ماكرون: فرنسا مستعدة لاستضافة محادثات مباشرة بين إسرائيل ولبنان    الزمالك يصل إلى ستاد الفونس لمواجهة أوتوهو في الكونفدرالية    فينيسيوس على رأس قائمة ريال مدريد لمباراة إلتشي    لزيادة نسب المشاهدات.. الداخلية تكشف تفاصيل منشور مزيف عن مشاجرة بالإسماعيلية    ضبط كيان تعليمى بدون ترخيص بالقاهرة متهم بالنصب على المواطنين    جامعة قناة السويس تنظم مؤتمر الدراسات العليا السابع    الجيش الإيراني: على سكان الإمارات الابتعاد عن الموانئ تمهيدا لاستهدافها    سفير ‌إيران لدى الهند: سمحنا لسفن هندية بعبور مضيق هرمز    لماذا فقد الذهب زخمه الصعودي رغم التوترات الجيوسياسية؟    تداول 12 ألف طن و800 شاحنة بضائع متنوعة بموانئ البحر الأحمر    عمرو السيسي: الدوري الحالي أصعب وليس أقوى.. وإمام عاشور هو الأفضل حاليا    الفريق أسامة ربيع يشهد توقيع برتوكول تعاون بين شركة قناة السويس وتنمية البحيرات    لومين سوفت تنضم رسميًا للمختبر التنظيمي للتكنولوجيا المالية بعد الموافقة المبدئية للرقابة المالية    عودة نارية في رمضان 2027.. محمد رمضان يشوق متابعيه بمسلسله المرتقب    وكيل وزارة الشباب بسوهاج يكرم حفظة القرآن الكريم ويمنحهم شهادات التقدير    دعاء الرياح.. "اللهم إني أسألك خيرها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها"    قصر العيني يشغل أحدث ثلاثة أجهزة ECMO لدعم الرعاية الحرجة بالمستشفيات الجامعية    إحالة سائق بتهمة الاعتداء بالضرب على موظف في عين شمس للمحاكمة    محافظ جنوب سيناء يشهد ختام تدريبات المنتخب الإيطالي للسباحة المفتوحة بشرم الشيخ    قنصوة: إنشاء مركز متخصص في الذكاء الاصطناعي لدعم البحث العلمي بالمجالات التكنولوجية المتقدمة    الدفاع الإيرانية: سنستخدم صواريخ باليستية وأنواعا مختلفة بقوة أكبر    الداخلية تضبط 1501 مخالفة مرورية وترفع 32 سيارة ودراجة نارية متروكة من الشوارع    مصرع شخص وإصابة 11 آخرين بحادث انقلاب سيارة تريلا على تروسيكلين ببنها.. صور    خلال 24 ساعة.. ضبط 425 قضية مخدرات و208 قطع سلاح وتنفيذ أكثر من 82 ألف حكم قضائي    خدمتك لحد البيت.. الداخلية تواصل إيفاد قوافل الأحوال المدنية وتلبي استغاثات كبار السن    البيت الأبيض: علينا إعلان النصر والانسحاب من حرب إيران    الحب الحقيقي يظهر في العيون.. هل تكشف الأيام علاقة يارا السكري ب أحمد العوضي؟    سفير تركيا بالقاهرة: مصر بلد لا تموت أبدًا وتعرف كيف تنهض من جديد    وننسى إللي كان.. جليلة وبدر في مواجهة تحديات الحب    باكستان تتهم أفغانستان بتجاوز الخط الأحمر بإطلاق طائرات على أهداف مدنية بالبلاد    قافلة طبية مجانية فى منشية ناصر ضمن مبادرة حياة كريمة فى أسيوط    ننشر الحصاد الأسبوعي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي    لتطوير خدمات السكتة الدماغية، تدريب دولي لمراجعي الجودة الإكلينيكية في مصر    مدير مستشفيات جامعة القاهرة يتفقد الاستقبال والطوارئ وبنك الدم    تشكيل تشيلسي المتوقع أمام نيوكاسل يونايتد في البريميرليج    «تطوير التعليم بالوزراء» يخصص 50 منحة دولية لأبناء الشهداء في التكنولوجيا واللغات    محافظ أسيوط: انطلاق مهرجان عروض نوادي مسرح الطفل بقصر ثقافة أحمد بهاء الدين مساء اليوم    وزير الخارجية يبحث مع كايا كالاس سبل خفض التصعيد في المنطقة    حفل قرآني مهيب بمركز سنهور القبلية بالفيوم لتكريم 2000 حافظ وحافظة للقرآن الكريم    تخفيض سرعة القطارات بسبب حالة الطقس    شهيد الغربة.. والدة الشاب البورسعيدي محمد ريان تروي تفاصيل مقتله في أمريكا: كان بيسقي طفلة ماء فقتلوه بخمس رصاصات    لا خوف على مصر، السيسي يطمئن المصريين بشأن الحرب الجارية وتطورات الأوضاع بالمنطقة (فيديو)    أسعار الحديد والأسمنت اليوم في أسواق مواد البناء    موعد مباراة الزمالك وأوتوهو في ذهاب ربع نهائي الكونفدرالية والقنوات الناقلة    «الصحة» تطلق 3 قوافل طبية مجانية ب 3 محافظات ضمن «حياة كريمة»    محمد أنور يتصدر المشهد بعد ظهوره في "حبر سري".. اعترافات صريحة تكشف كواليس النجاح وخوفه من السوشيال ميديا    حكم إخراج زكاة الفطر نقدًا| دار الإفتاء توضح الرأي الشرعي وتستند إلى أقوال الصحابة    لمه العائلة.. حين تُطفأ الكاميرات لتضاء القلوب    حبس سائق 24 ساعة على ذمة التحقيق في واقعة دهس طالب أزهري من الفيوم عقب خروجه من صلاة التهجد بالعبور    المغرب تستضيف الدورة المقبلة للاجتماع الوزاري المشترك مع دول الخليج    بعد توجيهات الرئيس السيسي| خبراء يؤكدون: إلغاء بعض التخصصات الجامعية يخدم سوق العمل    قرار تاريخي.. تيسير تجديد كارت ذوي الهمم بعد مطالبة «آخر ساعة»    وكيل الأزهر يعزي والد الطالب الأزهري "محمد عجمي "الذي وافته المنية عقب إمامته للمصلين    (رسوم تخزين المطار ) يتفاعل على إكس .. وناشطون: السيسي بيزنس الحرب على أي شعارات    غزل المحلة يعلن تعيين سيد معوض مدربا عاما للفريق    مران الأهلي - محاضرة فنية وتدريبات منفردة للحراس قبل لقاء الترجي    الفنان السوري أركان فؤاد يفتح النار على السوشيال ميديا: أضرت بالفن    عاجل.. عميد طب طنطا يكشف حقيقه سقوط مصعد ووجود إصابات بمستشفى الطوارئ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



زكريا الحجاوي.. رائد الثقافة الشعبية

عاني الفقر والحرمان في بعض فترات حياته أحمد طوغان هو شيخ رسامي الكاريكاتير87 عاما أطال الله في عمره يكتب هذه السلسلة عن الشخصيات التي شغلت حيزا في وجدانه وخزانة ذكرياته التي يفتحها لملحق الجمعة بالأهرام يتناول فيها الكواليس التي عاصرها عبر مشواره الذي يمتد لأكثر من65 عاما..
وتأتي أهمية هذا السرد الذاتي إلي كونه ليس مجرد حكي بقدر ما هو تأريخ وتسجيل لأحداث غنية بالمعلومات والأسرار ولكن غفلها التاريخ كما يحدث عادة وأسقطها من ذاكرته الرسمية, وكما يفعل رسام الكاريكاتير فهو لايرسم الواقع ولكن تأثير الواقع عليه... كذلك كتب طوغان عن هذه الشخصيات بصدق وحب.
زكريا الحجاوي.. رائد الثقافة الشعبية
أحمد طوغان هو شيخ رسامي الكاريكاتير87 عاما أطال الله في عمره يكتب هذه السلسلة عن الشخصيات التي شغلت حيزا في وجدانه وخزانة ذكرياته التي يفتحها لملحق الجمعة بالأهرام يتناول فيها الكواليس التي عاصرها عبر مشواره الذي يمتد لأكثر من65 عاما.. وتأتي أهمية هذا السرد الذاتي إلي كونه ليس مجرد حكي بقدر ما هو تأريخ وتسجيل لأحداث غنية بالمعلومات والأسرار ولكن غفلها التاريخ كما يحدث عادة وأسقطها من ذاكرته الرسمية, وكما يفعل رسام الكاريكاتير فهو لايرسم الواقع ولكن تأثير الواقع عليه... كذلك كتب طوغان عن هذه الشخصيات بصدق وحب.
في يوم من الأيام كنت في طريقي إلي شراء بعض الخضروات للمنزل, واستوقفتني لوحة كاريكاتورية لرسام إنجليزي كانت ملتصقة علي جدار, فوق مقهي صغير بأحد شوارع الجيزة, وكانت تدعو إلي نصرة الديمقراطية علي الفاشية, أيامها كنا في الحرب العالمية وكان الإنجليز في مواجهة الألمان, ورحت أتفرس في اللوحة ولفت وقوفي أمامها نظر أحد الجالسين الذي قام من علي كرسيه وسألني عما رأيته فيها وما خرجت به منها!
ثم دعاني للجلوس وتناول كأس من الشاي, وكان أن جلست إليه لاستمع حديثا شائقا عن فن الرسم الكاريكاتوري وتفرده عن باقي الفنون بقدرته علي السرعة في التعبير, وأنه بخطوط قليلة يستطيع الوصول إلي أعماق النفس, وأضاف بأن هذه اللوحة تؤدي هذا الدور; وقد لجأ الإنجليز إلي فن الكاريكاتير لما له من تأثير في رفع المعنويات التي هبطت بفعل الانتصارات المتوالية للألمان!
واكتشفت في محدثي شخصية غير عادية, حدثني عن تاريخ الرسم الكاريكاتوري ونشأته في مصر, وكيف أننا أصحاب هذا الفن منذ ما قبل التاريخ ثم وعدني في اللقاء القادم بإهدائي كتابا فيه نماذج عن رسوم الفنان المصري القديم!
ولا يمكن نسيان هذه الجلسة التي عثرت فيها علي هذا الكنز الثقافي ممثلا في محدثي الذي قدم لي نفسه باسم زكريا الحجاوي الذي أصبح فيما بعد علما من أعلام الثقافة والفن في مصر والعالم العربي خصوصا في مجال الفن الشعبي الذي قدم له الكثير.
وما أن انتهي لقائي بزكريا حتي أسرعت بشراء ما كان يحتاجه المنزل وتركته علي كرسي كان بجانب الباب وأسرعت إلي منزل محمود السعدني وقلت له وأنا ألهث من الانفعال وصعود السلم: يا واد يا محمود لقيت لك كنز كان السعدني كما كان معظم صبية وشباب هذه الأيام, نهما للقراءة والمعرفة ولم يكن يعثر علي ورقة حتي في الشارع إلا ويقرأها ليعرف ما فيها, وأذكر أنه جاء يوم يزورني بمنزلي ولاحظت انتفاخا تحت قميصه واكتشفت أنه اختلس كتابا كنت قد أعجبت بغلافه ومن الغريب أنه كان باللغة الاسبانية, ولم يكن السعدني يعرف حرفا واحدا منها ولكن يده طالت الكتاب بحكم العادة كما قال!
في لقائي الثاني مع زكريا علي المقهي الصغير بضواحي الجيزة كان معي محمود السعدني وبعد فترة من الحديث اعتذر زكريا بظرف طارئ خاص بأسرته يضطره للانصراف علي وعد بلقاء آخر, وعرفنا منه أنه يعول ثمانية أبناء وزوجتين, إحداهما زوجة أخيه الذي توفي وهو في شرخ الشباب وترك زوجة وثلاثة أبناء, وكانت التقاليد أيامها في قريته المطرية التابعة لمحافظة الدقلهية توجب علي الشقيق الزواج من أرملة شقيقه وضم أبنائها إليه حفاظا علي كيان الأسرة! وعندما غادر المقهي كان تعليق السعدني: الراجل ده أعطاني مفتاح مستقبلي.
وتكررت لقاءاتنا بزكريا الذي قرر الانتقال بنا إلي ميدان الجيزة الفسيح, هربا من الحر في الشارع الذي كان فيه المقهي الصغير, وعثرنا علي مقهي علي ناصية في ميدان الجيزة, وتشاء الأقدار أن يتحول هذا المقهي العادي الذي ليس فيه ما يميزه إلي منارة ومدرسة ومنتدي تخرج فيه عشرات النجوم والإعلام في الفكر والأدب والفن والصحافة!
كان المقهي الجديد اسمه قهوة محمد عبد الله وبعد فترة ليست طويلة, كان زكريا يجلس أمامه في شبه دائرة من الأدباء والفنانين والتلاميذ منهم الدكتور الأديب الروائي القاص يوسف إدريس الذي لمع كالشهاب وترك عشرات القصص والروايات التي سوف تبقي ما بقيت الحياة, والدكتور سمير سرحان الذي لن تنساه مصر التي قدم لها ملايين الكتب عندما تولي رئاسة هيئة الكتب, ومحمود السعدني الذي تربع علي عرش الكتابة الساخرة في مصر والعالم العربي, ورجاء النقاش ويوسف الشريف ونعمان عاشور وكمال النجمي ومصطفي محمود ومصطفي نبيل.. والشعراء صلاح عبد الصبور ومحمد الفيتوري وأحمد عبد المعطي حجازي والموسيقي محمود الشريف وسيد مكاوي والرسام والشاعر والفيلسوف صلاح جاهين وأنور السادات الذي لعبت ندوة زكريا وعلاقته الوثيقة به دورا بالغ الأثر في تفكيره ومسيرة حياته!
كانت ندوات زكريا تتناول كل شيء, وأحيانا كان عدد الذين يسترقون السمع من زبائن المقهي أكثر من عدد رواد الندوة!
كانت الموضوعات شائقة, كيف يذهب ترياق الثمرة التي يأكلها الإنسان إلي المكان المخصص له في جسمه, وأن النبات أصل الدواء! والأشجار وأنواعها, المثمرة منها والعقيم, والمصرية فيها من عهد الفراعنة والحديثة التي جاء بها الملك فاروق! والسمك وأنواعه وخصاله ومنشأه ورحلاته التي تمتد آلاف الأميال وتأثيره في صحة الإنسان كغذاء! والعلاقة بين الرجل والمرأة وكيف أنها ضرورة لاستمرار الحياة, وما هو السبيل للوصول بها إلي النهاية والإنسان قرير العين هانئ البال! وإلي أين يسير العالم بما فيه من متناقضات وأهواء ومطامع ورغبات في قهر وإخضاع الآخرين والرجوع لهم إلي عصر العبيد!
كانت ندوات زكريا تدور حول كل شيء; التعليم والصناعة والزراعة والفن والأدب والشعر والموسيقي والطب والقانون والسياسية, وحتي آخر النكت التي يتداولها الناس, وكانت سهراتنا معه كثيرا ما تمتد حتي الفجر وأحيانا إلي ما بعد الفجر!
عاش زكريا العبقري الذي نادرا ما يتكرر فترات من حياته في أدني درجات الفقر والحرمان, بسبب تفرده واختلافه عن الآخرين! وفي فترة من حياته عمل محررا بجريدة المصري التي كان يملكها آل أبو الفتح وكان يرأس تحريرها أيامها الكاتب الصحفي أحمد أبو الفتح! وكان مقر الجريدة في شارع قصر العيني, في نفس المبني الذي كانت تحتله عقب تأميم الصحافة عام1954 جريدة الشعب التي كان قد أنشأها وتولي رئاستها الصاغ صلاح سالم!
كانت المصري من أوليات الصحف التي ساندت الثورة; وكان قادة الثورة قبل قيامها يترددون عليها وتربطهم علاقة بأصحابها ومحرريها ومنهم عرفوا أن الملك اكتشف أمرهم وينوي إلحاق الأذي بهم, وكان ذلك حافزا للإسراع في القيام بالثورة!
وكانت المسافة بين مبني المصري ومنزل زكريا في الجيزة حوالي12 كيلو مترا يقطعها مرتين أو أكثر في اليوم مشيا علي قدميه حتي يستطيع توفير ال6 مليمات ثمن تذكرة الترام الذي كان يقطع المسافة من الجيزة حتي ميدان قصر النيل التحرير الآن مارا بشارع قصر العيني لينزل زكريا أمام جريدة المصري!
في مرة ذهبت إلي مقهي محمد عبد الله ووجدت زكريا قد بكر في الحضور, جلست إلي جانبه نتأمل الناس في الميدان ونشكو الأحوال; وفجأة مال علي وهمس في أذني قائلا في ابتسامة ساخرة: تعرف يا طوغان أنا لما بقلع البدلة ما أعلاقهاش علي الشماعة ولما سألته عن السبب قال: أسيبها كده أصل العرق بيوقفها! وعندما انفرجت الأمور والتحق بالعمل في وزارة الثقافة, شاب شعر رأسه مما لقيه فيها من غيرة وحسد أبعداه إلي الهامش الذي لقي فيه الهوان!
ولم تفلح الأيام التي عاشها زكريا في أن تزيل عن وجهه الابتسامة الصافية وتفاؤله الدائم وإيمانه بأن المستقبل أفضل من الحاضر!
كان زكريا فيه من الخصال ما في الأطفال; ومن عجائبه وغرائبه أنه كان يرتعد ويفزع إذا ما صادفته قطة! وكان بعد انتهاء السهرة علي المقهي في آخر الليل وهو في طريقه إلي منزله الذي كان يبعد عن المقهي بحوالي نصف كيلو متر يقف العبقري العملاق الأديب الفيلسوف لينادي علي ابنته سوزان التي كانت أيامها في العاشرة من عمرها لتنزيل إليه وتصحبه في صعود السلم خوفا من القطط!!
وفي يوم جاءتني هدية من أديبة يوغوسلافية صديقة, وكانت الهدية قطة من أرقي أنواع القطط السيامي وعمرها شهور! فانقطع زكريا عن زيارتي نهائيا مادامت القطة في البيت!
كانت القطة من النوع السيامي معقود الذيل بشكل دائري ملتصق بآخر الظهر, وكانت بديعة الحسن آسرة العينين, أذناها وذيلها في سواد الليل وجسمها في بياض الثلج, وكان سلوكها سلوك الأميرات, وما من مرة فتحت فيها الباب ودخلت إلا ووجدتها في انتظاري!
كان بيننا قصة حب خالية من الشوائب, ورغم الرقة والحنان إلا أنها كانت لا تريد للذباب أن يدخل المنزل, وتجري وراء الذبابة وتتعقبها وتتربص لها وتوهمها أنها لا تراها! وفجأة تقفز عليها وتمسك بها وتقوم بتعذيبها قبل أن تقتلها!
وفي يوم وبدون أن أقصد دست علي رجلها, ويبدو أنها أحست بالإهانة, فغضبت وانزوت إلي أقصي مكان تحت كنبة, وحاولت استرضاءها علي مدي يومين لم تعرف فيهما طعم الأكل إلي أن رضيت وخرجت وأكلت ثم ارتمت في حضني ونامت!
وفي يوم وبعد سهرة كان عندي فيها أحمد جبريل قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة ومعه فضل شرورو العضو البارز في الجبهة, والدكتور عبد الرحمن البيضاني السياسي اليمني المعروف, وعباس الأسواني, ويوسف الشريف والشاعر الفلسطيني معين بسيسو وعدد آخر من الزائرين فشلت في تذكرهم!
وبعد أن انتهت السهرة, وغادر الجميع, بحثت عن القطة فلم أجدها في أي مكان, ولما هدني البحث والجهد, قادني التفكير إلي أن واحدا من الزوار سرق القطة, واستبعدت من قائمة المتهمين أحمد جبريل وفضل شرورو اللذين كانا قادمين إلي القاهرة في زيارة قصيرة, وفي اليوم التالي فاجأت كل البيوت بالزيارة, ما أن كنت أدخل من باب البيت حتي أسأل الزوجة في ابتسامة متكلفة عن رأيها في القطة التي جاء بها الزوج بالأمس! ولما عجزت عن العثور علي القطة وأصابني اليأس صرفت النظر عن الموضوع وانشغلت في شئون الحياة!
وفي يوم رن الجرس وعندما فتحت الباب, فوجئت بمندوب من المركز الثقافي التشيكي الذي كان في الدور الأول من عمارة مواجهة للعمارة التي فيها شقتي, كان المندوب يحمل صحنا عليه القطة وجسمها ويداها مربوطان بالضمادات!
وقال لي أنها سقطت من عندي وأنهم أرسلوها للمستشفي! وقدم لي فاتورة ب200 جنيه مصاريف عملية جراحية فشكرت المندوب وأخذت القطة وتجاهلت الفاتورة!
كانت علاقتي بالمركز الثقافي التشيكي قد نشأت وتوثقت عندما أقمت فيه معرضا لرسوم واسكتشات رسمتها خلال زيارتي لتشيكوسلوفاكيا بدعوة من وزارة الثقافة فيها لحضور عيد الاستقلال! وزادت علاقتي بالمركز وثوقا بعد قصة القطة!
مرة أخري اختفت القطة, وفي هذه المرة عرفت السارق! كان هو معين بسيسو فصممت علي إبلاغ البوليس, ولكن عباس الأسواني أوقفني واستنكر إدخال البوليس في الموضوع وقال لي: عاوز تحبس شاعر فلسطين عشان قطة ؟!
كنت معجبا بمعين وأحفظ شعره وأردده وكان يصور فيه كل حزن وضني وضياع وأنين الشعب الفلسطيني, وقصائده في غزة تدمي القلب كما أنها سجل للمأساة, وله قصيدة أذكر منها أبيات أربعة قالها في جنازة أحد خونة الأمة العربية الذي سقط قتيلا بالرصاص جزاء خيانته وخدماته للعدو:
غسلوه بما جري من دمائه فتراب العطش أولي بمائه
وارجموا نعشه كما ترجم البومة بالباقيات من أشلائه
واحجبوا الشمس عن الخائن حتي في مهرجان فنائه
ودعوا الليل لمن اتخذ الليل نديما أعز من ندمائه
جاء معين معتذرا واعترف بسرقة القطة وأنه أهداها للفنانة سعاد حسني! كما اعترف بأنه سرق عصا كانت عبارة عن فرع شجرة تلقيته هدية من فنان كوري خلال زيارتي لبلاده في عام1967!, واعترف بأنه قدمها هدية للزميل محمد حسنين هيكل, جاء معين مع عباس الأسواني وفي يده ماكينة حلاقة ذهبية في صندوق من القطيفة لتقديمها لي هدية ترضية واعتذارا, وقبلت اعتذاره ولم أقبل ماكينة الحلاقة التي لم أشك في أنها مسروقة! وعندما أصابه مرض وزرته في منزله, شكت لي زوجته المصرية بأنه لم يترك لها شيئا في المنزل إلا سرقه وأهداه للآخرين! وانتهي الموضوع بفقداني القطة واستعادتي زكريا مستأنفا زياراته لي بالمنزل!
ومن غرائب وعجائب زكريا الذي كان ظريفا خفيف الدم والروح قصص وروايات لا تنسي, منها, أننا كنا في سهرة بمنزلي في شارع شريف بالقاهرة, مجموعة أتذكر منها محمود السعدني وعباس الأسواني وإحسان عبد القدوس وعبد الرحمن الشرقاوي ويوسف الشريف ومحمد علي ماهر والفنان محمد رضا وكلهم كانوا من ملوك الكلام.
وعندما وقعت كارثة1967 ووقعنا في الصدمة والإحباط والحزن الدفين القاتل الذي فتت قلوبنا وأذهل عقولنا, كان زكريا صامدا كالطود وتولي إزالة ما في نفوسنا وقال إن ما حدث هو الضارة النافعة وأكدد أننا سوف نستعيد الأرض ونهزم العدو, وأن الغرور والجهل والغفلة وانعدام الصلة بالناس وقهرهم وإذلالهم هي السبب الرئيسي في النصر واستعادة الأرض!
لم تمض غير خمس سنين إلا وتحققت نبوءة زكريا! عبرنا القناة وهزمنا العدو ورفعنا رايات النصر وأصبنا الدنيا بالذهول أمام عبقرية المصريين في التخطيط والتنفيذ لحرب حطمنا فيها أسطورة نسجتها واقامتها وضخمتها كل عناصر الشر والعدوان, وتشاء الأقدار أن يكون بطل تدبير الأمر وتحقيق النصر واستعادة الأرض في أكتوبر1973 هو أنور السادات جليس ندوة زكريا.
عاش زكريا من أجل مصر وأعطاها ما كان يملك من جهد وفكر وموهبة, وتفان في عشقها وتدله في حبها, ولكنه مات بعيدا عنها, حزينا تأكله الوحدة والإحساس بالغربة, ويفريه الشوق والحنين لمصر التي لم يأخذ منها إلا قرار بهدم المنزل الذي كان يأويه ويأوي أسرته, وقالوا في قرار الهدم إن المنزل آيل للسقوط, وخرج زكريا يبحث عن مأوي وعن عمل وعندما أعياه البحث غادر مصر, ثم عاد إليها في صندوق بعد أن جاءته المنية غريبا عن مصر.
وأول من نادي بإنشاء قصور للثقافة التي تطورت وانتشرت اليوم في كل الأنحاء هو زكريا الحجاوي! وأول من عمل علي إنشاء معهد للفنون الشعبية كان هو زكريا الحجازي! ومن أنشأ الفرقة القومية للفنون الشعبية كان زكريا الحجازي الذي جاب القطر المصري من أقصاه إلي أدناه يدخل الكفور والنجوع بحثا عن الفنان الشعبي ليخرجه ويقدمه للناس, كثير من الفنانين الشعبيين جاء بهم زكريا من قراهم وكفورهم وأصقل مواهبهم وقدمهم للناس ليصبحوا نجوما في سماء هذا الفن الذي ترتكز عليه سمات وتواريخ الأمم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.