ارتفاع تاريخي للذهب.. الأوقية تتجاوز 5200 دولار وسط ضبابية اقتصادية    ارتفاع طفيف لأسعار الذهب العالمي مع تزايد الغموض بشأن الرسوم الجمركية    تقرير رسمي يكشف تفاصيل واقعة مقتل الممرض "بريتي" في مينيابوليس    ولي العهد السعودي يؤكد لبزشكيان رفض استخدام أجواء المملكة لأي هجمات على إيران    السلطات الأمريكية تفرج عن معتقل أدى احتجازه لاستدعاء مدير وكالة الهجرة للمثول أمام المحكمة    ترامب: قمنا بحل مشكلة معقدة بالتنسيق مع سوريا وأنقذنا الكثير من الأرواح    القبض على المتهمين بقتل شخص فى المطرية    لا يوجد له علاج أو لقاح، الصحة العالمية تتحدث عن عودة أخطر الفيروسات في العالم    طريقة عمل طاجن فاصوليا بيضاء صحي، وجبة شتوية متكاملة    إصابة رجل بعد تبادل إطلاق نار مع دورية حرس الحدود قرب الحدود الأمريكية-المكسيكية    بين هاجس ارتفاع الأسعار وطمأنة الحكومة.. إقبال كبير على شراء مستلزمات رمضان    كسر حاجز 5200 دولار للأوقية| الذهب يُحطم الأرقام القياسية ويسجل أعلى سعر في تاريخه    منى عشماوي تكتب: ليس كل تحرك للأساطيل الأمريكية وراءه ضربة عسكرية!    جولة ميدانية شاملة بالأقصر| الأمين العام للآثار يتابع البعثات والاكتشافات ومشروعات الترميم الكبرى    فيروز أبو الخير تتأهل إلى نصف نهائي بطولة سبروت للأبطال 2026    عاجل ترامب يعلن قرب الكشف مرشحه لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي    سيناريو محدد ونفذناه، إكرامي يكشف عن مفاجأة الخطيب قبل جلسة رمضان صبحي بيومين (فيديو)    الدوري المصري، محمود وفا حكما لمباراة الزمالك وبتروجيت ومعروف للمصري وسيراميكا    وكيله: توروب متمسك باستمرار ديانج مع الاهلي أمام عرض فالنسيا    أحمد هاشم يكتب: كلنا مسئولون    تحرير محضر ضد 8 من أسرة مدرب كاراتيه بعد مشاجرة أمام محكمة الفيوم    إصابة 8 أشخاص في انقلاب سيارة بالطريق الزراعي بالبحيرة    محافظ الإسماعيلية يقود حملة لرفع الإشغالات والتصدى لسرقة الكهرباء.. فيديو    السيطرة على حريق بمحل بويات فى المنوفية    ضبط عاطلين بشبرا الخيمة لاتهامهما بتهديد المارة بالسلاح وهتك عرض فتاة    30 دقيقة تأخير في حركة القطارات على خط «القاهرة - الإسكندرية».. الأربعاء 28 يناير 2026    «طفولتي حتى الآن».. رواية تتحدث عن ذاكرة تكتب كل يوم    حفل كتاب الرسائل المصرية.. أنشودة فى حب مصر بحضور الرئيس اليمنى الأسبق على ناصر.. فيديو    صدور كتاب «التصوف والدولة الوطنية» في معرض القاهرة الدولي للكتاب    محمد علي السيد يكتب: تفليت.. قصة    أمريكا تستعد لفتح سفارتها في فنزويلا بعد إغلاقها 6 سنوات    ممدوح الصغير يكتب: صناعة الوعي في زمن الصراعات    قالوا للحرامي احلف".. يوسف بطرس غالي ينفي الاستيلاء على أموال التأمينات ويمدح السيسى    شريط لاصق على هاتف نتنياهو يثير جدلا واسعا حول الأمن السيبراني.. كيف تحمي بياناتك من التجسس؟    «باركوا لأبو الولاد».. زينة تثير الجدل حول زواج أحمد عز    خبر في الجول - صبحي يحرس مرمى الزمالك أمام بتروجت.. واستبعاد عواد    رئيس قضايا الدولة: الهيئة تضطلع بدور عبر العمل على تحقيق العدالة الناجزة    الجنيه يبدأ ريمونتادا الإصلاح الاقتصادى ويهزم الدولار بسلاح الصرف الرباعى    إجراء المقابلات الشخصية لراغبي القيد في الجدول العام للمحامين، غدا    وكيل صحة شمال سيناء ل«البوابة»: مستعدون لاستقبال جرحى غزة فور فتح المعبر    حارة ودن القطة.. حين يصير العبث قانونا    دار الشروق تطرح رواية «حوض ريان» للروائي إبراهيم المطولي    الزراعة: لا زيادة فى رسوم تطهير المساقى دعما للمزارعين    كومو يقصي فيورنتينا من كأس إيطاليا ويفوز عليه بملعبه 3-1    وزير الشباب والرياضة يهنئ رئيس مجلس النواب ويبحثان سُبل التعاون المشترك    عضو التنسيقية تطالب بتوفير لقاحى الروتا والمكورات الرئوية مجانا للرضع    أمين الأعلى للشئون الإسلامية: الخطاب الديني الحقيقي هدفه الأخذ بيد الناس للطريق المستقيم    أبرزها المثلية، المفتي يحذر من دعوات تروج لانحرافات أخلاقية تحت ستار التقدم    مفتي الجمهورية: دار الإفتاء تنظر إلى الطلاق بوصفه أحد أسباب ضياع الأسر والمجتمعات    سامح عاشور: انتخابات مجلس الشعب 2010 كانت القشة التي قصمت ظهر السلطة    ضمور العصب البصرى و«تعفن الدماغ» وتدهور الوظائف المعرفية.. أبرز الأضرار    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 27يناير 2026 بتوقيت المنيا    خالد الجندي: الصمت عبادة من أعظم العبادات المهجورة    للعام الثالث على التوالي.. طب عين شمس تحتفي بتخريج الطلاب الوافدين دفعة 2025 | صور    وزارة الأوقاف: مفيش وقت محدد لصلاة التراويح.. والأمر متروك لظروف كل مسجد    عاجل- رئيس الوزراء مستشفى هليوبوليس الجديدة: 42 ألف م2 و400 سرير لخدمة مليون مواطن    طلاب زراعة قناة السويس يشاركون في الدورة الأربعين مصريًا والأولى أفرو-عربيًا بجامعة القاهرة    الأهلي يواجه وادي دجلة في مباراة لا تقبل القسمة | بث مباشر الآن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النجف‏..‏ مدينة القباب الذهبية‏..‏ مدينة القباب الذهبية
الكوفة كربلاء النجف
نشر في الأهرام اليومي يوم 23 - 12 - 2011

أرض الحضارة والتاريخ‏,‏ بلاد الأصالة والتسابيح‏,‏ عاصمة الخلافة والتنوير‏,‏ تنوع ثقافي عريض‏,‏ وتراكم حضاري كبير وعادات وتقاليد ودين, وحكايات وأساطير تعيش ومعتقدات ومواريث لاتلين, حوار وطني مفتوح ونقاش شعبي مطروح, وتواصل روحي مشروع. أنت في بلاد الرافدين وحضارة بابل وروائع ما بين النهرين هنا سطر الأشوريون والسومريون أول كتابة في التاريخ في مدينة اور ليخترعوا الخط المسماري ويؤسسوا النظام التعليمي المركزي الأول في العالم, هنا نشأ أول برلمان في التاريخ في عهد سومر منذ خمسة آلاف سنة.
هنا بابل أحد أجمل مراكز الحضارة المشهورة في العالم القديم والتي اعتبرت جنائنها المعلقة احدي عجائب الدنيا السبع أنجبت قائدها وملكها الفذ حمورابي صاحب المسلة وكتاب قوانينة التاريخي العظيم
أنت في أرض الأنبياء والمرسلين والعظماء حيث مهد النبي إبراهيم وقبر نبي الله هود والإمام علي بن أبي طالب والحسين سيد شهداء أهل الجنة. هنا كانت أول الحروب التي أدخلتنا إلي الحضارة الإنسانية وقصة قابيل وهابيل وأول اجماع سياسي مبني علي علم القوانين. هنا كانت صرخة سعد بن أبي وقاص في زمن الخليفة عمر بن الخطاب تعلن رفع رايات الاسلام والانتصار علي الفرس في معركة القادسية. هنا ظهرت الكوفة أول مركز للخلافة الاسلامية في زمن علي بن أبي طالب جامع الأراضي الحجازية قبل أن تذهب الي الشام في عهد الدولة الأموية وتعود في عهد الدولة العباسية الي بغداد لتصبح عاصمة العلم والمعرفة والابداع هنا كانت عاصمة هارون الرشيد وأبو الطيب المتنبي والخليفة المأمون الذي يوصف بأنه الحاكم المسئول عن أعظم فترات العلوم والأبحاث منذ العصر اليوناني القديم هنا جذب بيت الحكمة اهم فلاسفة العالم ومفكريه وكان ولايزال منارة للعلم والمعرفة. هنا أوسع مقبرة في العالم وأكثر اللحظات عنفا وإرهابا كانت تبدو قادرة علي جعل العراق ينهار سريعا لكنه صمد بعناد ثم واجهه بصلابة وها هو الآن يتجاوز المحنة بكل جدارة يسير علي طريق بناء الدولة علي خطي صعبة لكنها ثابتة.
الدعوة جاءتني لزيارة بغداد للمشاركة في مؤتمر تحت عنوان الخيار الديمقراطي العراقي.. رؤية مستقبلية نظمته المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية برئاسة واثق الهاشمي الذي ارسل لي محاور المؤتمر حيث أوضح أنه يشتمل علي محور وطني يتحدث عن العملية السياسية الديمقراطية ودور النخب فيها, ومعوقات البناء الدستوري.
والخطاب الإعلامي العراقي وتوجهاته المستقبلية, الي جانب المحور الاقليمي الذي يتحدث عن موقف دول الجوار من الخيار الديمقراطي العراقي, وموقف العراق من ثورات الربيع العربي وكذلك المحور الدولي حول الأمم المتحدة وسبل إخراج العراق من الفصل السابع. الدعوة بقدر ما اسعدتني لكنها أربكتني لسببين الأول كونها تداخلت مع دعوة أخري لحضوري مؤتمر مؤسسة الفكر العربي المنعقد في دبي وكذلك مؤتمر وزراء التعليم العرب المنعقد بأبو ظبي, والسبب الآخر مجموعة من المخاوف والهواجس كانت تراودني بسبب الأوضاع الأمنية في العراق, لكن مكالمة هاتفية من دقيس العزواي سفير العراق بجامعة الدول العربية كانت كفيلة بتبديد الهواجس وازالة المخاوف, مما جعلني أحسم أمري بالذهاب الي العراق حيث باعدت سنوات طويلة بين آخر زيارة لي الي بغداد, وكانت تحديدا قبل الغزو الامريكي للعراق, وكنا ضمن الوفد الصحفي والاعلامي المرافق للسيد عمرو موسي الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية في محاولته الأخيرة لمنع تفجير الموقف, ومحاولة اقتناع صدام حسين بالخروج تجنبا لما سيحدث من دمار وخراب.
هبطنا في منتصف النهار داخل مطار بغداد الذي بدا لي أنه لم يتغير كما لو كنت تركته بالأمس, لكن المشهد والمزاج والوضع العراقي يبدو مغايرا تماما في هذه المرحلة الدقيقة. أنت تري المدينة من منزلها الخلفي وفي النزل الخلفي يقع الكراج وبقايا مخلفات الخردة والاجيرة تسطع علي مربعاتها مدينة مربعة حرثت شوارعها الحروب والارهاب وضجيج الأبواق يصم الآذان, اغمض عيني وأتخيل
سنوات غبرت وأشم رائحة الزمن المهرول, لا أنظر إلي الساعات والأيام والثواني التي عبرت, ها أنا أسمع اللهجة العراقية التي تطرق سمعي من كل الجهات. لكنني لا أريد أن أتذكر جغرافية القتل في العراق الموت العشوائي بأسلوب منظم, في كثير من الأحيان لا أحد في العراق كان يعرف الكيفية التي يمكن أن يموت بها أو يقتل, فثمة فرق بين أن تموت بواسطة عملية تفجير سيارة مفخخة تستهدف سوقا أو تجمعا أو مؤسسة حكومية أو غيرها وأن تقتل بطريقة الاستهداف الشخصي, وهذه العملية كانت متعددة الأشكال والصيغ والأنواع, فكما أن للقتل رقعته الجغرافية التي تمتد من هذه المنطقة دون ذلك أو بالعكس. فإنه كثيرا ما كانت تجري عمليات الاغتيال طبقا لمواسم معينة يختارها القاتل بكل براعة, وأحيانا بثقة متناهية بالنفس لاختيار ضحاياه, أسئلة عديدة ومتكررة مرت في ذهني, هل الاغتيالات كانت عشوائية؟ ومن الجهة التي كانت تقف وراءها؟ أقول لنفسي من الذي جاء بهم؟ فتأتي صورة بول بريمر البلهاء الذي يذكرني بنجوم الكوميديا السوداء, الأسئلة الكثيرة حاصرتني, لكن نزهة علي شاطئ دجلة كانت في انتظاري ودعوة عشاء من السمك المسقوف من محافظ بغداد كانت تناديني والشوق الي رؤية ليل بغداد من علي شواطئ دجلة كانت تراودني, والعودة إلي الفولكلور والثقافة العراقية وشار ع الرشيد والنهر وابي نواس, لوحة لمنظر يمنحك شعورا بأن الزمن يسير إلي الأمام تصمت وأنت تدور بعينك في كل الجهات وبوصلة واحدة لا توصلك إليها, لا توصلك إلي بغداد الشاسعة فقد رأيتها هذه المرة كما لم أرها في المرات السابقة.
الحديث دار علي العشاء لوقت طويل, ولحسن حظي كان بجواري علي المائدة د. واثق الهاشمي رئيس المجموعة العراقية للدراسات ا لاستراتيجية, ود. ياسين البكري استاذ العلوم السياسية بجامعة النهرين, وعبدالأمير كاظم زاهد رئيس مركز دراسات الكوفة بجامعة الكوفة, تحدثنا عن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق, والانتقال السلمي المؤسساتي الذي يواجه شبح النزاع الأهلي بين الطوائف والاثنيات وداخلها علي احتكار أو تقاسم السلطة السياسية والموارد, وموضوعات شتي شكلت وجبة ثقافية دسمة, لكنني طلبت من د. عبدالأمير كاظم زاهد أن يحدثني عن الكوفة وكربلاء والنجف, الرجل ذهب أبعد من ذلك وخاطب محافظ النجف هاتفيا يخبره بوجودي في بغداد وسرعان ما رحب المحافظ بترتيب زيارة لي إلي الأماكن المقدسة.
واقع الأمر كنت حريصا لالتقاط هذه الفرصة الثمينة لسببين: الأول لأكون مشاهدا عن قرب لبدء موسم الأحزان الذي يستمر05 يوما من الأول من المحرم وحتي عشرين من صفر حزنا علي استشهاد الامام الحسين بن علي الذي مر علي استشهاده وأهل بيته وأصحابه نحو1400 عام ويتجدد الحزن كل عام وتكون ذروته يوم عاشوراء, والسبب الآخر هو الاطلاع علي آخر استعدادات النجف كونها تطلق بعد أسابيع احتفالاتها باعتبارها عاصمة للثقافة الاسلامية عام.2012نحن الآن في طريقنا إلي النجف الأشرف, ولكن عبر كربلاء تلك المدينة التي تقع في وسط العراق وتعتبر إحدي المدن المقدسة لدي الشيعة, وذلك لوجود ضريح الامام الحسين بن علي وأصحابه الذين استشهدوا معه في واقعة الطف. تقع المدينة علي بعد501 كم جنوب غرب العاصمة العراقية علي حافة الصحراء في غرب العراق ويحدها من الشمال والغرب محافظة الانبار, ومن الجنوب محافظة النجف ومن الشمال الشرقي محافظة بابل, ويعود تاريخ المدينة إلي العهد البابلي, وكانت هذه المنطقة مقبرة للنصاري قبل الفتح الاسلامي, ويري بعض الباحثين أن كلمة كربلاء يعني قرب الاله والبعض يري انها مكونة من كرب وبلاء, والحديث عن المدينة لا يستقيم دون ذكر معركة كربلاء, أو واقعة الطف, تلك الملحمة التي وقعت علي ثلاثة أيام واختتمت في10 من محرم عام61ه والذي يوافق12أكتوبر680 م وكانت بين الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد رسول الله ومعه أهل بيته وأصحابه ضد جيش تابع ليزيد بن معاوية, وتعتبر واقعة الطف من أكثر المعارك جدلا في التاريخ الاسلامي, فقد كان لنتائج وتفاصيل المعركة آثار سياسية ونفسية وعقائدية لاتزال موضع جدل إلي الفترة المعاصرة. وكان لها دور محوري في صياغة طبيعة العلاقة بين السنة والشيعة, وأصبحت معركة كربلاء وتفاصيلها الدقيقة رمزا للشيعة ومن أهم مرتكزاتهم الثقافية, وأصبح مدفن الحسين في كربلاء مكانا مقدسا لدي الشيعة.
ولمعرفة أسباب معركة كربلاء علينا العودة بالتاريخ قليلا إلي الوراء, وتحديدا بعد وفاة الرسول محمد صلي الله عليه وسلم عام632م في المدينة المنورة, وكانت هناك فترة من الغموض والتساؤل حول كيفية اختيار خليفة لهم يقود
المجتمع الإسلامي, ولم تكن هناك أي وثيقة أو دستور لتحديد نظام الحكم, توزعت الآراء حول اختيار الحاكم في سقيفة بني ساعدة إلي رأيين رئيسيين رأي يري بناء الحكم في قريش, وكان هذا مخالفا لرأي أهل المدينة المنورة الذين استقبلوا الدعوة الإسلامية, وأتخذ فيها المسلمون ملاذا ونقطة إنطلاق, وكان هناك رأي ثالث بأن يكون من الانصار أمير, ومن المهاجرين أمير آخر, ودار النقاش في سقيفه بني ساعده, ووقع الاختيار علي أبي بكر ليتولي الخلافة, وبينما اعتبرت العملية التي تمت تحت تلك السقيفة في نظر( السنة) أكثر ديمقراطية في ذلك الوقت من العديد من أنظمة الحكم الوراثية التي كانت, ولاتزال تحكم حتي اليوم في مناطق مختلفة في العالم, اعتبر الشيعة غياب ركن مهم في المجتمع الإسلامي, وهو الهاشميون ينقص من اكتمال اجتماع السقيفه, حيث غاب عنه علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب, وباقي أبناء عبد المطلب, حيث كانوا مشغولين بتغسيل الرسول وتكفينه, واعترض علي نتائجها بعض الصحابة أمثال أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر والمقداد بن عمرو وأسامة بن زيد, وغيرهم.
بعد مقتل عثمان بن عفان الذي كان من بني أمية, أخذ معاوية بن أبن سفيان الذي كان من بني أمية أيضا مهمة الثأر لعثمان, بسبب ما اعتبره معاوية عدم جدية, من علي بن أبي طالب في معاقبة قتلة عثمان, وتفاقم الخلاف بين الطرفين, وأدي إلي صراع مسلح في معركة صفين, وبعد استشهاد علي بن أبي طالب تنازل ابنه الحسن عن الخلافة إلي معاوية بن أبي سفيان شرط أن تعود بعد موت معاوية إلي نظام الشوري بين المسلمين, وبعد استشهاد الحسن قام معاوية, وهو علي قيد الحياة بترشيح ابنه يزيد بن معاوية للخلافة من بعده, وقوبل هذا القرار بردود فعل تراوحت بين الاندهاش والاستغراب والشجب والاستنكار, وقد كان هذا في نظر البعض نقطة تحول في التاريخ الإسلامي من خلال توريث الحكم, وعدم الالتزام بنظام الشوري, وبدأت بوادر تيار معارض لقرار معاوية بتوريث الحكم تركز في الحسين بن علي, وعبد الله بن الزبير, وعبد الله بن عمر بن الخطاب, ووصلت أنباء رفض الحسين مبايعة يزيد واعتصامه في مكة إلي أهل الكوفة, وبرزت تيارات في الكوفة, تؤمن بأن الفرصة قد حانت لأن يتولي الخلافة الحسين, واتفقوا علي أن يكتبوا له يحثونه علي القدوم إليهم ليسلموا له الأمر ويبايعوه بالخلافة, وقد أرسل الحسين ابن عمه مسلم بين عقيل بن أبي طالب ولكن تم قتله, وعندما علم الحسين بمقتل مسلم, وتخاذل الكوفيين عن حمايته ونصرته, قرر العودة إلي مكة لكن أخوة مسلم أصروا علي المضي قدما للأخذ بالثأر, واستمر الحسين وقواته بالسير إلي أن اعترضهم الجيش الأموي في صحراء كانت تسمي( الطف), وهنا درات معركة حامية بين قوات الحسين التي تتألف من32 فارسا و40رجلا من المشاه, لكن الحسين, ومن معه استشهدوا جميعا, ولم ينج من القتل إلا علي بن الحسين.
ها نحن نغادر( كربلاء) حيث قبر سيد شهداء أهل الجنة, نحن الآن في طريقنا إلي الكوفة إنها مدينة في مدينة حاضرة في مسجدها الجامع, هي المكان التأسيسي الأول للعمران كما للسياسة, للخط كما للنحو, هي البقعة التي عرضت الشكل الأول للمدينة الإسلامية, أنها الأصل المعماري للمدينة الإسلامية, وفق خططها جري بناء البصرة والقيروان وبغداد والمنصور, وقرطبة مثوي الصحابة والتابعين ومنزل العلماء الصالحين, فيها وضعت قواعد النحو وقواعد الخط, ومن مشاهيرها الكندي فيلسوف العرب, والمتنبي أعظم الشعراء بناها سعد بن أبي وقاص, ونزل بها الإمام علي بن ابي طالب بعد انتصاره في معركة الجمل, وأقام فيها وقتل وأصبحت مركزا للخلافة, وبعد اغتيال الإمام علي انتخب فيها الإمام الحسن خليفة, وبقي نحو ستة أشهر إلي أن صار الأمر لمعاوية, وأعلنت الخلافة العباسية فيها, ونودي بأبي العباس السفاح أول خليفة عباسي.
هل تري معي الكوفة حيث تنظر إليها؟ فأنت زرتها قبل أن تراها, وحفظت خططها عن ظهر قلب, قبل أن تشرب كوكتيل العصير عند بائع مصري في وسط المدينة, هل تتلمس رملتها الحمراء كما أفعل, هي لم تزل حمراء, ولم تزل الحصباء تخالطها في الأرضي الممتدة بين النجف والكوفة, كما في أيام سعد بن أبي وقاص, والمسلمين الأوائل الذين صاروا يسمون كل أرض هذه صفة تربتها( كوفة) بعد أن نزلوا فيها.
هل تقف أمام العتبة المقدسة؟! هل تنتظر القائد سعد يدعو المحاربة إلي( التكوف) أي إلي الاجتماع في هذا المكان, انظر إلي المدخل مليا وتأمل الواجهة باب قديم, باب جديد, باب فوق باب, أو مدينة فوق مدينة, كأن للكوفة حدودا سحرية ثابتة لا يقوي أحد علي إزاحتها أو علي تبديل خططها.
لم يزل الجامع مكانه القديم وهو جديد ولم تزل بيوت المدينة فوق الكوفة القديمة وهي بيوت ناشئة تزورها دون ان تزورها أتنظر اليها دون أن تراها, وأنت لست عالما في الآثار أو في طبقات المعاني لكي تؤرخ سيرة الايدي المتعاقبة التي حافظت علي هذا الموقع بوصفه المكان الاسلامي الأول.
دعنا نصحو من الاحلام الي الحقيقة نحن في رحلة الي النجف لكن أي حلم أنقذ هذه المدينة من المخططات التي رسمها لها البعض عبر التاريخ تلك المدينة العتيقة التي تخترق ذاكرتنا عبر بساط الريح زائروها لاول مرة يصطدمون بالاسوار والقبور عبر الحكايات التي يتناقلها الناس فيتساءلون كيف نجت من الكوارث والمحن التي مرت عليها عبر العصور وكيف نهض طائر العتيق في جسد هذه المدينة الاسطورية التي تضم رفات الانبياء والأولياء والصالحين, المدينة التي تحدت الزمن وقامت مكتسحة وانتصبت تستعيد شبابها ونضارتها لتفتن القلوب وتحير العقول وتحتفل خلال أسابيع كونها عاصمة للثقافة الاسلامية.
تقع المدينة علي حافة الهضبة الغربية من العراق جنوب غرب العاصمة بغداد وعلي بعد160 كم عنها يحدها من الشمال الشرقي مدينة كربلاء التي تبعد نحو80 كم ومن الشرق مدينة الكوفة التي تبعد عنها نحو10 كم.
انت في قلب النجف الواقعة علي رابيه مرتفعة فوق أرض رملية فسيحة تطل من الجهة الشمالية الشرقية علي مساحة واسعة من القباب والقبور منها المدارس ومنها لم يزل بارزا للعيان, هنا القبور المأهولة كما الأراضي المعمورة والهواء الذي يتنفس تاريخا والنقوش الصخرية المسحورة.
وهذه المقبرة االعظيمة التي تدعي وادي السلام والشرق علي الجهة الغربية علي بحر النجف الجاف ويشاهد القادم من مسافة بعيدة مرقد الامام علي بن ابي طالب في قلب الكوفة الذي يقع وسط المدينة.
أنت تري القباب الذهبية الصفراء تحت اضواء قرص الشمس الحمراء, هنا المرجعيات الدينية والحوزات الشيعية والعتبات المقدسة الروحانية.
ويقيني اذا كان السفر يحمل في جوهره التجدد فالرحلة الي النجف تكون لغسل الروح وتنقية العقل هي رحلة في التاريخ والجغرافيا, انت في مدينة متوجة باكليل من الاصالة والحضارة تنبض متألقة بسحر الاسلام الذي ترك بصماته علي كل ما فيها من معمار وموسيقي وتراث وثقافة وأدب, تكاد لا تدخل بيتا في النجف الا كانت جدرانه الاربعة عبارة عن رفوف مكتبه من أرض الغرفة حتي سقفها انها الروعة والجمال والتاريخ الذي يتحدي الزمن وتبعث من تحت الرماد نارا مقدسة تجعل منها مقاما روحيا ومركزا دينيا وجامعيا. الدخول في سر النجف مشوب بالحكايات والتاريخ ها أنا أري الطقوس والاحتفالات لاستقبال شهر المصايف والاحزان في مدينة كربلاء النجف تبدأها العتبات المقدسة في المدينة باستبدال المصابيح الملونة التي كانت لعهد قريب مظهرا من مظاهر الفرح والسرور للشيعة بالمصابيح الحمراء ذات الدلالة الحزينة والذكري الاليمة ويتلو ذلك نشر السواد واليافطات والاعلام ونصب المواكب والتكيات وارتداء المؤمنين للسواد حزنا.
كما تبدأ مراسيم تبديل الراية الحمراء فوق قبة حرم الحسين والتي ترمز الي أن صاحب هذا المرقد مقتول ولم يؤخذ بثأره الي الان, ويمثل الحسين بالنسبة للشيعة صرخة الرفض المدوية بوجه الظلم والانحراف, أكثر من30 ألف عنصر أمني لحماية زائري العتبات المقدسة المدن اتشحت باللون الاسود وارتدت ثوب الحداد.
وزائر النجف الاشرف لا يمكن ان يغادر المكان دون أن تأخذه الدهشة بين ذراعيها لقد عاش مع سحر مدينة يعطيه الزمن صفات جديدة وروائع عطرة, انها بحق انية التاريخ العريق ها أنا أغادرها وأنا أتذكر رائعة نزار قباني في حب الحسين حيث يقول سأل المخالف حين انهكه العجب هل للحسين مع الروافض من نسب لا ينقضي ذكر الحسين بثغرهم وعلي امتداد الدهر يوقد كاللهب وكأن لا أكل الزمان علي دم كدم الحسين بكربلاء ولا شرب أو لم يحن كف البكار فما عسي يبدي ويجدي والحسين قد احتسب
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.