النائب محمد سمير: 5% من المصريين قادرون على التبرع بمليون جنيه والمساهمة في سداد الديون الخارجية    النائب سمير صبري: لم نشعر بأزمة غذاء بسبب الحرب.. السلع متوفرة والارتفاع محدود لفترات قليلة    محافظ الجيزة يتابع مع رئيس مركز أبو النمرس جهود تحسين الخدمات والتصدي لمخالفات البناء    محافظ الجيزة يعقد لقاءً موسعًا مع أعضاء "النواب" و"الشيوخ" لبحث مطالب المواطنين وخطط التطوير بشمال المحافظة    خلافات حادة ومسودات عالقة.. كواليس ليلة ماراثونية من المفاوضات الإيرانية الأمريكية    الصين تنفي تزويد إيران بالأسلحة وتؤكد حيادها تجاه كافة الأطراف    الأهلي يرد على خطابات اتحاد الكرة بشأن منع عبد الحفيظ من حضور التحقيق في أحداث مباراة سيراميكا    فيديو| ضبط المتهم بدهس دراجة نارية تقودها سيدة بالإسكندرية    تحرّك عاجل للتضامن بالإسكندرية بعد تصادم أتوبيس وميكروباص وإصابة 21 عاملًا    قبل شم النسيم.. ضبط نصف طن فسيخ فاسد وتحرير 106 مخالفات بالدقهلية    نجل عبد الرحمن أبو زهرة عن حالة والده: ننتظر نتيجة التحاليل لتقييم إمكانية فصله عن التنفس الصناعي    بمشاركة يونانية: إحياء عيد تأسيس مدينة الإسكندرية في احتفالية كبرى    قطار «قوافل الخير» يصل "طنوب".. الكشف على 366 مواطنًا وتحويل 30 جراحة بالمجان بالمنوفية| صور    الخارجية التركية تنتقد تصريحات نتنياهو ضد أردوغان وتصفه ب«هتلر العصر»    سيد معوض ومصطفى عبده: سموحة كان يستحق ركلة جزاء أمام الأهلي    من أجل أمومة آمنة، متى تكون الولادة القيصرية ضرورية؟    أسقف الدول الإسكندنافية يستقبل سفيرة مصر بالسويد لتهنئته بعيد القيامة    التضامن تتابع تداعيات إصابة 21 شخصًا في حادث تصادم بطريق الإسكندرية الصحراوي    رسالة وداعية لبطريرك الكنيسة الكلدانية قبيل مغادرته بغداد    وكالة الأنباء اللبنانية: شهداء جراء غارة استهدفت منزلا في بلدة الزرارية جنوبي البلاد    محافظ المنوفية: استخراج 6 ألاف و44 رخصة لأصحاب المحال التجارية    في أجواء احتفالية.. كنائس كفر الشيخ تشهد قداسات عيد القيامة    عصام ثروت يكشف ما دار بينه وبين مروان حمدي قبل تسديد ركلة جزاء بيراميدز    مواقيت الصلاة اليوم الأحد الموافق 12 أبريل 2026 في القاهرة والمحافظات    نائب محافظ الإسماعيلية يشهد قداس عيد القيامة المجيد بمطرانية الأقباط الأرثوذكس    عمرو حمزاوي: إذا طالبت إيران بتعويضات من أمريكا فعليها قبول المعاملة بالمثل مع دول الخليج    البيت الأبيض: المحادثات مع إيران وباكستان مستمرة لإنهاء الحرب    صحة الإسكندرية تدفع بقوافل طبية في المتنزهات خلال الأعياد    شركة مياه الشرب بسوهاج تشارك الأقباط فرحتهم بعيد القيامة المجيد    إصابة اثنين من عمال البناء إثر انهيار سقالة في مطروح    ابتزاز وتشويه| خبيرة: السوشيال ميديا تهدد الخصوصية الأسرية وتزيد حدة النزاعات    وفاة شاب وإصابة 3 آخرين في حادث تصادم بكوبري شنودة بطنطا    أوسكار رويز يوضح الاختلاف بين ركلتي الأهلي ضد سيراميكا والمصري أمام بيراميدز    طبيب الأهلي يكشف تشخيص إصابة بن شرقي أمام سموحة    هل السوشيال ميديا أصبحت بديلًا لطلب الحقوق؟ خبير أسري يرد    مش فاهمين موضوع الحلقة| محمد موسى ينفعل على ضيوفه ويطلب الخروج إلى فاصل    مواعيد عرض الحلقة الأولى من مسلسل اللعبة 5    الحكومة الإيرانية: مفاوضات إسلام آباد ستستمر رغم وجود بعض الخلافات المتبقية    وزير التعليم العالي يزور الكنيسة المرقسية بالإسكندرية ويقدم التهنئة للإخوة الأقباط بعيد القيامة المجيد    وزير المالية: اقتصادنا يتحسن تحسنا كبيرا ومؤثرا.. والدين المحلي للناتج القومي تراجع 14%    مدير مديرية الصحة بجنوب سيناء: استمرار تقديم الخدمات الطبية للمواطنين خلال عيد القيامة    ننشر نص خطاب الأهلي لاتحاد الكرة بسبب منع سيد عبد الحفيظ    أحمد بلال: ناصر منسى مهاجم على قده.. وجماهير الأهلى لن تتقبل خسارة لقب الدورى    ينتظر هدية من غريمه.. يوفنتوس يفوز على أتالانتا في معركة التأهل لأبطال أوروبا    الأربعاء.. "الموسيقى النفسية الواقعية" ورشة في بيت السناري    كابتن أحمد يونس: التوعية بالتوحد مسؤولية مجتمعية لا تقل أهمية عن أي قضية إنسانية    كواليس المخطط| محمد موسى يوضح دور "الإرهابية" في إدارة منصة ميدان    محلل سياسي يكشف أسرار الدور الروسي والصيني في دعم إيران وحماية مصالحها    وزارة الداخلية تنهي خدمة فرد شرطة أساء معاملة سائح بقرار حاسم    بنك QNB مصر يحقق قفزة تاريخية في الأرباح بنمو 33%    وفد تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين يشارك في قداس عيد القيامة بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية    أحمد عبد الرحمن أبو زهرة يطمئن الجمهور على صحة والده: الحالة الآن مستقرة.. خاص    وزير المجالس النيابية يشارك في قداس عيد القيامة المجيد بالكاتدرائية المرقسية    القومي للطفولة: مبادرة أطفال السكري نقلة نوعية في متابعة مرض السكر دون وخز    عالم أزهري يحسم الجدل حول نقوط أفراح الجمعية: أكل مال الناس بالباطل    مواقيت الصلاه اليوم السبت 11ابريل 2026 بتوقيت محافظه المنيا    هل يجوز أن تكون شبكة الخطوبة فضة؟    اتفاق الزوجين على الطلاق الرسمي ثم المراجعة الشفوية «حرام»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في مسألة الحوار!
نشر في الأهرام اليومي يوم 23 - 03 - 2013

ستظل دائما مسألة إدارة الحوار مع الآخر تؤرقني وتثير بداخلي بواعث من النقد الإيجابي والسلبي حتي أنني قد أعجب بأجواء المباراة الحوارية وانعكاساتها وذكاء أسئلتها وفطنة أجوبتها ومدارات تخرجاتها أكثر
مما قد تسفر عنه من نتائج علي أرض الواقع.. وليس أكثر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من يمتلك الآن ناصية الحوار العالمي فدائما يبدو أكثر تحفزا وتأججا واستعدادا لمنازلة محدثه في حلبة النقاش للفوز بالضربة القاضية متسلحا بما في حوزته من معلومات وملفات سرية وما تدرب عليه من فنون في متاهات ودهاليز الحوار, والإدراك المتمكن للأصداء التي تعكسها العبارات, وذلك خلال سنوات دراسته في الكي جي بي, متكئا علي حصيلة هائلة من المفردات والتشبيهات التي يحرص علي انتقائها بخبرة الجواهرجي ليحقق في تعليق قد يبدو عفويا ما لا تقدر عليه حملة دعائية, وتلغي بأداة نفي عابرة ما لا تتوقعه دوائر رصد عالمية.. وليس أكثر من بوتين في الاستعانة بالأقوال المأثورة التي تختزنها ذاكرة حديدية صقلتها التدريبات في واحدة من أعتي المؤسسات الأمنية في العالم, إلي جانب ما تسديه لحواره خلاصة خبرات المستشارين في جميع الاتجاهات مما يجعله في النهاية, صاحب الكلمة العليا في جميع اللقاءات والمؤتمرات العالمية والتي كان آخرها المؤتمر الصحفي الذي عقد في الأسبوع الماضي مع نظيره الفرنسي فرانسوا هولاند في الكرملين, حيث اتسمت أجواء المؤتمر بالفتور مما دعا مراسل الصحافة الفرنسية يقول للرئيسين معلقا: لقد اتسم حوار الزعيمين بمنتهي الصدق لكنه بكل الصدق أيضا افتقد حرارة المشاعر, ورغم وجودكما الآن أمامنا في المشهد جنبا إلي جنب والابتسامة تعلو شفاهكما إلا أننا للأسف لم نشعر بأن العلاقات بين روسيا وفرنسا أصبحت أكثر دفئا وحرارة.. ولم يكد المراسل ينتهي من تعليقه حتي بادر بوتين إلي مقاطعته بابتسامة واسعة مشيرا إليه ناحيته: تستطيع أن تقترب أكثر لتجلس بيننا وسوف تحصل حتما علي تلك الحرارة التي تبتغيها. وفي نفس المؤتمر لجأ بوتين إلي الموروث الشعبي الروسي في تعليقه حول صعوبة إيجاد حل للأزمة السورية قائلا: إن هذه الأزمة قد بلغت حدا من التعقيد والالتباس والتداخل ما جعل فك طلاسمها في حاجة إلي( نبيذ جيد) مستعينا بالقول الروسي المأثور( بدون زجاجة فودكا يصعب إيجاد الحل) مما دفع الرئيس الفرنسي بدوره إلي الاقتراح بأن يكون المشروب( نبيذآ فرنسيا) بقوله إنه من الأفضل أن يكون( بورت) بدلا من الفودكا الروسية.. وهو نفس التعليق في قولنا الدارج من تراثنا الشعبي عندما تتعقد القضية ويتعذر الحل بأنها في حاجة إلي كوباية شاي تموين ونفسين معسل والواحد يخش لها السيما!.. ومن إجابته حول انهيار الاتحاد السوفيتي إن من لم يشعر بالأسي لسقوط الاتحاد السوفيتي إنسان بلا قلب, ومن يدعو إلي إعادة بناء نفس الاتحاد السوفيتي إنسان بلا عقل!.. ويتجلي إعجابه بالزعيم الفرنسي الراحل شارل ديجول في ترديده للكثير من مقولاته بين حواراته مثل: إذا كان لك الخيار فلتختر الطريق الأكثر وعورة لأنك سوف تكون علي يقين من أنك لن تصادف هناك منافسين!
وإذا ما كان رئيس روسيا حريف حوارات مستدعيا لها حريصا علي نجوميتها, فهناك من الرؤساء من يتجنبها بجميع السبل والوسائل لأسباب جوهرية, فأمرها قد خرج تماما من يده مثل الرئيس العراقي جلال الطالباني الذي يرقد منذ أكثر من3 أشهر في إحدي المصحات الألمانية لإصابته بجلطة في المخ تعرض لها أثناء إجرائه لأحد الحوارات في مقر رئاسته بالمنطقة الخضراء ببغداد, وللأسف أنها ليست الجلطة الأولي بل تسبقها جلطات وتجمعات خطرة في الشرايين, وأيضا لم تكن المرة الأولي التي يغادر فيها الرئيس الطالباني العراق لتلقي العلاج خارج البلاد, فعلي مدي الثلاث سنوات الأخيرة التي تراجعت فيها صحته إلي حد كبير لم يجلس طوالها براحته علي مقعد الرئاسة دون منغصات المرض حيث تفاجئه النوبة من وراء النوبة ليحمل علي عجل بطائرة الإسعاف الطبي لمصحات أوروبا وأمريكا, ثم عودة بين النقاهات للسليمانية ليظل فيها راقدا يبلغونه همسا في أذنه بعد نزع التوصيلات بخلاصة الأمور ويطلبون منه التوقيع النهائي بخط يده علي موضوعات قد تم بالفعل البت فيها تجنبا لإرهاقه بالتفكير.. ونظرا لإغراءات الكرسي الرئاسي يرقد الطالباني بعيدا عنه وعينه منه وعليه ليظل الوضع في العراق علي ما هو عليه, وتغدو الأمور في وجود الرئيس أو عدمه سيان لدي جميع الأطراف, مما يعكس الوضع العاجز في الجسد العراقي كله الذي أصيب بدوره بجلطة في شرايين الأمة العراقية, تعكس بدورها راحة قلب ودماغ لإيران وتركيا وسوريا والولايات المتحدة, وكل من لا يريد للفتنة أن تستيقظ الآن بالذات!
ويحضرني ما نقلته لي المذيعة البارعة سناء منصور من خبرات اكتسبتها في معهد الإعلام بباريس عندما كانت مديرة لإذاعة مونت كارلو أنه من أصول اللعبة في الحوار عندما تريد إخراج المستخبي من داخل ضيفك أن تظل شاهرا الميكروفون في وجهه بعد أن يكون قد انتهي خلاص من الإجابة علي سؤالك المطروح, فيغدو مضطرا لقول الجديد في نفس المجال والذي سيكون تبعا للتجربة والخبرة أكثر إسهابا وصدقا وعفوية وإنسانية مما جاء في إجابته الأولي الجاهزة.... وحقيقة لقد أنهكتنا حوارات تستضيف فيها المذيعة شخصية متجددة الرؤي والثقافات لتتحدث هي بدلا منها, وأخري يبغي ضيفها القدير المتعمق تأصيل رأيه ببدايات وجذور ودوافع تقوده للإجابة عن سؤالها لكنها بفجاجة متعجلة تقول له ما معناه هات من الآخر..وحوار ممل تتعدد فيه إجابات لا تعليق, وحوار مهترئ مقطوع النفس ما بين تليفونات السادة المشاهدين وفقرات المراسلين ومليونيات الميادين واستعراضات المعلنين, ونعود بعد الاستراحة و..كنا بنقول إيه؟!! وتسجل الذاكرة أنه من أفشل الحوارات حوار أجرته الأون تي في بين مرشحي الرئاسة عمرو موسي وعبدالمنعم أبوالفتوح الذي أطاح بمركزيهما معا, وحوار الفجر للرئيس مرسي مع عمرو الليثي الذي لم يغفل فيه المتسائل عن سؤال لكننا رغم الضني والسهاد لم نلتقط فيه إجابة شافية تغني أو تشبع عن طول جوع وإرهاق, وحوار صدفة جمع ما بين أحمد شفيق والأسواني, وحوار ينظر فيه الضيف للساعة, وحوار يسخر فيه المذيع من ضيفه بإيماءات يوجهها في الخفاء للجمهور, وحوار يشترك فيه حسن البرنس أو صبحي صالح ولو بالتليفون.. ولعل أطول حوار سياسي علي مدي العقود الطويلة هو طرح القضية الفلسطينية للمناقشة علي مائدة الحوار.. وأمتع الحوارات المفيدة جري أخيرا ما بين القديرين مفيد فوزي وعادل حمودة, وما يجري من ضبط النفس الأسطوري لدي المحاور اللبناني المسيحي طوني خليفة المتصدي لأخطر القضايا السياسية والدينية الشائكة علي أرض مصر, وحوار أجراه محمد حسنين هيكل مع الرئيس حافظ الأسد الأب الذي نقل له فيه شعوره من أنه جاء ليحاوره بعد عشرين عاما قادما من نفس الطريق لبنان دمشق ليطرح عليه نفس الأسئلة متوقعا نفس الإجابات, فسارع الأسد يجيبه معلقا: ونفس المحاور!!.. وحوار للرئيس نيكسون من بعد خروجه من منصبه الرئاسي استطاع فيه المذيع اليقظ محاصرته بالأسئلة حتي اعترف بجريرته في فضيحة ووترجيت فأضاع فرصة الرئاسية نهائيا!.. وحوار الرئيس السادات مع أشهر المذيعات بربارا والتز عام76 الذي أربكها فيه منذ البداية عندما سألها عن مرتبها المليون دولار لتتسع بعدها نجوميته إلي حد التعليقات بأنه لو رشح نفسه في الولايات المتحدة لأخذ أصواتا تفوق الرئيس كارتر.. وحوار الثقافات لليلي رستم الذي تجمعت فيه نخبة العقول حول طه حسين.. وحوار القلوب بين الشيخ الشعراوي ومريديه.. وحوارات أحمد فراج النورانية في نور علي نور.. والحوار العبقري الصامت لفلسفة الحياة في عيون الريحاني ينهي به فيلم غزل البنات.. وما يعوزنا الآن وليس كثيرا علي أصحاب العقول سوي الحوار الوطني القائم علي جدول أعمال يصل بمصر إلي مرحلة الأمان, ويحقق المصالحة بين جميع القوي السياسية المتناحرة حتي لا نظل في صدامات ومعارك وتهديد ووعيد وتلويح وتلميح وفتح ملفات وقفش تجاوزات وفضح تربيطات وتكريس اختراقات وتسييس عبارات وحوار طرشان.. وضيوف وقعوا في براثن حوارات استضافتهم مع الإخوة الأعداء لمجرد جذب المشاهد والتسخين!!!
وفي الحوار الصحفي تصفع عيناي عبارة ويقول الدكتور وبعدها رص السطور التي لم يقلها الدكتور, وغالبا ما انتزعت من سطور بحثه, ولا يغيظني أكثر من السؤال المتكرر علي مدي الحوار الذي يبدأ بعبارة وماذا عن...؟ أو السؤال الجاف كالهيكل العظمي المسمط الذي ولابد وأن تأتيه الإجابة أكثر منه آلية وجفافا وتخشبا.. وليس أكثر ضغطا علي مراوح الصدر من مقدمة الحوار المتضخمة ذات الأبناط المطبعية الوارمة التي تتوقع من بعدها أن يأتي الزلزال فلا تقرأ سوي لغو!..
وعلي مدي حوارات السنين التي لم تعرف بداياتها بأمر أجهزة التسجيل كنا نهرع بعد كل حوار لنفك طلاسم الشخبطة التي لاحقتنا بها إجابات المصدر, ونعصر ذاكرتنا لتصيد كل ما قيل من تفاصيل العبارات والوقفات والنقلات لنسكبها سريعا فوق الأوراق كي لا ينفلت منا تعليق أو تفر لازمة قد تثري سطور الحوار.. و..من قبل ومن بعد الجهاز السحري توقفت أمام أسئلة طرحتها يوما علي أسماء لمعت في الزمن الجميل لأستعيد ذكري إجابة كانت علامة من علامات الطريق.. ذهبت يوما أسأل شاعر الشباب أحمد رامي في منزله وهو يلاعب أحفاده عن أولي كلماته التي غنتها أم كلثوم فحصلت علي تاريخ لقاء أصول أساطين الطرب عندما سرده لي: كان ذلك في24 يوليو1924 عندما شدت الآنسة أم كلثوم المطربة الجديدة الوافدة من السنبلاوين في صالة سانتي بحديقة الأزبكية بكلمات قصيدة قام بتلحينها الشيخ أبوالعلا محمد تقول كلماتها:
الصب تفضحه عيونه
وتنم عن وجد شئونه
إنا تكتمنا الهوي
والداء أقتله دفينه
يهتاجنا نوح الحمام
وكم يحركنا أنينه
ولن أنسي حوارا مع المخرج العبقري صلاح أبوسيف أحد أهم مائة سينمائي عالمي والذي ضم سؤالا مني له: أبتغي شرحا لأسلوبك في توصيل شخصية الدور إلي الممثل علي مدي الثلاثين فيلما التي أخرجتها؟ فيجيبني بابتسامته الدمثة: أجمع الممثلين المختارين وأقرأ معهم سيناريو الفيلم علي مهل, وأجعل كل منهم يهتدي بحدسه الخاص إلي أبعاد دوره وملامح شخصيته, ثم أحادثهم عن جميع شخصيات الفيلم, وتطور تلك الشخصيات خلال تراكم الأحداث التي يتناولها الموضوع, وبهذه الطريقة يكتشف كل ممثل دوره, مستفيدا من رؤيتي الشاملة للعمل ككل, إلي جانب أن هذا الأسلوب يعطي الممثل فرصة الخلق, والاعتماد علي قدراته.. و..سألت صاحب نوبل عن مدي انتظاره لنوبل فأجابني نجيب محفوظ في صالون بيته بالعجوزة: حقيقة إنه لم يكن عندي أدني علم بأنني مرشح لتلك الجائزة, أي أنني كنت في جانب المتفرجين عليها فقط وبطبيعة الحال. وكنت أسمع أن فلانا, وفلانا, وفلانا من الكتاب العرب مرشحون للجائزة.. فلما كنا نقعد في مجالسنا نتساءل: من يا تري سيحصل علي الجائزة من هؤلاء؟ نعم.. كنت أعرف أنني خارج اللعبة. خارج الصورة, ولهذا لم أشغل بالتفكير في الجائزة. يعني لا هو زهد فيها ولا هو عدم ثقة, ولا هو أي شيء آخر. كل ما هنالك أنني لم أكن أعرف أنني مرشح لها. أنا لم أعلم من الذي رشحني لها إلا في يوم أن نلتها من جريدة الأخبار التي نشرت أن الدوائر الفرنسية هي التي رشحتني.. يعني ناس من فرنسا!
و.. ألم يكن الحوار علي الطبيعة ملهما لإحدي روائع الدكتور يوسف إدريس5 ساعات عندما كان طبيب امتياز بقصر العيني واستدعي علي عجل لإنقاذ الضابط عبدالقادر طه المصاب بعدة أعيرة نارية علي قارعة الطريق, وتم فتح محضر النيابة في يوم الخميس2 أكتوبر1952 الموافق12 محرم1372 الساعة10 صباحا بدار القضاء العالي ليسأله المحقق:
س: اسمك وسنك ووظيفتك وعنوانك؟
ج: يوسف إدريس علي.25 سنة, طبيب امتياز بمستشفي قصر العيني. مولود بالبيروم مركز فاقوس شرقية ومقيم بمستشفي فؤاد الأول.
س: هل كنت الذي استقبلت المجني عليه؟
ج: أيوه.
س: الإجراءات التي اتخذتها إزاء إصابته؟
ج: في حوالي العاشرة نقلت الإسعاف مصابا إلي المستشفي, وجاء لي رجل الإسعاف وأخبرني بأن المصاب ضابط بالجيش ضرب بالنار في حي الروضة, وقبل أن أكشف عليه كان يتكلم ويقول: قتلوني.. أنا ليه واحد صاحبي اسمه علي أخذني الليلة إلي الروضة.. وفي الضلمة وكنا ماشيين سوا.. بصيت لقيت نور عربية كشفنا.. وضرب النار اشتغل.. وأصبت في ظهري فانكفيت علي وشي وجم الناس وشالوني.
س: مدي الإصابة؟
ج: بالكشف عليه وجدت عنده أربعة مداخل دخول لأعيرة نارية.. وأتذكر أنه كان فيه ثلاثة أعيرة لم تنفذ والعيار الرابع كان نافذا, لأن له فتحة دخول وفتحة خروج, وكان مصابا فوق ذلك بصدمة, وخلع لذراعه اليمني, والعلاج في هذه الحالة يقتضي أولا علاجه من الصدمة لأنها أخطر, فأدخلناه في الإسعاف السريع وهو حجرة بجانب طبيب الاستقبال, وعلاج الصدمة يكون بنقل الدم والبلازما, وغيرها من الأدوية والعقاقير.
س: هل لديك أقوال أخري؟
وإذ يجيب يوسف إدريس بالنفي أغلق المحضر بعبارة تمت أقواله ووقع... بعدها تأتي قصة الضابط الشهيد التي استلهمت من الحادث السابق في أدبيات إدريس تحت عنوان5 ساعات لتأتي نموذجا لعنف السلطة عندما تتوحش وتنهش بأنيابها.. كتب إدريس في بعض سطورها الدامية:( علي نفس السرير الذي مات عليه عبدالعليم الطالب الصغير الذي أصيب بخبطة هوجاء في رأسه أثناء المظاهرات, والذي مات عليه صديق ابن العربجي الذي تهشمت ضلوعه, والذي مات عليه شعبان وصالح وعبداللطيف ومحمد من جراء إصابتهم الدامية.. علي نفس هذا السرير رقد عبدالقادر الجريح وحوله اسطوانات الأكسجين وأجهزة نقل الدم وأزيز غلاية الماء وحفيف البخار المتصاعد منها ومجموعة من الأطباء وممرضة وصمت ترعشه أنات عبدالقادر.. وما كادت آخر قطرة من أول لتر من الدم تأخذ طريقها إلي قلبه حتي اختفت قليلا تلك الصفرة التي علت وجهه, وتغيرت ملامحه, ثم استقرت تقاطيعه علي ابتسامة كانت أجمل ما رأته عيناي ليلتها.. وشيئا فشيئا بدأت ابتسامته تتلاشي وراء غيوم, ثم اختفت وأظلمت ملامحه وتقاربت تقاطيعه وتوترت أنفاسه اللهثة واندفع يقول كالذي يخنقه كابوس:
- أيوه.. علي.. علي.. الندل.. يجرني للضلمة, وأنا صاحبه.. صاحبه.. الخاين.. بس لو أروق له؟.. وأروق لهم.. عاوز أشرب.
وسمعت نقرا علي الباب, وحين فتحته وجدت الممر الطويل يضيق بالناس والهمسات والتوجس, واندفعت العيون نحوي ولمحت في كل العيون تساؤلا.. ورجاء.. رجاء في الأمل.. ودخل كاتب الاستقبال صامتا علي غير عادته لا تستقر نظراته كالذي يبحث عن شيء ونسي ما يبحث عنه واتجه إلي الركن الذي وضعنا فيه أشياء عبدالقادر.. بذلة في ظهرها ثقوب.. وقميص أبيض لا تهتم لبياضه بقدر ما تقشعر للدائرة الحمراء البشعة علي صدره الأيمن.. وعلبة فيها ثلاث سجائر ومنديل وقطعة حلوي مهشمة وحافظة نقود فيها فوق ما فيها من أوراق صورة قديمة تثنت حوافها لطفل صغير.. و..أغلقت الباب.. وبدأ النزيف.. وأفلحنا أن نسد الثقب المتربص تحت الثدي الأيمن كالعدو المبين.. وكلما رأيت دم الجريح المغتال يجف فوق يدي وينكمش حين يجف, أوغلت في تأملي للجريح الذي لابد كان رجلا ككل الرجال.. نما من طمي وادينا ومضغ قمحنا وارتدي قطننا.. وكلما أوغلت في تأملي همت أستعيد ما فات, وأري الأجداد والآباء والشهداء الذين لهم أسماء فوق الرخام, والشهداء الذين بلا أسماء ولا رخام, وكل من له عم وكل من له خال, وكل أولئك القانعون بالألم.. وكل الثكالي.. وكل اليتامي.. وكل أمهات الشهداء.. وأصبح الجرح الذي في جانب عبدالقادر أوسع من فمه وما يجيء من دمه أغزر.. ثم راح في غيبوبة.. ورحنا في صمت وأعيننا ثابتة في مكانها لا تغادر الوجه الوديع الذي كان يلمع بالعرق.. آخر عرق.. وملامحه التي استراحت في هدوء دائم!)
وما من حوار أعظم وأجل من سؤال وجواب بين الإنسان وخالقه عز وجل في لحظة ترتفع فيها البشرية كلها وتسمو وتكبر ممثلة في موسي عليه السلام, وبحسب البشرية كلها أن يكون فيها الاستعداد لمثل هذا الاتصال علي نحو من الأنحاء, فالعقل البشري ليس هنا ليدرك ويحكم وإنما قصاراه أن يقف مبهوتا يشهد ويؤمن.. يضل موسي طريق عودته من أرض مدين إلي موطنه مصر ومعه زوجه بنت شعيب عليه السلام, إلي جانب الطور, فيري علي البعد في الليلة القارسة البرد نارا في الفلاة فاستبشر وذهب ليأتي بقبس منها يستدفئ به أهله, ويهتدي علي ضوئها إلي الطريق.. فلما أتاها نودي يا موسي إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوي وأنا اخترتك فاستمع لما يوحي. إنني أنا الله لا إله إلا أنا, فاعبدني وأقم الصلاة لذكري. إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي فلا يصدنك عنها من لا يؤمن واتبع هواه فتردي.. وإن القلب ليجيش رهبة, وإن الكيان ليرتجف تأثرا متصورا ذلك المشهد القدسي.. موسي وحيدا في الصحراء والليل دامس والظلام شامل والصمت مخيم وهو الذاهب التماسا لجذوة من نار فإذا الوجود كله من حوله يتجاوب بالنداء: إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوي وأنا اخترتك.. إنك يا موسي في الحضرة العلوية وفي الوادي الذي تتجلي عليه الطلعة الإلهية فلا تطأه بنعليك.. وأنا اخترتك.. فيا للتكريم.. الله بذاته يختاره.. فردا من مجموع.. واحدا من ملايين.. ذرة في الكون الكبير الذي قال الله له كن فكان ولكنها رعاية الرحمن لهذا الإنسان.. وإذ تزداد رهبة موسي يأتيه التنبيه للتلقي فاستمع لما يوحي وهل هناك من الملائكة والبشر والطير والإنس والجن والأرض والسماوات السبع والجبال والأنهار والأشجار وذرات الرمال وموج البحار من لا يستمع للواحد القهار؟! ويتلقي موسي سؤالا لا يحتاج منه إلي جواب: وما تلك بيمينك يا موسي؟, قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها علي غنمي ولي فيها مآرب أخري.. ذلك أقصي ما يعرفه موسي عن تلك العصا, ولكن ها هي ذي القدرة القادرة تصنع بتلك العصا في يده ما لم يخطر له علي بال.. قال العلي: ألقها يا موسي, فألقاها فإذا بها حية تسعي, قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولي.. وتقع المعجزة فإذا عصا موسي حية تسعي, فلما رآها ولي مدبرا فناداه ربه: يا موسي اقبل ولا تخف إنك من الآمنين ويأمره تعالي بإدخال يده في جيبه اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب أي إذا خفت فضع يدك علي فؤادك يسكن جأشك.. ويأمر الله نبيه بالذهاب إلي فرعون إنه طغي ولعلم موسي بجبروت فرعون يسأل ربه ويسهب في طلب ما يطمئنه لعلمه مسبقا بجبروت فرعون وقد تربي صبيا في قصره قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. واجعل لي وزيرا من أهلي, هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا.. فلا يبطئ المولي عليه بالإجابة الشاملة في كلمة واحدة تحمل مدلول الإنجاز الفوري بلا وعد ولا تأجيل قد أوتيت سؤلك يا موسي.. فأي تكريم أكبر من أن يذكر ملك الملكوت اسم عبد من عباده من خلال حوار سؤال وجواب.. بل ويمن عليه جل جلاله بمحبة بمثابة الدرع الواقي الذي تعجز قوي الشر في الكون جميعها أن تمس حاملها بسوء وألقيت عليك محبة مني ولتصنع علي عيني!!
لمزيد من مقالات سناء البيسى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.