرجال أكثر إسرافا من النساء-علي عكس ماهو شائع-, فالرجل عادة ماتكون يده مخرومة في الصرف وليس لديه القدرة علي ترتيب الأولويات في الاحتياجات عند القيام بعملية الشراء, وذلك مقارنة بالمرأة التي تكون في العادة وزيرة اقتصاد من الدرجة الأولي وذات كفاءة عالية في ترتيب أولويات احتياجات الأسرة قبل احتياجاتها الشخصية, والدليل علي ذلك أن الرجل قد يأتي في نهاية النهار محملا بخيرات الله من فاكهة وطعام وفي الغالب يكون البيت ليس في حاجة إليها ويكون مصيرها سلة المهملات, وفي محلات الملابس نجد الرجل سريعا في اتخاذ قرارات الشراء دون أن يفكر في السعر أو المقاس المناسب للأبناء, عكس المرأة التي تنتقي معظم مشترياتها وتدقق في الأسعار قبل الشراء, والمرأة دائما ماتنتظر موسم التخفيضات وتختار مايناسبها وأولادها وفق ميزانية نادرا ماتحيد عنها, بل إنها قد تشتري لهم مقاسات أكبر حتي تكون صالحة لأطول وقت ممكن, في حين يفضل الرجل الشراء في أول الموسم دون انتظار الأوكازيون ويخجل أن يقوم بعملية الفصال. وعن المعني الحقيقي لكلمة الإسراف فنجدها لاتعني فقط الإغداق في الأموال إنما تعني أيضا الإغداق في المشاعر والعواطف, فغالبا مانجد المرأة المسرفة ماديا تغدق بعواطفها علي كل من حولها من أفراد أسرتها, وصديقاتها وزميلاتها في العمل, ونجد الرجل المسرف ماديا هو الأكثر حنانا والأكثر تعبيرا عن حبه وعواطفه لزوجته لذا فهي دائما مسار حسد غيرها من الزوجات, وبالرغم من أن الإسراف العاطفي قد يبدو دائما أنه يسبب الرضا والسعادة لصاحبه إلا أن شأنه شأن الإسراف المادي كثيرا ما ينتهي بالضرر وفقدان القيمة, لذلك عندما يكثر المراهقون ويسرفون في عواطفهم ينتج عن هذا الإسراف فشل متوقع في علاقاتهم العاطفية, فيأتي الحزن والإكتئاب وأحيانا ياتي الفصام عندما لايتم توجيه هذه العواطف وترشيدها- والفصام هو إضطراب عقلي ناتج عن ضغوط عاطفية ووجدانية شديدة. وقد أكد العلماء أن الإنسان قد ينتقل في بعض مراحل العمر المتقدمة من عادة الإسراف إلي عادة التقطير والبخل الشديدين, فكلما كبر الإنسان واقترب من مرحلة الشيخوخة أصبح يخشي الزمن ويواجه هذا الخوف بالإدخار والبخل وعدم الإسراف, لذلك كثيرا مايشكو الأبناء من أن آبائهم أصبحوا أكثر بخلا وتقطيرا في كبرهم عما تعودوه منهم في مراحل سابقة من أعمارهم. وعن الأطفال نقول: إنهم الأكثر سخاء وإسرافا في الشراء علي الإطلاق وإن عطاءهم دائم وبلاحدود, فالطفل عادة لايبقي شيئا في يديه ويعطي كل مامعه للآخرين, لذلك عندما نجد من بين الأطفال واحدا يتسم بالبخل فلابد أن نتأكد أنه في حاجة للإرشاد والعلاج. وقد أكدت الكثير من الدراسات أن الإسراف هو قضية نسبية تختلف من مجتمع إلي آخر, ويرتبط بظروف المجتمع الاقتصادية وطبيعة القواعد المنظمة للسلوك فيه, فالمجتمعات المتقدمة يتسم أفرادها بالانضباط والدقة والترتيب والنظام, بعكس المجتمعات المتخلفة التي يكون فيها الأفراد في حالة عشوائية وعدم دراسة للاحتياجات في مختلف الأسواق, فلانندهش عندما نعرف أن الأمريكي لايشتري إلا مايسد حاجته- أو حاجة أسرته- فقط- دون زبادة أو نقصان, فهويشتري تفاحة واحدة أو ثلاثة أصابع من الموز أو أنه يشتري نصف رغيف بدلا من رغيف كامل حتي لايلقي ببقيته في سلة المهملات وهو ما لا نراه في المجتمعات النامية, ولذلك فإن الإفراط مرتبط بالتخلف وبضيق الأفق وعدم الوعي وهو أيضا مخالف للشريعة ومخالف لكافة الإلتزامات الدينية, ويقول عز وجل كلوا واشربوا ولاتسرفوا.. صدق الله العظيم سورة الأعراف الآية7, ويقول تعالي.. ولاتجعل يدك مغلولة إلي عنقك ولاتبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا سورة الإسراء الآية29. وقد يضر الإسراف بالحالة النفسية للأبناء, فمن علامات الصحة النفسية القدرة علي تحمل الإحباط أو عدم الإشباع, فالأب الذي يسرف في توفير طلبات أبنائه ويغدق عليهم من مباهج الحياة هو بذلك يؤذيهم أذي بالغا, لأنهم عندما يواجهون المشكلات في حياتهم المستقبلية لايستطيعون تحملها أو مواجهتها ولايستطيعون حلها أو الخروج منها, لذلك فمن المهم لأبنائنا ألا نلبي جميع طلباتهم لأن الحياة لن تفعل معهم ذلك. ولأن القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود كما يقول المثل فإن د. أحمد خيري حافظ يحذر من الإسراف ويري أن علينا كآباء أن نعلم أبناؤنا عدم الإسراف منذ طفولتهم حتي لايسير الإسراف طبعا من طباعهم وعادة لايستطيعون الاستغناء عنها في كبرهم, وذلك بأن نكون قدوة لهم في الإنفاق وألا نسرف في العطاء بهدف إرضائهم, لأن هذا السلوك يعلمهم الأنانية والجشع ويرسخ لديهم قاعدة الأخذ دون العطاء, فتتوقف علاقاتهم بالآخر علي مدي الأخذ والاستفادة, فالاعتدال في العطاء مطلوب, أيضا علينا مناقشتهم باستمرار عن أوجه إنفاقهم وإلي أي مدي هي منطقية وضرورية, ونعلمهم التخطيط لحياتهم الاقتصادية ونرسخ لديهم قيمة الإدخار, فالأسرة المصرية التي لاتضع المستقبل ومفاجآته في الحسبان تقع في خطأ كبير وكثيرا ماتتورط في المشكلات, وأخيرا يري علماء الاقتصاد أن في هذه الظروف التي تمر بها البلاد علينا أن نتعلم جميعا أهمية عدم الإسراف, وأن نستغني عن شراء السلع غير الضرورية, فالاعتماد علي النفس وتقدير النعمة وعدم البعزقة هو المبدأ الذي يجب أن نرسخه درسا حياتيا للأبناء.